مشروع الجامعة العربية: هل هو قراءة للواقع أم هروب للأمام؟

الكاتب : حسان الحموي
التاريخ : 23 يناير 2012 م

المشاهدات : 1420


مشروع الجامعة العربية: هل هو قراءة للواقع أم هروب للأمام؟

من رحم كل اجتماع لوزراء الخارجية العرب، تخرج مبادرة عربية لحل الأزمة السورية، وبالرغم من الولادات العسيرة في كل مرة، إلا أن المبادرة تولد ميتة، وليس ذلك لعسر الولادة فقط، وإنما لأن الجنين لا يجد الأكسجين الكافي للبقاء على الحياة.
ربما في هذه المرة الواقع مختلف، لإدراك الجامعة أن أي ولادة بدون أكسجين كافي للمولود لن يبقيه حيا ولا للحظة واحد، الأمر الذي دفع بالجنين إلى حضّانة مجلس الأمن، على الرغم من أن الأكسجين الذي سوف يقدم لهذا الجنين ملوث من قبل روسيا والصين، ولكن هي محاولة للأخذ بأسباب بقاء هذا الجنين على قيد الحياة.
إن قراءة الواقع السوري بطريقة مختلفة هذه المرة، كان نتاج الوقفة الرائعة للمجلس الوطني السوري المتمثل برئيسه برهان غليون، في محاولته التماهي مع الثوار في الداخل، واستلهام النفس الثوري في العمل السياسي، وهو ما كنا ننادي به منذ بداية تأسيسه، أيضاً يعود للتأثير الغير مباشر للخطاب الشمشوني للطاغية في الأسابيع الماضية.
بالطبع؛ القراءة الواقعية كانت على لسان وزير خارجية المملكة العربية السعودية، والتي من المتوقع أن تقود عملاً خليجياً متمايزاً في الأيام القليلة القادمة، بعد أن نأت بنفسها عن التجاذب البيزنطي، من جدوى التمديد للجنة المراقبين العرب بعد اعتراف أمين عام الجامعة العربية بخروج هذه اللجنة عن مسارها الحقيقي، والمتمثل بمراقبة تطبيق المبادرة العربية التي لم يكتب لها الحياة منذ اللحظة الأولى.
والحقيقة الأخرى التي توافقت الجامعة العربية عليها، أن التمديد لهذه اللجنة سوف يكون غير مجدي بدون تسويق سياسي يرضي جميع الأطراف وخاصة المعارضة، التي رفعت من سقف المطالبة وفق ما جاء على لسان نبيل العربي، والذي رفض فيه منطق المعارضة معتبراً أن النموذج الليبي غير وارد في الأزمة السورية، لذلك وضعت حداً أدني من مطالب الثوار ضمن مشروع المبادرة العربية، يقترب كثيراً من النموذج اليمني، من خلال تبنية لتفويض الرئيس صلاحياته لنائبه الأول للتعامل مع جميع الأطياف السياسية على الساحة السورية، على الرغم من علمهم بالرفض المطلق الذي سيواجهونه من قبل الطاغية وأزلامه، ولكن هذا المشروع لم يكن موجه للعصابة الأسدية، وإنما كان موجاً لكسر الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن في اجتماعه المقبل، وهذا هو المكسب الأساسي الذي يمكن أن تحققه الجامعة العربية في هذه الفترة.
الأمر الآخر الذي يمكن قراءته في تحرك الجامعة العربية أمس، هو تحييد العديد من الدول التي كانت محسوبة سياسياً لصالح الطغمة الحاكمة في سورية، مثل: العراق، وموريتانيا، واليمن، والجزائر، ومصر إلى حد ما، وهذا يعتبر خسارة سياسية فادحة لبشار؛ تشكل منعطفاً حرجاً للعمل في الفترة القادمة.
وأن ما أقدمت عليه لبنان من النأي بنفسها عن أي قرار يصدر عن الجامعة العربية ضد هذا الطاغية، تعتبر قراءة غير سليمة لمصلحة لبنان مع سورية؛ سواء في المرحلة الحالية، أو في مرحلة ما بعد زوال حكم بشار، وأن السياسة اللبنانية وقعت تحت تأثير الطائفية الضيقة التي فرضتها عليها التوازنات السياسية الداخلية اللبنانية.
في النهاية نقول: إن تسويق النموذج اليمني من خلال خطة الانتقال السياسي على المشهد السوري هو غير قابل للتطبيق لعدة عوامل:
- الانقسام في الجيش اليمني كان طولياً، وحافظ على التركيبة العسكرية والولاء للقائد في أعلى هرم الفرقة، بينما الانشقاقات في الجيش السوري كانت عرضية ومن أسفل القاعدة الهرمية لتركيبة الجيش، والتشكيل الكتائبي الجديد للجيش السوري الحر هو وطني بالدرجة الأولى ومناطقي بالدرجة الثانية، وبالتالي لا يمكن استيعابه مجدداً ضمن المنظومة الهرمية للجيش السوري.
- بقاء ولاء حزب البعث للطغمة الحاكمة، يشابه الحالة اليمنية، ولكن الاختلاف هنا أن بشار لا يوالي حزب البعث بل يستخدمه أداة فقط، للحفاظ على منصبه في الفترة الحالية، وأنه سوف يستخدمه كأداة لضرب أي عمل يفرض عليه من مجلس الأمن في المرحلة المقبلة.
- القراءة المختلفة من جميع الأطراف اللاعبة في الساحتين السورية والدولية، سوف تكون عائق أمام فرض أي رؤية مستقبلية جامعة.
- كمية القوة الفائضة الموجودة لدى الطغمة الحاكمة في سوريا، والتي تخاف فقط من الإعلام الخارجي، ربما تصبح مباحة الاستخدام في المرحلة المقبلة، وهذا ما يعمل عليه بشار في الفترة الحالية من تصوير خروج مناطق عن سلطته، وبالتالي مشروعية استخدام القوة لاسترداد هذه المشروعية، وهذا هو أخطر ما ورد في تقرير الدابي، أن هناك مناطق خارجة عن سلطة الحكومية، ويتواجد فيها مسلحين متمردين، وبالتالي من حق الدولة السورية أن تستعيد أمن تلك المناطق. وبالتالي يتم التمهيد لتطبيق القانون الدولي في حالات التمرد الداخلي المسلح.  - على الرغم من خباثة نظرية النظام في التعامل مع الإعلام الخارجي، إلا أن النتائج ربما سوف تكون في غير صالحه، لأنها أعطت دفعاً معنوياً للثوار على الساحة الداخلية، وأيضاً ربما تمهد لانشقاقات كبيرة في الجيش في المرحلة القريبة المقبلة.
المطلوب الآن من الجامعة العربية أن لا تسير في مفاوضات عبثية مع بشار وعصابته لنيل موافقته على خطة الانتقال السياسي في سوريا، وتبدأ باختزال بنود الخطة كما اختزل بروتوكول المبادرة، وتضيع أحلام السوريون في تحقيق بنودها، كما ضاعت في تحقيق المبادرة السابقة، والتي جاء البروتوكول ليتحقق من تنفيذها، وأصبح يعمل على تنفيذ بنودها.
ويأتينا اليوم مشروع خطة الانتقال السياسي في سوريا، الذي لا يمكن الاستغناء عن أي من ركائزه، ليلقي ببعض الأمل لشريحة لا يستهان بها في الشارع السوري من خلال بنود هذه الخطة، والتي تقوم على:
- تفويض الرئيس لنائبه بصلاحيات كاملة للتعامل مع حكومة وحدة وطنية.
- تشكيل حكومة وحدة وطنية هدفها بناء نظام سياسي تعددي، وإعادة تأهيل الأمن والشرطة.
- الإعداد لانتخابات برلمانية، ووضع دستور للبلاد خلال شهرين.
- انجاز هذه المهام خلال 6 شهور يعقبها انتخابات رئاسية.
بعد أن اقتنعت الجامعة أن هذا الطاغية قد انتهت صلاحيته، وأنه يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن تحت البند السابع، كي تستطيع التعامل معه، وأن مشكلة الشعب السوري ليست مع حكومة، أو فساد، أو أشخاص، وإنما مشكلتها مع عصابة كاملة تبدأ ببشار وتنتهي بأصغر شبيح يقتل المتظاهرين.
وربما أفضل ما في هذا المشروع هو إنشاء هيئة مستقلة للبت بالانتهاكات التي تعرض لها المواطنين، والذهاب بجميع قرارات الجامعة العربية إلى مجلس الأمن لإقرارها، والأهم هو تعيين مبعوث خاص لمتابعة الخطة السياسية في سوريا بعد وضع الآلية المناسبة لتنفيذها.
فهل تصلح الوصفة اليمنية للمريض السوري بعد كل هذه الدماء المسالة!.
فلننظر ما ستشهده مجريات الأحداث في اليومين المقبلين بعد توجيه خطاب الجامعة لمجلس الأمن بغية وضع كامل القرارات العربية أمامها؛ لإقرارها و وضعها موضع التنفيذ.

المصادر: