مقدمات وممهدات للمشروع الإسلامي

الكاتب : عطية عدلان
التاريخ : ٨ ٢٠١٥ م

المشاهدات : 6568


مقدمات وممهدات للمشروع الإسلامي

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

برغم كل هذه التضحيات التي بذلت - وإنّها لكثيرة - وبرغم كل هذا الثمن الذي أعطي - وإنّه لباهظ - يظل المشروعُ الإسلاميّ هو الأعز، ويبقى هو الأغلى، مهما بذل في سبيله من تضحيات ومهما قدم لقاء إقراره من ثمن؛ وإنّ الأرواح لتهون، وإنّ الأنفس لترخص في سبيل الوصول إليه وإسعاد الإنسانية به.

ولسوف تنتصر ثورات الشعوب الإسلامية، ولسوف تنتصر الثورة في مصر وليبيا وسوريا وغيرها من بلاد الإسلام، وليس ثمّ خوف يغشى النفوس من فشل هذه الثورات؛ فجميع عوامل النجاح وكافة مقومات الانتصار موفورة بشكل لم يكن متوقعاً، من اتضاح الحق، وافتضاح الباطل، والتمحيص الذي يمضى على سَنَن يوحي بتوجه العناية الإلهية إلى تسوية وتقوية وتنقية الصفّ، والغربلة التي لم تدع متوارياً خلف جدار شفيف أو كثيف إلا أخرجته وأنبأت بخبيئته، وتمايز الصفوف بصورة تهيء لمواجهة كبيرة وحاسمة، وتساقط الرؤوس الكاذبة، وتهاوي الدعاوى الضالة، وغير ذلك من مقومات الانتصار التي لا يغني عن غياب واحد منها امتلاك الجيوش أو تجييش الشعوب.

لكن الخوف الذي يقبض على القلوب، ويعصرها عصراً حتى تكاد تستحيل يبساً لا نبض فيه ولا حياة، يهجم من جهة أهل الحق، وتهب رياحه من ناحية مجتمع الأخيار، ذلك المجتمع الذي - برغم طهره - تغدو فيه وتروح أمراض مستحكمة، من الهوى والعصبية والحزبية، والانطلاق من ردود أفعال وقتية في القضايا الكبار، والتركيبة الثقافية غير المتناغمة والتي يغلب على منظومتها النشاز، والتطرف المشين في تناول القضايا التي لا توزن إلا بميزان حسّاس، حتى إنّه لا يجد كبير عناء من رام تشويه صورتهم، ولا يبذل كثير جهد من عمد إلى النيل منهم وتقديمهم للناس في صورة بشعة بالغة الفجاجة.

لذلك يجب أن يعمل العلماء والمفكرون، والدعاة والمصلحون، على تثبيت أقدام الثوار على الطريق، الثاني تبصيرهم بطبيعته ومراحله، ودروبه ومنحنياته، ووهاده ونجاده، وما يعترض فيه من عراقيل وعقابيل، ومن هنا جاءت الدعوة إلى إعداد المشروع الإسلاميّ بشكل يجمع بين البساطة والوضوح، ويؤلف بين المصداقية والواقعية، ويوازن بين الواجب والممكن، وجاءت هذه الورقة المتواضعة إسهاماً في تحقيق هذا الحلم الكبير، وتلبية لدعوة المخلصين الطيبين، المعنيين بما لا يجوز لأمثالهم من أهل الهمم العالية والاهتمامات الراقية أن ينشغلوا عنه بغيره.

ما هو المشروع الإسلاميّ؟

المشروع الإسلاميُّ ليس حلماً، وليس مجرد أمل، وإن كان الوصول إلى تحققه حلم كبير وأمل عريض، المشروع الإسلاميّ - ككل ما يسمى مشروعاً - هو عبارة عن خطة واضحة المعالم، بارزة المراحل، لوصول الأمة إلى إقامة النظام الإسلاميّ واستعادة الخلافة الراشدة، وتحكيم الشريعة الغراء وبسط سيادتها على العالمين، وإخراج العباد في ظلها من الظلمات إلى النور، وإسعاد البشرية المعذبة بما في هذا الدين العظيم من عقيدة سليمة وشريعة مستقيمة.

وبما أنه مشروع، وبما أنها خطة، فلا يتصور - من الأصل - الاقتصار على الصورة المثالية النهائية له، ولكن لا بدّ من أن يُذكَر في الخطة جميع المراحل، وأن يُوَضَّحَ في كل مرحلة جميع ما هو من قبيل الخطوط العريضة والكليات العامة الهامة، على أن يقتصر التفصيل والإيغال في الفرعيات على المراحل القريبة من العمل.

ونستطيع أن نقرر آمنين أنّ المشروع الإسلاميّ ينقسم إلى قسمين أساسيين:

الأول: الأنموذج الكامل الذي يجب في حال القدرة والاختيار،

الثاني: البديل الناقص الذي يجب في حال الضعف والاضطرار، الأنموذج الكامل هو الذي نسعى إلى تحقيقه، والبديل الناقص إنما يأتي في مراحل السعي إلى تحقيق الأنموذج الكامل، والكمال هنا هو الكمال النسبيّ المقدر بحسب طاقة تقبل الواقع البشريّ، والنقصان هنا ليس نقصان الخلل أو الاضطراب أو العجز، وإنما هو مجرد تأخير الاستكمال إلى وقته الذي لا يصح إلا فيه، كمن يبني بيتاً، ويضع أسسه في المرحلة الأولى، ويبنى بجواره كوخاً أو حجرة متواضعة يسكن فيها إلى حين إتمام البيت أوتهيؤ الظروف لإكماله، فهذه المرحلة بالنسبة إلى ما خطط له ناقصة، أما بالنسبة إلى المطلوب فيها فهي كاملة صحيحة، غير منقوصة ولا مجروحة.

أولاً: الأنموذج المثاليّ:

ويتمثل في شكل الدولة الإسلامية الواجب إقامتها حال القدرة والاختيار، ما هي أسسها وما هي مؤسساتها وأجهزتها، وكيف كانت إبان الخلافة الراشدة الأولى، وكيف يمكن أن تكون صورتها لدى الوصول إلى الخلافة الراشدة الثانية.

فالدولة الإسلامية المثالية هي دولة الخلافة الراشدة، وهي دولة تتحقق فيها سيادة القانون (الذي يكون مصدره شرع الله) واحترامه من الجميع حكاماً ومحكومين، دولة مؤسسات لا يهيمن عليها شخص الحاكم أو عصابة صناع القرار، دولةٌ مبرر وجودها في حياة الناس هو الاستخلاف، دولة إسلامية وليست دولة دينية ثيوقراطية، دولة واحدة موحدة وليست دويلات متناثرة، دولة ذات رسالة عالمية.

أسس الحكم فيها غاية في العظمة والرقيّ، هذه الأسس هي:

1- السيادة للشرع

2- السلطان للأمة وهي مصدر السلطات

3- الشورى منهج الحكم

4- العدل والمساواة ورعاية الحقوق والحريات

5- التكامل أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم

6- وحدة الأمة والدولة وواحدية الإمام

وهذا الأنموذج المثالي مفصل في غير هذا الموضع؛ وله جوانب اقتصادية واجتماعية وتربوية وعلمية وأمنية، وغير ذلك من عناصر المشروع، جوانب اقتصادية موضح فيها طريقة التعامل مع الثروة ومقدرات البلاد والعباد بما يحقق العدالة الاجتماعية ويشجع على النمو والاستثمار، وجوانب اجتماعية وتربوية موضح فيها الأسس التي يقوم عليها الج تمع الإسلاميّ، ووسائل ومراحل تنمية وتقوية هذا الجوتمع حسب معطيات الشريعة ومكتسبات الخبرة المتراكمة، وعلمية تشمل مناهج التفكير والإبداع، ولا تهمل الخطط والاستراتيجيات، وكل مجال من هذه الجاالات ينبغي أن يدلي فيه بدلوه كل متخصص من المخلصين النابهين.

ثانياً: البديل الناقص المؤقت:

وهو شقّ المشروع الإسلاميّ الأول، وربما كان هو الشقّ الأشقّ؛ لكونه يعتمد على الاجتهاد في ضوء معطيات الواقع وعلى هدىً من مقاصد الشريعة، وباعتماد فقه الأولويات وآليات التدرج، ويصعب التنبؤ بالمدة التي يمكثها العمل الإسلاميّ في مراحل هذا القسم الهام والحسّاس من المشروع الإسلاميّ، وكم تستغرق كل مرحلة من مراحله، ويعزّ بشكل مخيف تحديد سمات وملامح المشروع في كل مرحلة بصورة قطعيّة، وإنما هي اجتهادات ورؤى تعتمد على الجمع بين فهم الواقع وفقه الشرع، وعلى التجرد الكامل من كل ما يشوش على الرؤية، ومما لا شكّ فيه أنّ الأمر سيختلف من مكان لآخر ومن زمان لآخر، وستطول فترة الإمارات المتوازية، ثمّ التحالفات المتقاطعة، قبل أن تتحقق الوحدة الكبرى في الشقّ الثاني من المشروع الإسلاميّ تحت لواء الخلافة الراشدة الموعودة.

المبادئ العامة للبديل المؤقت:

1- التدرج

2- فقه الأولويات

3- فقه الواقع

4- إعمال مقاصد التشريع

5- إحياء فقه الضرورة

6- التفريق بين ما هو من قبيل المقاصد والكليات وما هو من قبيل الوسائل والجزئيات، والتفريق بين ما هو من قبيل الأحكام وما هو من قبيل الآليات والأدوات والأمور التقنية.

7- اعتماد المؤسسية في الاجتهاد والفتوى واتخاذ القرار ورسم الخطط ووضع الاستراتيجيات، والتعويل عليها في كل شأن.

8- الاستفادة من كل جديد في العلوم الإنسانية كعلم الإدارة وعلوم التنمية البشرية، والعلوم المتعلقة بمناهج وطرق وضوابط وضع الاستراتيجيات والتفكير الاستراتيجي الذي يوفر الطاقات ويحقق الأهداف بأقل قدر ممكن من التكاليف.

9- التجرد، ونشر ثقافة التجرد، وتقديم النماذج التي يقتدى بها في التجرد.

10- التخلص من أمراض التطرف الفكريّ والفقهيّ.

المعوقات:

1- التآمر الخارجيّ ومحاصرة القوى الكافرة للعمل الإسلاميّ.

2- المنافقون والعملاء في الداخل.

3- انتشار ثقافة التبعية في المحيط الشرق أوسطيّ وضعف روح الاستقلال.

4- الاختلاف الشديد بين الفصائل الثورية وبين الجماعات والأحزاب الإسلامية.

5- فقه الاستكانة المتسلفن (المدخليّ والجاميّ والبرهاميّ والرسلانيّ و ... )

6- ضعف الإمكانيات الاقتصادية وتحطم وتهتك البنى التحتية للبلاد العربية.

7- الصورة السلبية التي رسمها الإعلام والاستشراق للإسلاميين في الخارج

8- الصورة السلبية التي رسمها الإعلام والاستشراق للإسلاميين في الداخل.

9- ضعف الآلة الإعلامية للإسلاميين في مقابل جبروت الإعلام الكافر.

10- تخلف الخطاب الإسلاميّ (الدعوي والسياسي) واستمرار مشكلاته.

11- انتشار الفكر العصرانيّ الليبراليّ المؤسلم، أو لبرلة وعلمنة الفكر الإسلاميّ.

12- التردّد بين الخضوع التام لضغط الواقع أو التجاهل التام للواقع، وعدم وجود منهجية وسطية معتدلة للتعامل مع الواقع.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

 

العاصمة

المصادر: