قصتنا مع الأنفال -1-

الكاتب : محمد شادي كسكين
التاريخ : ٩ ٢٠١٥ م

المشاهدات : 3088


قصتنا مع الأنفال -1-

بسم الله الرحمن الرحيم لا يحمد في مثل هذا الموقف إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم بشاراَ وحزبه، والصلاة والسلام على قائدنا وقدوتنا وأسوتنا وحبيبنا ونبينا ملهمنا وأرفعنا ومرشدنا إلى الأبد سيدنا محمد وعلى أله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين..

 

"إذا أردت أن تعرف مقامك من الله, فانظر أين أقامك وانظر فيم أشغلك ؟!" .. تلفت حولك وارجع بذاكرتك لما قبل هذه الثورة .. أين كنت ؟ وفيم كنت مشغولاً؟ كيف كنت تقضي يومك وليلتك ؟ كيف كانت عقيدتك .كيف كانت ثقتك بربك ؟ بل كيف كنت ترفل في قيود الذل والكفر والخوف والحياة البائسة !

وانظر اليوم أين وضعك الله وفيم أشغلك الله وكيف أعزك الله ورفعك ؟
– مجاهد كل ساعة من ساعات رباطك خير من الدنيا وما عليها ! روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها.!!

- مجاهد وكل خطوة ..كل عمل ..كل نفس من أنفاسك عبادة ورباط في سبيل الله ...!! واقرأ إن شئت قوله تعالى { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ الْأَعْرَاب أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُول اللَّه وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسه ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبهُمْ ظَمَأ وَلَا نَصَب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظ الْكُفَّار وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَل صَالِح إِنَّ اللَّه لَا يُضِيع أَجْر الْمُحْسِنِينَ } – سورة التوبة الأية 120 -.

- يوقعّ التجار عقوداً فيما بينهم ويتفاخرون ويتباهون إن وقعوا عقداً مع شركة كبيرة أو تاجر معروف؟! أما أنت فأنت توقع عقداً مع من؟ أنت أيها الإنسان الضعيف الفقير المذنب توقع عقداً مع رب الأرباب وملك الملوك ..مع الله سبحانه وتعالى " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" - سورة التوبة الآية 111- وحين تربح التجارة أو تخسر وحين ينجح البيع أو يخيب فإن عقدك وتجارتك رابحة رابحة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " - سورة الصف الآيات 10-13

– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالماً مع أجر أو غنيمة)) – وحين يخاف الناس نار جهنم وعذابها تأتيك البشرى أيها المجاهد من حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم لتطمئن وتستبشر فعن أبي عبس بن جبر الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار)) رواه البخاري في صحيحه. و " عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله " – رواه النسائي وحسنّه - فهنيئاً لك بعقد لم يحزه إلا الصفوة والنخبة!! عقدّ فاز به من قبلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته وأتباعه وجند الله وأولياؤه المقربون وأنت تنضم بإختيار الله واصطفائه لهذه الكوكبة العظيمة من البشر – فأولئك الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ! – سورة النساء الأية 69 -.
- هل تأملت في قوله سبحانه وتعالى﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا - سورة الفتح – الاية 7 – وقوله سبحانه وتعالى {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} –سورة الصافات الايات 171-17 - قال ابن جرير: "قوله: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ} أي " إن حزبنا وأهل ولايتنا لهم الغالبون" - جامع البيان 23/114. وعندما أسلم أبو سفيان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ((يا عباس، حبِّسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمرّ به جنود الله فيراها)). قال العباس: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه. قال: ومرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ الحديث ....أخرجه ابن اسحاق في السيرة (4/17)، والطبراني في الكبير (8/10) واللفظ له، والطبري في تاريخه (3/114) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3341)، وأصل القصة في البخاري كتاب المغازي (4280) ...
والأن تأمل أيها المؤمن: من أصل مليار ونصف مليار مسلم.. ألف وخمسمائة مليون مسلم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كم هو عدد من اصطفاه الله واجتباه واختاره ليكون جندياً من جنوده؟!! وانظر في أي نعمة عظيمة أنت؟ وانظر إلى عطاء الله وفضله عليك إذ اختارك من بين الملايين لتكون في نصرة دينه وملته وأمته بل وفي خيرة أجناد أرض الذين توكل الله سبحانه وتعالى بهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟! فعن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق)). قال ابن حوالة: خِر لي ـ يا رسول الله ـ إن أدركت ذلك؟ فقال: ((عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله))أخرجه أحمد (4/110)، وأبو داود في الجهاد، باب: في سكنى الشام (2483)، والطبراني في مسند الشاميين (1172)، وصححه الضياء المقدسي في المختارة (9/272)، وابن القيم في إعلام الموقعين (4/408)، والألباني في فضائل الشام.
الآن وقد فزت بهذا العقد وبعت واشتريت وأصبحت من الفئة الموكل إليها مناجزة الباطل وإزهاقه ومناصرة الحق وإحقاقه فإن لهذا العقد شروطاً وشروحاً والتزامات تترتب عليه... لقد بدأت مرحلة جديدة في تاريخنا بنصر بدر وبدأت الأحكام تتنزل .. أحكام الشهداء والنفير والتولي يوم الزحف وأحكام الأسرى والغنائم والمعاهدات .. لكننا سنتوقف اليوم عند محطة واحدة هامة من محطات ما يترتب على هذا العقد الكريم.
سورة كاملة في القرآن الكريم , خمس وسبعون آية تسمى بـ " الأنفال " تفصل أحكامها وتثبت أركانها لكنها في ذات الوقت تشير لما قد لا ننتبه له فيها ,, هذه السورة الكريمة تنزل بعد غزوة بدر والانتصار الأول لجيش المسلمين لمعالجة وتنظيم ما يترتب على هذا الانتصار وفي مقدمته " الغنائم والأنفال" ! واذا كان يتبادر إلى أذهاننا بمجرد ذكر كلمة الأنفال والغنائم أنها المكسب المادي الملموس الذي ينتج عن المعارك فإن المعنى الحقيقي يذهب إلى أفاق أخرى أكثر اتساعاً مع من هذا المعنى البسيط المحدود وإن كان يشمله, فالغنائم قد تكون مادية كمال أو سلاح أو عتاد أو ما شابه وقد تكون سياسية كاتفاق أو ظهور أو حكم أو سلطة أو معنوية كقدرة أو قوة وبالتالي أرى أنها كل مكتسب مادي أو معنوي مؤثر ناتج عن معركة أو حرب أو صراع وشاهدنا في هذا أن الله سبحانه وتعالى يقول في صلح الحديبية : وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) - سورة الفتح.

فالقرآن يعتبر اتفاق صلح الحديبية مغنماً وغنيمة - كما قال ابن عباس وابن كثير رضي الله عنهما - وهو اتفاق سياسي وعسكري ... ولذا فقد يكون الجانب الغائب من الغنائم والأنفال أكبر من الجانب المشاهد الحاضر في أذهاننا إذ لا يمكن المقارنة بين أن تغنم رشاشاً أو ذخيرة وبين أن تغنم سلطة في منطقة أو جزءاً من سلطة عامة فالثانية أهم وأكبر.. وإذ ما عدنا إلى بدء أحكام الأنفال فبعد الانتصار الكبير في بدر تدخل الهزيمة الأولى في تاريخ المسلمين ومن بوابات ثلاث : معصية رسول الله أولاً والأنفال ثانياً.. والتنازع ثالثاً وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 152) , { 155 } ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) - ولو تأملت هذه الثلاث التي ذكرتها الأية لوجدت أنها مرتبطة ببعضها ارتباطاً وثيقاً لا ينفك فالتنازع سبيل إلى الفشل ومعصية الرسول أكبر الفشل والتنازع بين الفئة المؤمنة المجاهدة بين " مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا " و" مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ " لا يدخل إليه إلا من باب وجود ما يُتنازع عليه وهو الغنائم والأنفال في هذه الحالة!
دعونا نأخذ مزيداً من الوقت في التوقف عند معركة أحد فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضوان الله عليهم أن لا يبرحوا أماكنهم , وعندما لاحت بشائر النصر وبدأت ساعة حسم المعركة بعد أن "تحسونهم بإذنه " و أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ " يدخل عامل جديد يقود إلى الهزيمة , فلقد بدأ وقت " الغنائم "! المسلمون هاهنا صحابة رسول الله الذين اختارهم الله لصحبة نبيه المتنزل على رسول الله الوحي بينهم .. الذين لو أنفق أحد منا في هذا العصر مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه ومع ذلك يحدث " الاختبار الأصعب" فكيف بنا ونحن في ثورة شعب لا ثورة ملائكة معصومين وفينا العالم والجاهل والصالح والطالح إلى أخر ما يكون في الشعوب ؟!!

في موضع أخر يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الهزيمة" إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿١٥٥﴾ - سورة آل عمران -
يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم "أحد" وما الذي أوجب لهم الفرار، فلقد تمكن الشيطان من جرهم للزلل والخطأ, لكن تمكن الشيطان من فعله هذا مرهون بـ " بعض ما كسبوا" وهنا يقف المرء مع استشهاد لطيف يسوقه الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في تفسير هذه الآية فيقول: وعندما نقرأ كلمة { ٱسْتَزَلَّهُمُ } نعرف أن (الهمزة والسين والتاء) للطلب، تطلب ما بعدها، مثل: استفهم أي طلب الفهم، استعلم يعني طلب العلم، استقوى يعني طلب القوة، و " اسْتَزَلَّ " يعني طلب الزّلل، ومعنى " الزَّلل " هو العثرة والهفوة، أي أن يقع الإنسان في الغلط، إذن فالشيطان طلب أن يزلوا، { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } ، كأن الشيطان لا يجترئ على أن يستزل أحداً ممن آمن إلا إذا صادف فيه تحللاً من ناحية، لكن الذي ليس عنده تحلل لا يقوى عليه الشيطان، ساعة يأتي الإنسان ويعطي لنفسه شهوة من الشهوات فالشيطان يرقمه ويضع عليه علامة ويقول: هذا ضعيف، هذا نقدر أن نستزِلّه. لكن الذي يراه لا يطاوع نفسه في شيء من التحلل لا يقترب ناحيته أبداً كما قال سبحانه وتعالى " { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أ. هـ
وإذن فنحن نتحدث في الغنيمة لا عن مكسب مادي أو معنوي مؤثر في محيطنا وقدرتنا المادية فحسب بل عن مكسب مادي أو معنوي مؤثر تكمن خطورته في قدرته على إحداث تغيير في القلب مُخّلٍ بأركان الإخلاص والتجرد في نية العمل لله وهو عماد انتصار المؤمنين في معاركهم فتكون الأنفال بتأثيراتها مدخلاً إلى الهزيمة النفسية المتمثلة في ضعف الإيمان وصولاً إلى الهزيمة العسكرية والسياسية التالية لها قطعاً. ولذا لم يكن غريباً أن يشهد تاريخ الغزوات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم محطات معدودة قليلة تلوح فيها الهزيمة وهي دائماً لا تأتي إلا بعد انتصار فالهزيمة في معركة أُحد تأتي بعد أن كاد غبار وطيسها ينقشع عن انتصار بل بعد غزوة بدر أولى معارك المسلمين وانتصارهم الأول ومعركة حنين بعد الفتح الأكبر لمكة المكرمة ودخول الناس في دين الله أفواجاً – لم تحدث هزيمة في فتح مكة رغم كثرة وقوة المؤمنين – فتح مكة الذي تمّ بوعد الله " مغنماً" يحبه المؤمنون كما في قوله تعالى " ( وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( 20 ) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا – و" { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }

- في فتح مكة يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة كما يروي ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر والحاكم عن أنس على راحلته متعرجًا (متعممًا) بشقة بردٍ حَبِرة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعًا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه – لحيته - ليكاد يمس واسطة الرحل , صلى الله عليه وسلم أما في معركة حنين فإن الهزيمة تدخل من باب القلوب المتغيرة فلقد انضم لجيش الفتح ألفا مقاتل من طلقاء الفتح وحديثي الإيمان وداخل قلوب البعض ما داخلها من اغترار وقوة فكيف يغلبون اليوم من قلة وهنا تحدث الهزيمة مرة أخرى حين تفعل أنفال الفتح وغنائمه فعلها في القلوب – يقول الله سبحانه وتعالى { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين } (التوبة:25-26) . وإذن فحين يضعف اليقين أو يغيب بأننا لا ننصر إلا بالله ومن الله وحين تركن النفوس إلى القوة والكثرة ووفرة السلاح والعتاد يوكل الله المقاتلين إلى انفسهم فإما أن يحدث انتصار ليس فيه لله ولا لدينه شيء أو تحدث هزيمة تعيد إيقاظ من غفل أو نسي.

لقد قلنا إن صلح الحديبية وهو اتفاق يجوز تسميته بلغة ساسة هذا العصر اتفاقاً لوقف إطلاق النار أو هدنة مؤقتة انتصار وغنيمة وما تلاه كان فتح خيبر وهو أيضاً انتصار وغنيمة ولم تحدث بعدهما هزيمة ناتجة عنهما وإذن فالغنيمة في عين ذاتها وما ينتج عنها ليست علة مرفوضة محذورة لذاتها وإنما يكمن الخطر فيها ويظهر إن غيرتً هذه الأنفال معادلة الاعتقاد أننا قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ومعادلة الانتصار بأننا لا ننتصر بغير هذا الدين وأن نصرنا لا يتأتى إلا من خلال استخدام الله سبحانه وتعالى لنا لنصرته وتأمل معي قوله سبحانه وتعالى" وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] فهذه الحرب والمؤامرة المستعرة المستمرة علينا لن تتوقف إلا بتحقيق غاية يريدها الأعداء " إن استطاعوا – وهم في خضم ذلك يرحبون ويودون " لو تدهن فيدهنون " دون أن تحقق المداهنة الظاهرة رضى حقيقياً في نفوسهم حتى " تتبع ملتهم " والوعد والعهد من الله أن "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:55] فوعد النصر الأبدي قائم على ركيزة واحدة وهي الإيمان فمتى اختلت هذه الركيزة أو تداعت أو ضعفت أو غابت انتفى الوعد واختلطت الخنادق وحدثت الهزيمة وهكذا نقول إن الهزيمة لا تأتي إلا بخلل يحدث في أخر وأشد ساعات المعركة احتداماً كما لا يأتي الليل إلا بغياب الشمس وكما لا يأتي الفجر إلا في أخر وأشد ساعات الليل حلكة , {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]. و رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فَوَاللهِ! مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[13]. فسُنَّة الله في خلقه أنه إن فُتِحَت الدنيا على الصالحين؛ فاغترُّوا بها وتنافسوا فيها؛ فإنها ستُهلكهم لا محالة كما أهلكت مَنْ كان قبلهم؛ {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43]. وعلينا أن نفهم أن الهزائم لا تسرق ولا تختطف إذ لا ثمار لها, وإنما تختطف الانتصارات والإنجازات في اللحظات الأخيرة لانبثاق فجرها فتشرئب الرقاب وتتسابق الأيدي حين تنضج الثمار ويلوح القطاف!

وأتوقف عند محطة أخرى من تاريخنا الإسلامي الغابر قبل أن أتوقف عند المعاصر منه لأنتقل إلى معركة " بلاط الشهداء" وكنت في الكلمة التي أكرمني الله وشرفني أن ألقيها بين يدي الأحبة في كتيبة من كتائب هذه الثورة المباركة قد استندت إلى إحدى روايتين تاريخيتين ترويان أحداث المعركة وتقول الرواية التي سردتها آنذاك إن عبد الرحمن الغافقي قاد جيش المسلمين المؤلف من خمسين ألف مقاتل كأكبر جيش تعرفه الأندلس أنذاك ليواجه جيشاً عرمرماً من النصرانيين والوثنيين ولتنتهي المعركة باستشهاد عبد الرحمن الغافقي وعدد كبير من شهداء المسلمين بعد أن تراجع المسلمون لصد هجوم قوات عدوهم على مخيم خلفي يضم النساء والأطفال والغنائم وهي الرواية التي يؤيدها كل من الدكتور راغب السرجاني والدكتور عبد الحليم عويس !

ولقد نبهني البعض أثابهم الله إلى الرواية الثانية التي تسوق دلائل وشواهد أن هذه الرواية رواية غربية مبتدعة تهدف لتضخيم هزيمة المسلمين في هذه المعركة والأهم ترويج أن غاية هذه الفتوحات لم يكن إلا السعي وراء الغنائم والمكاسب لاسيما وأن معظم المخطوطات العربية والإسلامية التي تتحدث عن تفاصيل المعركة أحرقت على يد الغربيين ولم يعد من مصادر إلا روايات غربية وأوروبية !

ولقد عدت للروايتين وأمعنت فيهما قراءة فتيقنت كما ساق الأستاذ الدكتور عبد الرحمن علي الحجي -أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب في جامعة بغداد في كتابه "التاريخ الأندلسي، من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة " أن "قصة الغنائم – بالحجم الذي رويت فيه - أسطورة لا أصل لها " ص 197 وزاد في يقيني تصريح منافق سورية المسمى شيخاً ومفتياً أحمد حسون عندما صافح رئيسة وزراء ألمانيا ميركل قائلاً" إن هدف الفتوحات الإسلامية في أوروبا لم يكن دائماً نشر الإسلام وإنما حب السيطرة والامتلاك " !

 

 

المصادر: