الثورة في سوريا (2).. الأقليات والتنويم المغناطيسي

الكاتب : سامي إبراهيم
التاريخ : 14 مارس 2013 م

المشاهدات : 899


الثورة في سوريا (2).. الأقليات والتنويم المغناطيسي

صحيح أن سوريا لمدة أربعين عاماً من حكم هذه المنظومة الديكتاتورية التي استولت على البلاد وسيطرت عليها بقبضة من حديد قد بدت متماسكة ومترابطة اجتماعياً، ولم تظهر السمات الطائفية والمذهبية والقومية التي تقسّم أبناء البلد الواحد وتمزق الجسد السوري، ولكن ذلك التماسك كان ضعيفاً واهناً، لماذا؟ لأن عوامل التماسك والترابط التي جمعت مختلف مكونات المجتمع السوري قد بُنيت على أساس الخوف والذعر من بطش النظام الذي سحق معارضيه، وبالتالي لم تُبنى على أساس التماسك الإنساني والاجتماعي الذي يجمع أبناء البلد الواحد ويلغي عوامل التقسيم من خلال المساواة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة.

 

 

المنظومة العسكرية والعقلية الأمنية كانت على الدوام الوسيلة الوحيدة التي حافظت على تماسك النسيج الاجتماعي السوري، وجعلته ثابتا ومنعته من الانهيار، وبالتالي فإن القمع الذي مارسته مؤسسات النظام العسكرية والأمنية استطاع أن يخلق حالة وهمية لوحدة وطنية تجمع المكونات المختلفة والمتنوعة في المجتمع السوري.

..................................

التنويم المغناطيسي كمبدأ قائم على السيطرة الكاملة على العقل البشري وتغييب للإرادة الحرة، فيه يصبح الإنسان مملوكا مُسيطَراً عليه، مُنفِّذاً لجميع الأوامر الصادرة وكأنه روبوت مبرمج، حيث يتم التحكم بتفكيره وقيادة سلوكه وأفعاله.
في إحدى تجارب التنويم المغناطيسي يذكر المحلل النفسي الفرنسي "بيير داكو" حالة امرأة أجريت لها عملية جراحية ولكن تم تنويمها مغناطيسيا قبل العملية حيث قام الطبيب برسم مربع وهمي على بطن المريضة وأوحى لها الطبيب: (سوف أخدر بطنك والتخدير سيحدث داخل المربع الذي رسمته وداخل هذا المربع لن تشعري بأي ألم) وتمت العملية دون الإحساس بأي ألم.
والأقليات في سوريا حالها كحال الإنسان المنوّم تنويما مغناطيسيا، فالأقليات على الرغم من أنها أكثر الطبقات فقراً وضعفاً وتعرضاً للاضطهاد والتهميش لكنها الأكثر ولاءً وطاعة له!
وهي الطبقات الأكثر خشية لأي تغيير والأشدّ معارضة لأي قادم جديد. 
لا بل ترى أشد الناس فقراً هم من يعارضون التغيير! وأشد الناس بؤساً هم من يقفون في وجه التغيير!
كلما ازداد قمع النظام وبطشه ترى الإخلاص له قد ازداد بشكل عجيب!
كلما قست وحشية النظام ترى الوفاء له قد بلغ أقصى الدرجات!
كلما اشتد استبداد النظام وظلمه ترى الطاعة في أقصى أشكالها!
لتسمع الُمستَعبَد المقهور يقول: إنه الوطن.. إنه الوطن..!
وكأن مطالبة السوري بالحرية والكرامة ستفقده وطنيته!
وكأن رفض السوري لفسادٍ بلغ الذرى سيجرده هويته!
وكأن وقوف السوري في وجه من نهب خيرات سوريا ونفطها وغازها وقمحها وقطنها وبحرها وسمائها وهوائها أربعين عاما ستنسف أخلاقه!
وكأن صرخة السوري في وجه مجرم سفاح سفك الدم السورية وأوغل في القتل ستدك المثل العليا والقيم السامية!

...............................

النظام الديكتاتوري على الرغم من أنه قضى على حقوق الأقليات وطمس وجودهم القومي والفكري والسياسي واللغوي، وفرض ثقافة الحزب القائد للدولة والمجتمع واعتمد أيديولوجية شوفينية متعصبة تقصي الآخر عن المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، إلا أن قسما كبيرا من أبناء الأقليات لازال يعتقد أن هذا النظام هو حاميها وسبب بقائها واستمرارها!
أربعون عاماً عاشتها الأقليات في كنف نظام سحقها معنويا واجتماعيا وثقافيا وأذاقها القهر والعبودية والذل كانت كفيلة بأن تُفقدها الحافز للحرية.
في سوريا لم توجد مؤسسات مدنية وسياسية تضمن حقوق الأقليات وتحقق الحرية والعدالة للشعب، بل وجِد سيدٌ واحدٌ مطلق وملايين العبيد التي تهتف بالشعارات، وكل شيء مسيطر عليه بواسطة سلطة أمنية بمنظومة استخباراتية تطورت عبر السنين.
لقد استطاع نظام الملكية المقدس الذي ركّز السلطة بأيدي فئة قليلة تحكمت بمفاصل الدولة وسيطرت على مؤسساتها من أن يبث شعورا بين أبناء الأقليات بأنّ نظاماً سياسيا أكثر إحكاماً وبطشاً هو الحل الأفضل الذي يحقق لهم مساواة نسبية مع الغالبية الساحقة لأفراد الشعب.

.................................

جلّ ما أعطاه النظام للأقليات كان بعضاً من الحقوق الدينية، ليربط هذه الأقليات بمؤسسات دينية، رجالها خاضعين لمراقبة أجهزة الأمن والمخابرات، يأتمرون لأمرهم وينصاعون صاغرين منفذين، فكان تأليه الحاكم وسيطرة رجال الدين من شأنه أن يفرض ثقافة القطيع على الأقليات وبالتالي حقق استقرارا نسبيا في المجتمع السوري.
فكان الدعاء للقائد من على منابر المساجد وهياكل الكنائس المكّمل والمتمّم للطقوس المقدسة، هذا التأليه للديكتاتور خلق (منظومة نفاق) أساسها رجال الدين، مهمتها ممارسة التكفير والنبذ لكل من يتجرأ على نقد القائد الذي استمد سلطته من الإله نفسه، ونشر حالة الطاعة والخنوع بين أفراد الطائفة الذين تشرنقوا وتقوقعوا داخلها، وليتم صبغ أفرادها بأفكار موحدة، مرغمين على العيش في عواطف مكبوتة ومفتقدين للجرأة والمخاطرة والمطالبة بالتغيير وليصبح هاجسهم الوحيد هو التوجس والقلق من القادم المجهول الذي سيقتحم أمنهم مع أي قادم جديد هذا الأمن النفسي الذي عاشوه لسنوات طويلة.
لتبقى الأقليات سجينة أفكار وقرارات وأحكام مشايخها ورجال دينها، وبذلك تلعب الأقليات دورها الذي رسمه لها نظامٌ خلق العبودية والتعصب الطائفي والتزمت الديني ليقيّد ويعرقل أي محاولة للتغيير وبناء مجتمع حر ديمقراطي.

..........................

منذ البداية قدّمت هذه المنظومة الديكتاتورية نفسها على أنها الحامي الوحيد لحقوق الأقليات، فسّوقت أبواق النظام الإعلامية صورة الحراك الثوري على أنها قائمة بالأساس على الطائفية وأن هذا الحراك ماهو إلا تهديدٌ لوجود الأقليات وإقصاء لهم، مستعينة بالتجربة العراقية والدول التي شهدت ربيعا عربيا بوصول الأحزاب ذات الأيديولوجيا الدينية للحكم، فدأبت أجهزة الأمن على طرح الشعارات الطائفية "العلوية بالتابوت والمسيحية لبيروت..." لترسخ لدى أبناء الأقليات هذه الفكرة، لتعقبها سلسلة تفجيرات في أحياء مكتظة بأقليات دينية "تفجيرات جرمانا والقصاع وباب توما والسليمانية..." معتقدة أنها نجحت في مرادها خاصة بعد أن وقعت أعداد من أبناء هذه الأقليات ضحية هذا الخداع والتضليل. 

.........................

لكن عندما يُكسر حاجز الخوف من هذه المنظومة الأمنية العسكرية التي بطشت بالشعب لمدة أربعين عاما ونشرت الذعر والخوف بين أفراده، وعندما تُنزع أقنعة العلمانية التي تقّنع بها النظام وأخفى وجهه المتطرف الفاشي الحقيقي، يتضح مدى ضآلة الولاء الذي كانت تكنّه مختلف مكونات المجتمع لهذا النظام، ولتظهر مدى هشاشة الاستقرار الذي نعمت به سوريا خلال هذه السنوات الطويلة من حكم الآلة العسكرية. 
لقد أثبتت الأحداث خلال أكثر من عشرين شهرا من ممارسات النظام القمعية مدى وعي الشعب السوري الذي تجاوز به الحدود القومية والطائفية التي حاول النظام تعميقها باستهدافه في عملياته الحربية لأحياء وقرى تقطنها غالبية معروفة لتحقيق غايات لم تخفى على أحد، فلا وجود لمجموعات إرهابية مسلحة إلا في تلك الأحياء والقرى! ليدمّرها ويمسحها عن وجه الأرض، وليقتل ويهجّر ويشرّد أبناء تلك المناطق بشكل ممنهج، ناهيك عن فرض حصار خانق قطع فيه الماء والكهرباء والغاز والوقود والدواء والغذاء والاتصالات، أرفقها ارتكاب شبيحته لمجازر بحق الأطفال والنساء في مناطق التماس بين قرى الساحل والداخل، محاولاً جرّ الشعب لفتنة طائفية، وليتم إظهار ثورة الشعب السوري العظيمة المطالب بالحرية والعدالة على النظام الفاشي وكأنها حرب أهلية، مستفيدا من العجز الدولي الواضح الغير قادر على استصدار قرار أممي موحّد ضد هذا النظام، مع حصوله على تأكيدات مستمرة بعدم وجود تدخل عسكري، وحصوله على الدعم السياسي واللوجستي من روسيا وإيران.

..................

لقد اقتنعت الأقليات الآن بأن ما يجري في سوريا ليس تمردا من فئة معينة مقهورة، وليست تصرفات لمجموعات إرهابية متطرفة ذات إيديولوجيا دينية تريد تدمير الدولة المدنية والعلمانية لنشر الأفكار السلفية، بل هو ثورة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من جوهر جديد يحقق حكومة ديمقراطية منتخبة وعدالة اجتماعية وحقوق محفوظة ومساواة واعتراف بالآخر وطي ملف الاعتقال السياسي وحرية التعبير والأهم هو تحقيق الحرية والخلاص من العبودية التي لطالما فرضها من يحكمون الدولة على جميع مكونات الشعب السوري.
الأقليات الآن تريد لحكومة الاستعباد والقهر هذه أن تذهب للجحيم، فقد زالت الغشاوة التي تشكلت منذ عشرات السنين عن أعين أبناء الأقليات ليروا أن هذه الحكومة ماهي إلا طغمة مستبدة لا تحمل أدنى ذرة من الوطنية، دمرت وحرقت هذا البلد الجميل من أجل أن تبقى في السلطة والحكم لتستمر في نهب وسرقة موارد الشعب.
الأقليات الآن قررت مغادرة الكهف المظلم الذي أسرهم بين جدران الكسل والخمول والإتباع والخنوع والرضوخ. 
فأي وطنية وأي حب للوطن يمكن أن يحمله من صدّع رأس الشعب السوري بالدفاع عن الوطن والأرض والشرف ومقاومة الاحتلال وهو يقصف ليل نهار مدن وشوارع وقرى سوريا وينتهك أعراض نسائها بجيشه الذي بناه الشعب السوري بعرق جبينه؟!.
أي انسجام وتماسك اجتماعي بين مكونات النسيج الوطني يمكن له أن يتجسد على أرض الواقع في ظل قهر واستعباد يقنص الرؤوس ويهجّر الملايين.
وأية أكاديميات حربية خرّجت ضباط وطيارين يقودون طائرات لم تقصف وتدمر ببراميل الحقد والموت سوى أقدم مدن التاريخ وأكثرها عراقة، ولم تفتك قذائفه ومدافعه سوى أجساد الصغار ونسائها.
لقد اقتنعت الأقليات بأن المسؤول الأول والأخير عن هذا الجحيم والواقع المزري الذي تعيشه سوريا هو النظام وحده وليس أي طرف آخر.
فلا للظلم ولا للاحتقار، لا لسنوات الاعتقال والأغلال، لا للنظام العائلي فسوريا ليست مزرعة ملكية عائلية لأحد، ونعم للحرية وتقرير المصير، كلمات قالتها الأقليات كما قالتها غالبية الشعب السوري منطلقة من تصور وطني تنتفي فيه الديكتاتورية وتزول للأبد.
نهض الشعب السوري بمكوناته المتنوعة من تحت الركام، ركام العبودية والذل والقهر، خرج أبنائه من بين ألسنة نار فوهات المدافع وبراميل المتفجرات التي حرقت ودمرت مدننا وقرانا لتصرخ في وجه الطاغية:

توقف أيها المستبد فالسوري حرٌ، بأي حق جعلته عبدا، كيف تصبح سوريا ملكا لك ولعائلتك وعمر سوريا آلاف السنين، سوريا التي رفدت الحضارة الإنسانية منذ فجر التاريخ، كيف تكون أنت حامي الأقليات والأقليات هي شعب سوريا الأصيل ضاربة جذوره أعماق التاريخ، تعايشت مع بعضها منذ آلاف السنين في حب وسلام.
سئم الشعب السوري وملّ خطابات القهقهات، وعرّى نفاق وزيف محور المقاومة والممانعة والبطولات.
فجر الحرية قد بزغ رغم أنف الطغاة، صحيح أنه يحمل في مخاضه آلام ومآسي شعبٍ عظيمٍ نُكّل به وعُذب، ولكن هناك حقيقة واحدة أكيدة هي أن عصر الديكتاتورية قد انتهى وولى زمان العبودية إلى الأبد.

المصادر: