العالم العربي بين الفراغ والتفريغ

الكاتب : محمد محسوب
التاريخ : 28 يوليو 2015 م

المشاهدات : 4540


العالم العربي بين الفراغ والتفريغ

مساحة مذهلة من الأرض وقماشة ممتدة من النسيج المجتمعي المتناغم الذي لم تستطع كل عوائق السياسة أو خرائط التقسيم أن تمزقه إلى أمم، فبقي بفضل التماسك الثقافي والمجتمعي أمة واحدة، بينما تمزق كياناته السياسية جحافل الاستبداد وخرائب الفكر النخبوي.

نحن لسنا أمام فضاء خالٍ، بل تملؤه أمة عريقة وشعوب تطمح لمستقبل تستحقه؛ ومع ذلك فإن كل قوى الأرض المسعورة لا تجد لها مكانا تتمدد فيه إلا في هذه المنطقة من المعمورة. فإذا أجملنا الأسباب، بعيدا عن تفصيل تاريخي أو تحليل سياسي، فإنها تجتمع عند ثلاثة:

أولاً: السلطات التي تقود دول وممالك العالم العربي: فهي رغم تنوعها بين ملكي وجمهوري وجمهوري ملكي أو حتى إقطاعي، تتشابه في جوهرها؛ إذ يقبع على قمتها أشخاص أو أسر غاية في الضعف وانقطاع الخيال وفقدان شرعية الرضا الشعبي وتلتف حولهم حاشية فقيرة الفكر وغير قادرة إلا على إبداء الطاعة وإثبات الولاء في شكل هرمي مائع لا قوام له.

والثاني: الجهد الاستعماري المستمر عبر مائتي سنة لتكريس التقسيم والضعف السياسي والتفكيك الاقتصادي في المنطقة؛ لأسباب بعضها تاريخي ونفسي أو نزوعا إلى السيطرة على مناطق الطاقة وممرات العبور الواصلة بين أطراف العالم أجمع أو محاولة للسيطرة على الأسواق الاستهلاكية لشعوب معروفة تاريخيا بعشقها للاستهلاك وميلها للترف.

والثالث: النخب التي تميّزت عن شعوبها، فورثت عن طبقة الأجانب والمرتبطين بهم من أصحاب الامتيازات والمتمتعين بالحماية تعالياً مفرطاً على الشعب وتحليقاً في عالم مجرد بأفكار وأيديولوجيات لا تنتمي للأرض التي يحيون عليها ولا للشعوب التي ينتمون لها. وهو ما يجعلهم غالبا في تناقض مع اختيارات شعوبهم ويقبلون التضحية بما يُنادون به من شعارات في مقابل بقائهم على قمة "كريمة المجتمع".

إن الخلاف بين مفهومي الأسلمة والعلمنة ليس إلا انعكاسا لهذا الفكر البائس لنخب مختالةٍ على شعوبها متشرنقةٍ خلف مصطلحات لا تعبر عن تاريخ المنطقة ولا عن شعوبها ولا عن حالة محددة من التحرر والازدهار يمكن للعالم العربي أن ينتقل إليه.

وتتساعد تلك العوامل الثلاثة في تجريف مستمر للحالة العربية من الطموحات والخيال المتطلع ومن ثم إفشال لمحاولات الأجيال للتحول إلى حال أفضل، وذلك باختلاق المعارك الوهمية مما يجر مجتمعاتنا إلى الانقسام والتشرذم خلف عناوين براقة لا تعبر عن شيء وإنما تمهد لضياع الفرصة تلو الفرصة.

لا يتعلق الأمر، فقط، بإفشال التحول الديموقراطي كما يجري لثورات الربيع العربي، وإنما ينعكس أيضا في إفشال إمكانات التطور الاقتصادي أو الصناعي ومن ثم العجز الدائم عن تحقيق فوائض تسمح بتحقيق طفرة في حياة الشعوب ومعاشهم، ويمكن ملاحظة ذلك سواء لدى الدول الغنية بسبب ما تملكه من مخزون من الثروات الطبيعية التي يجري تجريفها بأسرع مما يتمنى الخصوم، أو في الدول الفقيرة المنهكة تحت ضغوط الاستبداد والفساد والانقسام المجتمعي.

ومن هنا فإن توجيه سهام النقد إلى القوى الخارجية بسبب تمددها في منطقتنا العربية، سواء في مصر أو اليمن أو ليبيا أو سوريا أو العراق أو غيرها، هو نوع من القفز على جوهر المشكلة.

فالمنطقي أن الإناء الممتلئ يفيض على الفارغ؛ ومنطقتنا وإن لم تكن فارغة، فإنها مُفرغة عن طريق تغييب شعوبها وسلبها القدرة على الإبداع والمنافسة.

وأول ما تحتاجه أمة للخروج من حالة الغياب التي تعاني منه هو أن تحضر بنفسها لا بنواب عنها مستبدين يفرضون أنفسهم ولا يملكون أية مؤهلات أو ملكات لتمثيل شعوب بهذا الحجم ولا أمة بهذا التطلع.

والمحصّلة النهائية لأي بحث سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي ستقود إلى نتيجة واحدة ، وهي أن شعوبنا تحتاج للإفلات من دائرة الاستبداد أولاً ليمكنها من مواجهة الفساد ثانيا، ومن ثمّ تتأهل للخروج من التبعية إلى الاستقلال الوطني والقومي الذي يمكنها من أن تكون منافسا شريفا للقوى الدولية وليس تابعا منكسراً لأي منها.

ويبدو إن ثورات الربيع العربي، بمراحلها وجولاتها، مازالت هي الخيار الأفضل لتحقيق حالة الحضور الحقيقي والفاعل لأمة غائبة منذ قرنين أو أكثر. ولا أستغرب أن العوامل الثلاثة التي أشرنا إليها تتوافق وتتعانق في مشهد مستفز لمواجهة تلك الثورات ومحاولة تفريغها من مطالبها الحقيقية وتحويلها إلى عمليات للثأر والنزاع بين فئات مجتمعية أو طوائف مذهبية أو كيانات عرقية.

فالحكومات العربية من الخليج إلى المحيط منخرطة في حالة مسرحية من مواجهة مخاطر هي التي تصنعها لخلق ملهاة، فإذا بها تنجر لتصبح جزءاً من المأساة؛ بينما الدول المهيمنة على النظام الدولي والتي مازالت مجللة بالروح الاستعمارية والاستعلائية منهمكة في بناء ديكورات مسرح لتلك الملهاة ومنغمسة في صناعة المأساة باحثة عن أكثرها بشاعة لتستخلص منها مزيداً من المصالح الاقتصادية قصيرة الأمد والمطامح السياسية غبية النظر.

أما نخبنا، فكما هو متوقع منها فقد سارعت إلى القيام بدورها كجوقة تصنع الموسيقى التصويرية والخلفية الملحمية للمأساة، فجعلت همّها تشويه محاولات الشعوب لتحقيق الحرية والتخلص من الفساد وانخرطت في تبرير عنف السلطة بالإرهاب الذي خلقه استبداد تلك السلطة. نحن أمام صورة كاريكاتورية لما عانى منه العالم العربي بعيد الحرب العالمية الأولى مباشرة تمهيدا للتقسيم وتبريراً للاستعمار وتسكينا للتطلعات الشعبية لبناء مستقبل حر وكريم.

ومع ذلك فإن هذا المشهد المتكرر تضمن، هذه المرة، عنصراً كان غائبا في المرات السابقة، وهو مجموعات الشباب الهائلة، من حيث العدد حوالي 60% من شعوبنا، ومن حيث امتلاكها لرؤية واضحة لا تنفع معها الأساليب التقليدية لأدوات القهر الاستبدادية ولا يمكن أن تبتلعها أبواق النخب في ملاحمها ومعاركها الضبابية البعيدة عن واقع شعوبها.

وإذا كان من الواجب أن نرى المشهد المأسوي العربي على حقيقته دون أن نغفل حالة الفراغ العربي على كامل الإقليم العربي وتمدد قوى أخرى في أحشائه؛ إلا إنه من غير المنصف اليوم أن نتحدث عن نهايات مشابهة لما حدث سابقا من فوز مؤكد للتحالف الثلاثي (الاستبداد والهيمنة والنخبوية) وانكسار أكيد للتطلعات الشعبية. فالحقيقة إن هذا التحالف يُواجه اليوم بمقاومة من الشباب العرب والذين تتراجع لديهم قيمة الانقسامات الفكرية ولا يعتدون كثيراً بالفزّاعات التي اعتادت الحكومات المستبدة أن ترفعها بمواجهة التطلع للحرية.

كما إن الكلفة الاجتماعية التي تتحملها الشعوب بسبب استمرار الاستبداد والانقلاب على ثورات الربيع العربي وبسبب فشل الحكومات التقليدية في تحقيق الأمن أو الرخاء أو العدالة، يدفع فئات مهمة، كانت تقليديا تقف بجانب الاستبداد بمبررات مختلفة، لإعادة تقدير الموقف مقارنة بين كلفة بقاء الاستبداد وعوائده في مقابل كلفة التحول الديموقراطي وما يوفره من فرص لتحقيق الازدهار وتأهيل منطقتنا لتصبح شريكا لا تابعا.

ربما آن لنا أن نقول أن عملية التفريغ المستمر لمنطقتنا من قدراتها على الانتقال لمستقبل أفضل وتجريفها من أمال الحرية والازدهار أصبحت عملية مكلفة لمن يقوم بها، وأمست تواجه مقاومة تتصاعد من أنصار الحرية والحالمين بالعدالة لدرجة أصبح كثيرون من مؤيدي الاستبداد غير موقنين بالانتصار هذه المرة في مواجهة تطلعات الشعوب.

 

 

هافينغتون بوست

المصادر: