إلى أبناء الشام ومحبيها!!

الكاتب : سليمان أبو الخير
التاريخ : 3 يناير 2012 م

المشاهدات : 2177


إلى أبناء الشام ومحبيها!!

يعاني اليوم الشعب السوري داخل سورية وخارجها أمام وحشية أعتى عصابة حاكمة في الأرض.
الناس في سورية في مسيرة حريتهم الدامية بين نار النظام الفاجر وتخاذل الأمم وقسوة الوحدة والفاقة والبرد القارص.
حمص تحت القصف وكثير من الناس بلا مأوى.. أبطال جبل الزاوية وحماة وريف دمشق ودرعا وغيرها من المدن يُذبحون.. والأمة كلها تنزف..
لعلنا نمدّ يد العون إلى إخواننا في سورية الجريحة قبل فوات الأوان..
يذكرنا الكاتب سليمان أبو الخير صاحب كتاب "الطريق إلى تدمر"، الذي يروي فيه قصة اعتقاله في سجن تدمر لمدة خمس سنوات.
إلى أبناء الشام ومحبيها..
لستم والله بخلاء، فالبخل ليس من سجاياكم، لعلها أزمة ثقة، لا أظنها تتجاوز ذلك...
وإلا فلم التمنع... والنار قد دنى أوارها من مضاربكم...
أتشبعون! وأهلكم هناك يجوعون...
أتلبسون! وفي صقيع التشرد عراة من إخوانكم وأعراضكم....
أتتمرغون في النعيم من شتى الأطايب! وإخوانكم قد أجبرهم الباغون على سف التراب...
يا أبناء ديار الشام..
إما أن تأكلوا جميعاً، وإلا انتظمكم الجوع جميعاً..
إما أن تلبسوا جميعاً، وإلا فأنتم في العري سواء..
من كان يعتقد أنه في منأى وعافية من شح نفسه فليسمع الحكاية على لسان رائد من رواد هذا العصر من البداية...
يقول الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله -:
"ذهبت سنة 1946م إلى مصر.. وكان الطريق على فلسطين، أقمت فيها عشر أيام، كان لي فيها أصدقاء من الوطنيين العاملين، فلمتهم على قعودهم وتقصيرهم مع قيام عدوهم، لمتهم على تقصيرهم في جمع المال، وشراء ما يدرؤون به الخطر الداهم لأرضهم وعرضهم، فقالوا: إن الأيدي منقبضة، والنفوس شحيحة.
قلت: لا بل أنتم المقصرون.
قالوا: هذا تاجر من أغنى التجار، فهلم بنا إليه ننظر ما نأخذ منه.
وذهبت معهم إليه في مخزن كبير حافل بالشارين، وحوله ولدان له شابان يتفجران صحة ورجولة وجمالاً. وكلمناه، وحشدت له كل ما أقدر عليه من شواهد الدين، وأدلة المنطق، ومثيرات الشعور، فإذا كل ما قلته كنفخة وانية على صخرة راسية، ما أحست بها، فضلاً عن أن ترتج منها.
وقال: أنا لا أقصر. أعرف واجبي، وأدفع كل مرة الذي أقدر عليه.
قلت: وهل أعطيت مثل الذي يعطي تجار الصهاينة؟
قال: وهل تمثلني بالصهاينة؟
قلت: وهل أعطيت مرة مالك كله؟ فشده -من الانشداه- وفتح عينيه، وظن أن الذي يخاطبه مجنون، وقال: مالي كله؟! ولماذا أعطي مالي كله؟
قلت: إن أبا بكر لما سئل التبرع للجهاد أعطى ماله كله.
قال: ذاك أبو بكر، وهل أنا مثل أبي بكر؟
قالت: عمر أعطى نصف ماله، وعثمان جهز ألفاً...
فلم يدعني أكمل وقال: يا أخي.. أولئك صحابة رسول الله، الله يرضى عنهم، أين نحن منهم..
قلت: ألا ترى أن البلاد في خطر؟ وأننا إذا لم نعط القليل ذهب القليل والكثير؟
قال: يا أخي.. الله يرضى عليك اتركني بحالي. أنا رجل بياع شراء، لا أفهم في السياسة، وليس لي به صلة، وهذا مالي حصلته بعرق جبيني، وكد يميني، ما سرقته سرقة، فهل تريد أن أدفعه وأبقى أنا وأولادي وأحفادي بلا شيء؟
قلت: ما نطلب مالك كله، ولكن نطلب عشره.
قال: دفعت ما عليّ، ما قصرت.
وأعرض عنا وأقبل على عمله".
يا سادة بلاد الشام، ويا محبي بلاد الشام، ويا أنصار بلاد الشام... اقرؤوا بقية الحكاية يرويها الشيخ - رحمه الله - لنا كما وقعت، ويقول: "لو كان يجوز لعينت البلد والتاجر"، يضيف الشيخ:
"ومرت سبع سنوات، وذهبت من سنتين -أي سنة 1953م- إلى المؤتمر الإسلامي في القدس، ومررنا في الطريق بمخيم اللاجئين، وأقبل الناس يسلمون علينا، وإذا أنا بشيخ أبيض اللحية، محني الظهر، غائر الصدغين، رث الثياب، أحسست لما التقت العينان، كأن قد برقت عيناه برقة خاطفة، وكاد يفتح فمه بالتحية، ثم تماسك وأغضى. وارتبك كأنه يريد الفرار. فلما انتهى السلام راغ مني ودخل في غمار الناس. ولبثت أفكر فيه من هو، وأين قابلته، فما لبثت أن ذكرته، وتكشف لي المنسي فجأة، كأني كنت في غرفة مظلمة سطع فيها النور.
إنه هو، هو يا سادة.
وكلمته فتجاهلني، فلما ألححت عليه اعترف، ولم أشمت به -معاذ الله- أن يراني أنحدر إلى هذا الدرك. ولم أزعجه بلوم أو عتاب، ولكن كان في نظرتي ما يوحي بالكلام، لذلك استبقني فقال:
لا تقل شيئاً، هذا هو المقدر، ولو كان لله إرادة(1) لألهمني، وألهم إخواني التجار النزول عن نصف ما كنا نملك. قلت: أولم يبق لك شيء؟
فابتسم ابتسامة حزينة يقطر من حواشيها الدمع، وقال: بلى، بقي الكثير.. بقيت الصحة والثقة في الله، وبقي هؤلاء وأشار إلى امرأة عجوز وطفل صغير.
قلت: لا تيأس من رحمة الله، قال: الحمد لله أن جعلنا عبرة، ولكن أرجو أن يكون إخواننا في الشام ومصر والأردن قد اعتبروا بنا، ونظرت إلى الطفل فسمعت العجوز تقول له: قبّل يد عمك، فجاء وجسده المحمار من البرد، يبدو من ثقوب الثوب، كزر من الورد، أخذت تتفتح عنه الأكمام. كان بثوب رقيق ممزق، وأنا في المعطف الثقيل والعباءة من فوقي وأحس البرد يقرص عظامي.
وأحسست بقلبي يتمزق كتمزق هذه الأسمال، ولم يكن معي ما أساعده به، إلا أن نزعت العباءة فلففته بها، وقلت لنفسي: فليسعد النطق إن لم يسعد الحال، ورحت أكلمه فلم أجد إلا أن قلت له: أتحب بابا؟ أحسب أن الشيخ أبوه، فقالت العجوز للولد: قل له: بابا في الجنة. قال: بابا في الجنة. أعادها بلهجتها كأنه ببغاء ليس يدري ما يقول فسكت حائراً ملتاعاً. ثم أردت أن اقطع حبل الصمت بأي كلام، فقلت: فماذا تصنع الآن؟ قال: إنني أوفر لأشتري السكين، لأذبح الصهاينة كما ذبحوا بابا. وسكت اللسان، ونطقت العيون، لقد بكيت وبكى الحاضرون جميعاً، ومشيت وأنا لا أبصر من الدموع طريقي". انتهى.
وأنا بدوري كما الشيخ نشهد بأن هذا التاجر لا يمثل الفلسطينيين، وإنما هو البقعة السوداء في ثوبنا الأبيض، كان هو الشاذ بينهم، وليس هو القاعدة، لقد بذلوا من حر أموالهم ما لم يبذل كثير من قومهم.
فيا أبناء سوريا وشرفائها ومحبيها من أي مشارب الأرض وفجاجها كنتم، لا تزيدوا في سواد الثوب سواداً، كونوا الأيدي التي تضيف إلى رقعته بياضاً، لا تقبضوا أيديكم، فيتلف الله كل رجاء صادق لكم، هذا موطن بسط اليد على اتساعها لا موطن غلها وقبضها، ابسطوها وفي الحياة متسع.. ابسطوها والنفس جار.. والعين مبصرة لا بصيرة.. ابسطوها والأيدي ممتدة غارقة في الطول لا في القصر.. ابسطوها فلعل وعسى.. قبل أن يذهب الباغون من لصوص الظلام في دمشق بما بقي من اللتى واللتيا.. حيث حينها لا عسى ولا ليت أو لعل... عندها ندماً يورث لا قدر الله بؤساً وفجائع لا تندمل.. ابذلوا قبل أن يأتي زمن لا ينفع معه بذل.. كيلا ترددوا بعدها قول ابن المقفع: "أكلت منذ أكل الثور الأبيض". وصدق الله إذ يقول: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}..
اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) –الصحيح إثبات الإرادة لله وللعبد كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة.

المصادر: