الأسد وثقافة "النظام المُنْضَمّ"!

الكاتب : خطيب بدلة
التاريخ : 14 نوفمبر 2016 م

المشاهدات : 824


الأسد وثقافة

شرحتُ لحضراتكم، في زاوية سابقة، مصطلحَ "النظام المُنْضَمّ" الذي ‏يُسْتَخْدَمُ في الجيش السوري، إنه مجموعةٌ من التدريبات ‏الصارمة التي تساعد الفتى الغرّ (المُسَاق) لتأدية الخدمة على ‏تَعَلُّم السير الجماعي، والانضباط، وطاعة القائد، وخلق آليةٍ نفسيةٍ ‏غريزيةٍ، تؤهله لتنفيذ الإيعازات المباغتة بتلقائية مُبهرة.
أرجو ألَّا يبقى تفكيرُكم، الآن، منحصراً في نطاق الخدمة العسكرية، فأنتم تعلمون أن نظام حافظ الأسد المغوار جعل أنموذجَ الحُكم في سورية هو نفسه أنموذج "النظام المنضم"، بدليل أن الشخص الذي يتسلم أيَّ منصب في البلاد سرعان ما يتقمّص شخصية الضابط العسكري، مع اعتقادٍ جازم بأن المواطنين الذين يقعون تحت إمرته إنما هم جنودٌ ينتظرون منه الإيعاز لينفذوه من دون تلكؤ، أو تردّد، أو تذمر.
من هنا، نستطيع أن نفهم ظواهر كثيرة سادت في المجتمع السوري، خلال فترتَي الأسدين الأب والوريث، منها تعيين ضباط مخابرات ذوي سجلاتٍ حافلة بالإجرام في وظائف إدارية مدنية، كوظيفة (المحافظ). والواحد من هؤلاء ينسى، في أثناء تأديته عمله، أنه محافظ، وسرعان ما يحوّل مكتبه إلى مرتع للمخبرين وكتبة التقارير الأمنية، وفي أحيانٍ كثيرة، ينزعج من مواطنٍ ما، فيخطر له أن يرفعه (فلقة)، ووقتها يتذكّر أنه لا يمتلك أدواتٍ خاصة بالتعذيب، فيتصل بأحد رؤساء فروع الأمن، ويقول له، بلغةٍ ملغزة: باعت لك هدية، أرجو أن تقبلها مني، وأن تتولاها برعايتك!
يعرف القسم الأكبر من الشعب السوري أن رفعت الأسد، مثلاً، أمضى حياته كلها في الخدمة العسكرية، وأنه اختصّ، بعد وصول شقيقه حافظ إلى السلطة، بممارسة التصرفات الوسخة والمجازر بحق السوريين، لذا، بلغتْ دهشةُ الناس حدَّها الأقصى، حينما علموا أنه عضو في اتحاد الكتاب العرب، وعلى الرغم من دهشتهم الشديدة، لم يجرؤ أحد منهم أن يسأل الدكتورَ علي عقلة عرسان، رئيس الاتحاد الأزلي، عن المؤلفات التي قدمها السيد رفعت الأسد للمكتبة العربية، حتى قُبِلَ لعضوية الاتحاد، وما إذا كانت كتبُه مستوفيةً للشروط العالمية للكِتَاب التي حددتها منظمة اليونسكو، وهي الشروط التي كان الدكتور، عبد الله أبو هيف، عضو المكاتب التنفيذية الثلاثة (الطلائع- العمال- الكتاب) يتمسّك بها، ويتحدث عنها في مقالاته الصميدعية.
وبرأيي أن سبب دهشة الناس من انتساب الدكتور رفعت الأسد إلى اتحاد الكتاب العرب، وبقائه فيه حتى سنة 2012، يأتي من أنهم لا يعلمون أن نسبة 15% من أعضاء اتحاد الكتاب العرب ضباطٌ متقاعدون من الجيش والشرطة. وقد وزّعهم الدكتور عرسان على جمعيات الشعر والقصة والمسرحية والرواية... وبالنسج على هذا المنوال، اقترح أحدُ الكتاب الساخرين على المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب إحداث جمعية خاصة بـ (كتاب التقارير الأمنية).
لا يمكن أن يُسْتَكْمَل الحديث عن الأدب والصحافة، بوصفهما مرتعاً لـ "النظام المُنْضَمّ"، بمعزل عن اسمٍ مؤثّرٍ في هذا المجال، هو سيادة العميد محمد إبراهيم العلي الذي كان قائداً لـ "الجيش الشعبي"، وكان، في الوقت نفسه، يكتب رواياتٍ لا تكفي صفة "كبيرةً" للتعبير عنها، فهي "ضخمةٌ"، ولم يكن أحدٌ بين المثقفين السوريين ليجرؤ على الادّعاء بأنه استطاع أن يُكمل قراءة أيٍّ منها، لأنها سردية، ومسطحة، وخلوٌ من المهارات الفنية، ومملة، ومع ذلك استطاع العلي، من خلال نفوذه العسكري والسلطوي، أن ينال بها شيئاً من العالمية، فعلى أيام الاتحاد السوفييتي الصديق، تُرجمت أعماله الروائية كلها إلى الروسية، وصار يُعْرَفُ هناك بأنه الروائي السوري الأول!
ولئلا أخرج عن موضوعنا الأساسي؛ أحيطكم علماً بأنه كان بإمكان القائد العلي أن يطلب من قيادة الجيش أن تفرز بعض الكتاب الشبان لتأدية الخدمة الإلزامية في الجيش الشعبي، وهؤلاء، بعد الفرز، يساعدون سيادة اللواء بكتابة رواياته، في مقابل إعفائهم من التدريبات الشاقة التي تدخل تحت تسمية "النظام المُنْضَمّ". فتأمل.

 

 

 

 


العربي الجديد

المصادر: