روسيا.. بين عصرين!

الكاتب : طلعت رميح
التاريخ : ٧ ٢٠١٥ م

المشاهدات : 6602


روسيا.. بين عصرين!

عادت روسيا إلى المنطقة العربية بطائرات تقتل الشعوب الثائرة، أو عادت لتساند الحكام المستبدين في قتل شعوبهم، وهي التي كانت تدعي خلال الحقبة السوفيتية أنها في صف الشعوب، وأنها هي من تدافع عن خياراتها في الاستقلال من الهيمنة الغربية أو الأمريكية أو الرأسمالية، وهي من تقدم الخبرات والمصانع لدول العالم الثالث.

وروسيا العائدة ليست إلا الاتحاد السوفيتي، الذي لم يكن سوى روسيا، مضافًا إليها ما احتلته قواتها من بلدان أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية. ولذا حين انتهى الاتحاد السوفيتي انتقل مقعد مجلس الأمن– المزود بالفيتو- من اسم الاتحاد السوفيتي المنهار إلى اسم روسيا، دون اعتراض من أي من الدول الكبرى أو الصغرى في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو في مجلس الأمن.

هل كانت تكذب روسيا في الماضي؟ وإن هذا هو وجهها الحقيقي؟ أم أن بوتين غير روسيا وأنها انتقلت من خندق إلى خندق؟

روسيا بين عصرين وفي انتقالها من عصر الشيوعية إلى عصر الرأسمالية، لم تختلف في الواقع، وإنما هي حاولت تحقيق نفس الأهداف والمصالح الاستعمارية وفق استراتيجيات تتناسب مع ظروف البيئة الدولية في كل مرحلة لا أكثر ولا أقل.

وإن كان هناك من تصور أن الاتحاد السوفيتي كان صاحب أهداف مختلفة أو داعمًا للشعوب– كما كان حالي أنا كاتب هذه السطور في إحدى مراحل عمري الفكري- فما عليه إلا العودة إلى عقله- كما عدت لعقلي من قبل- إذ ظروف التباري بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال مرحلة الحرب الباردة، هي من أجبرت كلًا منهما على تلميع نفسه عبر إجراءات هنا أو هناك كان هدفها الحقيقي تعميق الوجود الاستعماري في الدول الأخرى.

ففي الوقت الذي قدمت روسيا بعض الخبرات لبعض الدول العربية أو غيرها، فالولايات المتحدة بالمقابل، هي من ساهمت في نهضة اليابان وكوريا، إذ جرت النهضتان والبلدان واقعتان تحت الاحتلال العسكري الأمريكي. كانت ظروف الصراع الدولي وشدة المعركة بين روسيا (الاتحاد السوفيتي) والولايات المتحدة قد أوجدت خيارين أمام دول العالم الثالث، وهو ما أملى على قطبي الصراع الدولي تحقيق إنجازات هنا أو هناك، أو مساندة هذه الدولة أو تلك، لتكون أحد أوراق القدرة على مواجهة الطرف الآخر.

الاتحاد السوفيتي السابق أو روسيا الحالية، كلاهما لا يخرج عن كونه قوة استعمارية مثلها مثل الولايات المتحدة ومثل أوروبا، وهي تستخدم القوة العسكرية وأعمال القتل والاحتلال، سعيًا وراء تلك المصالح الاستعمارية.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد احتلت دولًا أكثر وقتلت بشرًا أكثر، ومارست أعلى درجات العدوانية إلى درجة القتل باستخدام السلاح النووي، فذلك أمر يتعلق بتفوقها على جميع خصومها لا بسبب اختلافها عنهم في الفكرة الايديولوجيا أو المصلحة الاستعمارية. وها نحن نرى بوتن، يبرز عضلات قوته ويصعد أعمال احتلاله وتقسيمه للدول الأخرى، بتناسب طردي مع تصاعد عوامل قوة بلاده العسكرية، بعدما كانت قد وصلت من قبل إلى حافة الانهيار.

وهكذا كما فعل الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، حين اتخذ قراره بتحريك قواته لاحتلال هذا البلد، تحرك بوتين إلى جورجيا ليقسمها أولًا، بفصل مقاطعتين منهما (اوسيتيا وابخازيا) وإعلانهما جمهوريتين مستقلتين عن جورجيا ثم انضمامهما لروسيا، ليشعل الحرب على جورجيا بزعم الاعتداء على الجمهوريتين المستقلتين. ومن بعد ذهب بوتين إلى أوكرانيا، إذ اقتطع شبه جزيرة القرم وضمها لروسيا، وتحركت استخباراته في شرق أوكرانيا بالسلاح في محاولة للفصل النهائي لهذا القسم الآخر من أوكرانيا.

والآن جاءت قوات بوتين وطائراته لتعيد تكرار ذات التجربة الجورجية والأوكرانية، إذ يجري التعامل مع الساحل السوري، كما جرى مع مقاطعتي جورجيا ومع شرق أوكرانيا والقرم، بطريقة أو بأخرى.

لكن الأمر مختلف.

وكما أخطأ الاتحاد السوفيتي في احتلال أفغانستان، يخطئ بوتين في احتلال سوريا، التي هي ليست جورجيا ولا أوكرانيا.

ارتكب الرئيس الروسي خطأ استراتيجيًا من الوزن الثقيل، حين تدخل عدائيا بقواته المسلحة ضد الشعب السوري وثورته. فسوريا ليست أوكرانيا ولا جورجيا. وإن كان هناك ثمة وجه شبه في الخطة الروسية بهذه الطريقة أو تلك- في ظل ثبات نفس الاستراتيجية- لكن نمط الشعب وطبيعة علاقات روسيا بالمجتمع السوري، ونمط الصراع ودرجة تطوره وإمكانيات تحكم روسيا في أوراقه، كلها امور مختلفة عن حالتي جورجيا وأوكرانيا.

في أوجه الشبه بين خطط بوتين هنا وهناك، تبدو حكاية اللاذقية والساحل السوري، وكأنها إقليم أوسيتيا وأبخازيا في جورجيا، من زاوية إمكان فصلها عن بقية الوطن عسكريًا.

وفي أوجه الشبه المحتملة قد تبدو سوريا المفيدة من دمشق وريفها إلى الساحل، وكأنها حالة شرق أوكرانيا، لكن كليهما من ناحية الجوهر لا يمكن فصلهما أو اللعب الاستخباري في كليهما على طريقة جورجيا وأوكرانيا، إذ لا سكان هنا من أصل روسي، ولا سكان يتحدثون الروسية، وقبل هذا وبعده فلن يقبل هؤلاء السكان مطولًا ببقاء قوات الاحتلال الروسي طويلًا، وقد تحول إلى وجود عدائي، والأغلب أن ينخرط في مقاومة الوجود الروسي دفاعًا عن استقلال ووحدة بلادهم، ضمن منظومة ثورة التحرير السورية.

كما أن سوريا ليست على مرمى حجر من الأراضي الروسية، كما الحال في جورجيا وأوكرانيا، وكذا أن سوريا جزء من أمة واسعة عريضة ولا يمكن بالحسابات الاستراتيجية مساواة المعركة فيها بالحالة الجورجية، ولا بالحالة الأوكرانية. والأخير كان جوهر خطأ فكرة ورؤية وخطة احتلال أفغانستان.

ولعل أكبر وأهم ما يظهر خطا بوتين هو هذا التحريض والدفع الذي تقوم به الصحافة الغربية لقرار بوتين باحتلال سوريا، وهذا التضخيم الممنهج في قدرة الجيش الروسي من قبل هذا الإعلام، إذ كان التاريخ يعيد نفسه، فكل زعيم أو دولة أو جيش ضخمت الصحافة الغربية من قدراته إلا وكان "تسمينًا.. في مرحلة ما قبل الذبح".

ارتكب بوتين أشد الأخطاء الاستراتيجية كارثية على بلاده. وللأسف ستدفعه الصحافة الغربية للتورط أكثر، عبر إعطاء احتمالات كاذبة لتجربته العدوانية، لكي تكون هزيمته أشد تأثيرًا على مستقبل روسيا.

 

 

شؤون خليجية

 

المصادر: