ساعات مع الثورة السورية - الحلقة الرابعة

الكاتب : عبد الرحمن عبد الله الجميلي
التاريخ : 16 فبراير 2013 م

المشاهدات : 7183


ساعات مع الثورة السورية - الحلقة الرابعة

‏الساعة الأولى: يا شام ! ياشام !
كلمة قالها شابُّ مرابط في مدينة حلب، قالها من قلبٍ محبٍّ، قلبٍ ينضح بحب الشام، شام الرسول صلى الله عليه وسلم، قلبٍ استنار بمحبة رسول الإسلام محمد بن عبدالله، عليه أفضل الصلاة والسلام.
فما قصة هذه المقولة، وما حكايتها ؟

 


ذهب جمع من أهالي منبج ليزوروا قريباً لهم انضم إلى صفوف المجاهدين في مدينة الشهباء، حدثني أكبرهم سنًّا، فقال:
وصلنا حلب، ومضينا في أحيائها الحزينة، التي تشكو إلى الله ظلم النظام الأسدي المجرم ومن شايعه من مجوس إيران ومرتزقة حزب اللات اللبناني، فلا ترى مسجداً إلا وقد هدمت أركانه، أو سقطت مئذنته...

وصلنا مقرَّ كتيبة ابننا، فاستقبلنا شابٌّ وسيمٌ، يتلألأ وجهه، رحَّب بنا، جلسنا ننتظر قدوم ولدنا، حيث أرسلوا من يناديه، كنا نريد رؤيته ونصحه بالعودة إلى أهله، خوفاً عليه من قصف النظام وقناصيه الذين أصبح عشق القتل وسفك الدماء يجري في عروقهم.
توجَّهنا إلى الشاب الذي استقبلنا بالسؤال: من أي البلاد أنت؟
قال: من بلاد الإسلام التي كانت ترزح تحت الاحتلال الرُّوسي. لماذا جئت من هناك؟ وتحملت المتاعب والمشاق، وأنت معرَّض للقتل أو الاعتقال في كل لحظة وفي كل مكان؟!

ألم تتذكر أهلك؟! أليس لك والدان؟! ماحال قلوبهما عليك؟! لماذا يا بني تهاجر وتبتعد عنهما؟
نظر إلينا، وعيناه تذرفان الدموع.

قال: بلى، لي والدان، وهما طيبان جدًّا، أحبهما كثيراً، كثيراً جدًّا، ولكن يا جماعة هذه شام! هذه شام!
ثم أجهش في البكاء، وهو يردد: هذه شام! هذه شام!

فعرفنا محبته لشام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وفي هذه اللحظات أقبل ابننا، رحبنا به... سلم علينا، وتعانقنا بشوق كبير، ثم جلسنا نسمع أخباره، ونتعرف على أحواله...

غادرنا بعد ذلك، ولم نلتمس منه عودة أو حتى إجازة...!!

كيف نفعل؟ وقد رأينا وعاينَّا من محبة هذا الشاب الغريب لأرض الشام، والحرص على حريتها وكرامتها، ما رأينا!!
هذا، ولنتأمل هذا الحديث النبوي، فهو من الأسباب التي جعلت القلوب الطيبة تحن إلى الشام، وتخاف عليه، فعن عبدالله بن حوالة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنوداً مجندة: جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق".

قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك.

فقال:" عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يُجتبى إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم، واسقوا من غُدُركم، فإن الله توكل لي بالشام وأهله ". رواه أبو داود وغيره بسند صحيح.
أسأل الله العظيم أن يُقِرَّ أعين محبِّي الشام بخلاصها من رجس مجوس إيران وسفالة ونذالة النصيريين؛ لتعود شام رسول البشرية محمد بن عبدالله كما كانت، ترفل في ثياب العز والكرامة، وتسعد في ربوع الجمال والبهاء.
الساعة الثانية: تعال اجلس قربي!
حدثني الأخ أبو خليل قال: كان بعض أفراد كتيبة أبي دجانة في ريف حلب الشرقي، جالسين في الملجأ، الدور الأرض من البناء، وكان قائدهم أبو حمزة جالساً مسنداً ظهره إلى الجدار، أنطقه الله -سبحانه وتعالى- فنادى شابٍّا يجلس في الجهة المقابلة له، ناداه أن تعال واجلس قربي!
لبَّى الشاب دعوة قائده، وتقدم وجلس قربه، ولم يَمرَّ على ذلك إلا لحظات حتى اهتزَّ المكان على صوت برميل من المتفجرات، أنزلته طائرة من طائرات النظام البعثي الرافضي النصيري على هؤلاء الشباب الذين هبَّوا لنصرة المظلومين ونجدة ما تبقَّى من كرامة لأهل السنَّة، سقط البرميل (الذي ينفجر بعد 7-10 ثوانٍ من ارتطامه بالأرض) واخترق عدة أدوار، لينزل ويسقط وينفجر ويخترق الملجأ.

ولمَّا هدأت العاصفة وزال الغبار، نظروا فإذا بالأحجار والركام الساقط من أثر الانفجار قد تهاوى في نفس المكان الذي كان الشاب المطيع لقائده جالساً!

ولقد كانت الأحجار الساقطة كبيرة جدًّا، ولكنَّ الله –تقدست أسماؤه- بلطفه ورحمته وكرمه قد نجَّى هذا الشاب وأنقذه من موت محقق!

فلله درُّ الطاعة ما أعظمها وأحسنها! ولله درُّ هذه الأمة، لا يزال فيها الخير، ولا يزال يُرجى فيها الأمل بنور مشرق وفجر جديد، مهما حاك الظالمون الفتن والمؤامرات، ونصب المجرمون العوائق والعثرات، واتفق أهل الزيغ والضلال والكفر على تيئيس الثوار من نيل الحرية والكرامات.

الساعة الثالثة: صَلِّ بنا، أبا عبُّود !
كان الشاب المنبجيُّ خالد الحميدي، أبو عبود، في ثغر من ثغور مدينة حلب الغالية، قام قبيل صلاة الفجر لينطلق إلى محرسه، حيث جاء دوره في الحراسة.

ناداه الشباب: صَلِّ بنا الفجر أبا عبود.

قال: جاء دوري في الحراسة.

قال له أحدهم: أنوب عنك في الحراسة، حتى تنقضي الصلاة.

صلى بهم صلاة مودِّع، رتَّل فيها وجوَّد الآيات، وأحسن فيها الركوع والسجود والتسبيحات، ولما قام من الركوع الثاني رفع يديه إلى السماء، يدعو لإخوانه وبلده بالنصر المبين، على قتلة الأطفال والنساء والمسنين، ثم راح يدعو لنفسه بالشهادة.

يقول:"اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنيها، ليس من أجلي، فلا أستحقُّها، ولكن من أجل هؤلاء الذين يصلون ورائي...".

انقضت الصلاة، وتوجَّه الإمام إلى محرسه، وأخذ موقعه، بعد أن أخلص في دعائه، واعترف بذنبه وتقصيره، ولم يَمرَّ ساعة على انقضاء الصلاة حتى جاءته طلقة غادرة من قناصٍ مجرم خبيث، أصابت أخانا أبا عبُّود...

فتقبَّل الله دعوته، واستجاب له في طلبه، فاستشهد الشاب خالد، وختم حياته بصلاة الفجر مع إخوانه الصالحين، جعله الله من المقبولين، ورفع درجته في المهديين، وجعله في أعلى عليين.
الساعة الرابعة: توبة واعتراف!
حدثنا الأخ أبو عمرو الدوماني قال: كتب أحد المجاهدين في لواء الإسلام، اللواء المنتشر في دمشق وريفها، وفي كثير من المدن السورية، كتب كلمات بيديه، يعبر فيها عن مشاعره، ويبين فيها إحساسه، بما كان عليه قبل الثورة السورية المباركة، وما هو عليه الآن.
فقد كان جل اهتمام الشباب متابعة الأفلام والمسلسلات، والسير قدماً خلف رغبات النفوس وحُمَّى الشهوات... فقد حرمهم النظام المجرم الآثم من أي عمل بنَّاء، وفتح أمامهم أبواب الشذوذ والفجور وخسيس الملذات.
قال المجاهد:" حسبي الله ونعم الوكيل! والله يا إخواني سأبوح لكم بأمر، لو سألني أحدكم بماذا أشعر الآن؟!

أقول: والله، إن إحساسي أني كنت قبل الصحوة السورية إنساناً حقيراً عاصياً!!

وكان فضل الله ينزل عليَّ، ومعاصيّ تصعد، حسبي الله!!

كم كنت إنساناً تافهاً حقيراً، أما الآن: فإحساسي وعملي: أن أركض وأزحف سعياً إلى مرضاة الله، وأن يغفر لي الله!! والله هناك شخص في لواء الإسلام بمدينة زملكا، كان درزياً، ثم اختار الإسلام واعتنقه، فمنَّ الله عليه بالشهادة، وهو على رأس عمله.

قال الشخص الذي شاهده وقبله- حين استشهاده-: إن رائحة العطر تفوح من جسده، ووجهه يطفح نوراً؛ لأن الله غفور رحيم، يا الله تُب علينا، يا الله تُب علينا". انتهى كلامه.

هنيئاً لك أيها المجاهد هذه التوبة، وثبَّتك الله على الصالحات، وتقبل الله هذا الشهيد، ورفع منزلته، وأبشر فإن الله يفرح بتوبة عباده أعظم الفرح، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:" لَلَّهُ أفرحُ بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها". رواه الترمذي وصححه.
وقرَّ عيناً فإن الله الغفور الرحيم الكريم يخاطب عباده-في الحديث القدسي- فيقول:" يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيك بقرابها مغفرة".
أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يتوب علينا جميعاً، وأن يرزقنا صلاح القلوب والأعمال، وأن يهدينا ويهدي بنا، وأن يجعلنا رحمة على البلاد والعباد في سورية الشام، وغيرها من بلاد الإسلام.

المصادر: