المؤامرة الكونية على الثورة السورية

الكاتب : حامد الخليفة
التاريخ : 20 فبراير 2012 م

المشاهدات : 1857


المؤامرة الكونية على الثورة السورية

التآمر هو دراسة الأمور بسرية وباطنية تحت جنح الظلام، والإجماع على أمر منكر غادر ثم توزيع الأدوار على المشاركين لتنفيذ ذلك بمهام وهمية وأعذار خلبية وحجج هلامية، وهذا الذي يحصل تماماً في المواقف العالمية من الثورة السورية.


ومن الغرابة مشاركة بعض السوريين المحسوبين على الثورة في هذه المؤامرة من حيث يدرون أو لا يدرون! فحين قامت الثورة السورية أعلنت عن هويتها وعن قلاعها التي تنطلق منها فرفع الثوار شعار "لا إله إلا الله" والشهيد حبيب الله، والأسد عدو الله، وانطلقوا من قلاعهم "بيوت الله مساجد المسلمين" التي لا حامي لهم سواها بعد الله - تعالى -، لا مرية في هذا ولا شك.
وبعد أن سارت القافلة تحت هذه الراية وأقيمت صلاة الجماعة في ساحة الساعة في حمص الوليد وغيرها، واعتدى الطائفيون على المصلين ثم باشروا هدم المساجد ليفتحوا أقذر أنواع الحرب لمواجهة الثائرين! أصبحت الحرب واضحة بين الطائفة الباطنية الدخيلة على أهل الشام وبين الأمة العريقة، وكان على الثوار أن يزدادوا التصاقاً بشعاراتهم وقلاعهم لتجتمع الأمة من حولهم، لكنهم آنذاك أصروا على التمسك بشعار "سلمية سلمية" الذي قابله نظام القتلة بشعار "شبيحة شبيحة"، ومن هنا كانت المفارقة الكبرى بين من أعلن عن هويته الباطنية بكل أحقادها! وبين من يخادع نفسه في مواجهة عدوه فكان استمرار التمسك بشعار سلمية في مواجهة الميليشيات الطائفية، أول وجوه المؤامرة على الثورة السورية! وإن كان البعض يردده ببراءة! حيث استغل ذلك الشبيحة على أوسع وجه وفعلوا كل ما يفعله الغادرون الجبناء من: الهتك والقتل، والخطف والأسر، والرشوة والسرقة، وقطع الطرق والإرهاب، والعدوان على المقدسات والرموز، وإهانة الكرام وإذلال الأحرار! فكانت نتيجة مفارقة هدي السنة النبوية وعدم إعلان البراءة من أعدائها الباطنيين والتمسك بشعار السلمية المناقض لواقع الأحداث؛ أن فقد السوريون خيرة شبابهم الثائر وكوادرهم الكفوءة ما بين قتيل وأسير وشريد!
فتحول اهتمام الثوار إلى إنشاء كيان يتحدث باسمهم ليحمل همهم ويعبر عن آمالهم، وكان هذا ضرورة لو أسس بضوابط السنة النبوية لكن الثوار فرطوا بهذا الشرط فقدموا من زعم أنه سيتحدث باسم ثورتهم وينفذ شعاراتها لكنه في الحقيقة تحدث عن نفسه وعن شعاراته بعيداً عن آمالهم ومطالبهم وقريباً من هوى عدوهم وقاتلهم! والعجب أنهم لم يتعلموا الدرس فيراجعوا أمرهم ويتمسكوا بسنة نبيهم التي توحد صفهم وتنصر ثورتهم!
وبعد صبر مشهود للثوار وشجاعة لم تلن للطاغية، فوضوا أمرهم للجامعة العربية التي كانت متفرجة أولاً وكأن الأمر لا يعنيها، فاغتنمتها فرصة لتلمع نفسها وهي جامعة الأنظمة لتظهر وكأن للشعوب نصيب في مناهجها! فتبنت أمر المصاب في سوريا، لكنها راحت تكيل المديح للقتلة وتتستر على جرائمهم وتمدهم بالمدة تلو المدة والتأجيل بعد التأجيل، ومن ثم تقديم تقرير مندوبيها الذي لا يختلف عن تقارير شبيحة النظام الطائفيين! فكانت المأساة كبيرة والمصاب جلل، ومع ذلك لم يتعلم الثوار الدرس فيبرؤوا من هذه الجامعة ومن مندوبيها، بل أقروا لها أن تحمل قضيتهم إلى رأس التآمر على قضايا المسلمين في العالم وهو مجلس الأمن، فكانت النتيجة أن تصدى الموقف الروسي والصيني لتحمل أوزار المشاركة في قتل السوريين وتوفير كل وسائل التدخل الإجرامي للإيرانيين الشعوبيين! ومن ثم تفرج الغرب على ما يجري وهو يذرف دموع التماسيح ظاهراً ويتفجر سروراً باطناً لتمكن حلفائه الطائفيون من تنفيذ كل ما يوكل إليهم من التنكيل بالسوريين والعبث بدمائهم ومقدساتهم على مرأى ومسمع من جمعيات الحقوقيين والإنسانيين، فازداد مصاب أهل سوريا فداحة وألماً.
ولما لم يع ثوار سوريا روح العبث الدولي بحقوق الإنسان ومصير الشعوب؛ فإن الكثير منهم بقي متعلقاً بالمواقف الدولية مع يقينه بعدم جديتها في المسألة السورية بدءاً من الموقف التركي الذي شرخ صراخه الآذان حمية وحماية ثم ما لبث أن خفت ولم نعد نسمع له همسا! إلى هرطقات الجامعة العربية ومن ثم اجتماعات وزرائها مرات ومرات، إلى مجلس الأمن، إلى الجمعية العمومية التي صوت غالب أعضائها ضد النظام لكن من غير أي فائدة! إلى المواقف الأوربية الباطنية التي تتباكى على حال الشعب السوري لكنها كلما رأت قبضت طاغية سوريا تتراخى راحت تصدر الفرمانات التي تؤكد أن أوروبا لن تتدخل عسكريا في سوريا، ولسان حالهم يقول: يا بشار اقتل من شئت ودع من شئت ودمر ما أردت فلن تجد من أوروبا سوى التستر على جرائمك، وإن أصابك شك في ذلك فإنّ أوباما -على جلالة قدره وقوة مكانه وعلو شأنه-(1) لن يتأخر في إصدار التصريح تلو التصريح ليؤكد أن لا تدخل عسكري ضد القاتل بشار وطائفته الغارقة في دماء السوريين؛ وحلفاءه وجيرانه الذين يمدونه بالمال والسلاح والقناصة وفرق الموت التخصصيين!.
فإن افتضحت هذه المواقف أمام الرأي العام العالمي فإن جلاوزة الشرق والغرب لن يعدموا حيلة جديدة لتمديد زمن قتل السوريين وإرهابهم وتشريدهم، وهذا آخر إبداعاتهم "أصدقاء سورية"، هذه البدعة التي وفرت لبشار وشبيحته حوالي شهراً آخر ليتابع هواية القتل والتدمير والسرقة، فإن لم تنطل هذه اللعبة على الثوار السوريين فإن مخيلة أعداء سوريا حلفاء حكومتها القاتلة لن يعدموا الحيلة من توفير أفضل الشروط الآمنة لقتل السوريين تحت مظلة المؤامرة الكونية الأشهر في تاريخ العالم الحديث.
فهذه هي تجليات الموقف الكوني كلها تآمر على قضية الشعب السوري العادلة ومساندة للاستبداد والظلم والقهر الذي يمارسه نظام الشبيحة ضده، ذلك، الجميع يعلم أن الحل في سوريا واضح وضوح الشمس، وينحصر في مسألة واحدة وهي توفير وسائل الدفاع عن النفس للشعب السوري والسماح بعبورها للأسوار المحاصرة لسوريا من جميع الجهات إكراماً لأعداء سوريا من الصهيونيين والصفويين وما تفرع عنهما من المنظمات الباطنية المتفرغة للعبث بمصير الآمنين! فهل يتعلم ثوار سورية ويوقنوا بأن قضيتهم يكرهها الملوك والماسون لأن في صلاح الشام صلاح للأمة التي ستقود البشرية مرة أخرى، وهذا لن يرضاه أعداؤها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً!.
وهذا مؤتمر أصدقاء سوريا سينعقد قريباً في تونس بعد أن وفر فترة كافية من الزمن لدك حمص ودرعا والقورية وإدلب والمدن الثائرة الأخرى!! وهاهم دعاته يؤكدون أنه لا تدخل عسكري ضد نظام الشبيحة ونحن كسوريين لا نطالب بتدخل عسكري مباشر، ولكن نطالب على الأقل أن تفتح أمامنا الحدود لكي نشتري بأموالنا ما ندفع به الموت عن أنفسنا وأهلنا وأبنائنا، فلماذا يحرم على الشعب السوري الدفاع عن نفسه كما يحرم الدفاع عنه؟ أليس هذا هو العبث بمصير شعب كامل؟ نفاقاً لأعدائه الذين يتلذذون بقتله من الصهاينة والصفوية وأتباعهم؟! لن تُحجب الشمس بغربال ولن ينصر القضية السورية إلا أهلها الصادقين! وهي منصورة على رغم أنف الدجالين والمتخاذلين والقتلة الطائفيين!
فيا أبناء الثورة السورية المؤمنين: هذا هو التآمر على دمائكم وبلدكم وقد ذقتم مرارته فهل من عودة إلى الطريق الواضحة والسبيل البينة المجربة سبيل السنّة النبوية والتمسك بهديها والالتفاف حول رايتها والتمترس في حصونها؟ حتى تحقيق النصر المبين، واليقين بأنكم أنتم الأمة، وأنكم أنتم الذين ضحيتم من أجل الحرية والوحدة والتوحيد والعدل والحياة الكريمة، وأن الأمر بيد الله القائل: {أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ}، والقائل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، فهل من عودة إلى الطريق الصحيح الذي سلكه الأجداد من قبل ففتحوا المشارق والمغارب؟ والاستجابة لمن بيده النصر والعز والكرامة؟ إن تضحياتكم الكبرى وسيرتكم العطرة وأرضكم المباركة تؤهلكم لكل ما تصبون إليه؛ {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكاتب يقصد بهذا التعظيم من حيث المكانة العالمية الواقعية، وإلا فهو في الأصل لا يستحق كل ذلك، فكفى بالكفر مهانة وتحقيرا (نور سوريا).

 

المصادر: