تداخلات المشهد السورى.. ومستقبل الثورة

الكاتب : سعيد الحمصي
التاريخ : 6 ديسمبر 2011 م

المشاهدات : 1503


تداخلات المشهد السورى.. ومستقبل الثورة

إن الأحداث في سورية تسير بشكل سريع ومتسارع، حيث أن المراقب للتغيرات يحتاج أن يرصدها كل ساعة وليس كل يوم. إن العوامل الأساسية التي يجب أن تُرصد لتساعدنا على توقع المستقبل السوري هي ما يلي:
- تطور الخطاب الغربي الأوروبي والأمريكي الموجه للنظام السوري.
- تطورات الثورة على أرض الواقع، وارتفاع أو انخفاض سقف مطالبها.
- تطورات المعارضة (الداخلية والخارجية)، ومدى توافقها مع الثورة.
- دور إيران وأهمية بقاء النظام السوري في الحكم بالنسبة لها.
إن هذه العوامل هي المؤثرات المباشرة على مستقبل سورية، لذلك سأحاول من خلال عرضي أن أركز على مسيرة هذه العوامل منذ بدء الثورة وحتى تاريخ هذا المقال، وسأبدأ كما يلي:
العامل الأول: تطور الخطاب الغربي الأوروبي والأمريكي الموجه للنظام السوري.
وفيه العناصر التالية:
- مقارنة بين مواقفهما اتجاه الثورات السابقة والقائمة:
إن المراقب لمواقف الغرب وأمريكا لثورة تونس ومصر وليبيا واليمن، مقارنة مع الثورة في سورية، يجد ما يلي:
* توجيه الخطاب مباشرة لرأس الأنظمة في تلك الثورات، بينما بدأ بأسفل النظام بالنسبة لسورية، وهذا له دلالات واضحة على دعمهم لرأس النظام في سورية.
* التوجه للدول العربية لاتخاذ مواقف واضحة من هذه الأنظمة، وعدم السماح لهذه الأنظمة بإبداء الرأي بشكل عام في مسألة الثورة السورية، وهذا إن دل فإنما يدل على أهمية سورية وأهمية المحافظة على النظام السوري، وعلى رغبتهم بحل المسألة السورية بأنفسهم وعلى طريقتهم.
* التصاعد المستمر في الخطابات الموجه للثورات السابقة والقائمة، بينما التذبذب في تلك الخطابات الموجه للنظام السوري، وحتى الآن يطالبون الرئيس السوري في عمل الإصلاحات اللازمة للوصول إلى الديمقراطية المنشودة، مع الطلب باستحياء بإيقاف إراقة الدم في الشارع السوري.
في ختام هذه النقطة، أقول هذا التباين بالمواقف الأمريكية والغربية، لهو الدليل القاطع على رغبتهم الكبيرة في الإبقاء على النظام السوري، أو على الأقل المحافظة على الرئيس السوري، ومساعدته في الانتصار على من حوله من رموز الفساد، وهذا مؤشر خطير، يدل على مدى الكذبة الكبيرة التي مارسها النظام على شعبه، بأنه دولة ممانعة ومقاومة، فلو كانت كذلك لوجدت الغرب سرعان ما يدعم تلك الثورة لإسقاط هذا النظام الممانع.. المقاوم، على حد زعمهم، ولكننا نفاجأ بدعم قوي للنظام عوضاً على توجيه الدعم للثورة، ولعلي أقتبس هنا خبرين متناغمين مع بعضهما البعض، مما يدحض وبشكل قوي قصة الممانعة والمقاومة: "حيث أذاعت إحدى الجرائد الأمريكية بأن الرئيس السوري، بعث لأمريكا استعداده لتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل الآن، وبعد ساعات قليلة، تصريح لوزيرة الخارجية الأمريكية، تقول فيه: بأن الإصلاحات التي قام بها الرئيس الأسد، لم يقم بها أحد من الرؤساء العرب، وأن واشنطن تثمن هذه الخطوات". فيا عجبي!! أبعد هذا من يقول بأن سوريا دولة ممانعة أو مقاومة.
- لماذا لم نقل هنا الخطاب العربي، كحال الثورات السابقة:
* لكل عربي أن يتساءل أين الموقف العربي من أحداث سوريا، بينما وجدناه واضحاً في حال ليبيا، ووجدناه مع استحياء فيما يخص مصر، وتونس، ومتفاعلاً بشدة في حال اليمن، بينما لم نسمع صوته في حال سوريا، حقيقة لماذا؟ وبقوة وبصوت عال لماذا؟
* هل أمريكا منعتهم من التدخل، أم كما يقال الخوف من النظام السوري، وعمليات اغتياله التي يهدد بها كل من يقف في وجهه؟ أنا لا أصدق هذا السبب، إنني ضد نظرية المؤامرة التي ينظر البعض من خلالها إلى كل ما يدور حوله، ولكنني أيضاً لست مع من لا ينظر من خلالها البتة.
في ختام هذه النقطة أرى أن الدول العربية تنظر للموضوع من خلال عيون أمريكا والغرب، فإذا وجدت أنها أمريكا والغرب تريد إسقاط النظام بدأت بالتحرك، وإن أحست أن أمريكا لم تجزم أمرها، وقفت بالحياد، وهي مواقف سياسية بحتة، وإلاَّ كما أن كافة دول الخليج اكتوت من النظام الليبي، فهي أيضاً اكتوت من نار النظام السوري، الداعم لإيران -والتي سنأتي على دورها في الأحداث لاحقاً-، وعبثه في العراق وفي لبنان، وقتل الحليف القوي للسعودية رفيق الحريري، لذلك أتساءل: متى يكون للدول العربية مواقف سيادية وقرارات متصلة بمصالحها، وخاصة؟ أقصد بكلامي هذا دول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص، إن سقوط النظام السوري، هو نصر لكم أيها الخليج، حيث بسقوطه يسقط الذراع القوي الداعم للتواجد الإيراني الصفوي الذي يهددكم، ويهدد أمن أوطانكم، وقد رأيتم ما حدث في البحرين، لذلك أقول: إن لم يتحرك الخليج نحو دعم الثورة السورية اليوم، فسيقول المقولة المعروفة: (لقد أُكلت يوم أكل الثور الأسود).
- مدى تأثر الخطاب الغربي الأمريكي والأوروبي بالثورة:
* أنا لا أعتقد أن الخطاب الغربي يتأثر بما يحدث على أرض الواقع إلا في حال وجد بديل عن النظام السوري يتناغم مع سياستهم في المنطقة، ويتوافق معهم في عملية السلام، والحفاظ على الحدود مع دولة صهيون المحتلة بأمان وسلام، كما فعل النظام السوري خلال أربعة عقود.
* موافقة إيران على هذا البديل، والحقيقة لن يأتي بديل مثل النظام السوري داعماً لها، حيث كانت سورية هي واحدة من محافظات إيران، وأنا أرى أن أفلام هوليوود المكررة المملة عن العداء بين إيران والغرب، أصبح مكشوفاً بعدما تبين نوعية العداء بين النظام السوري وإسرائيل.
العامل الثاني: تطورات الثورة على أرض الواقع، وارتفاع أو انخفاض سقف مطالبها:
من أهم العوامل المؤثرة في وضع سيناريوهات المستقبل السوري تطورات الثورة على الواقع، والراصد لذلك يرى أن الثورة في تصاعد أفقي وعمودي مستمر، فهي تزداد تعداداً ومناطقياً حيث بدأت في درعا، والآن زاد عدد المناطق حتى زادت عن أكثر من 30 منطقة ثائرة في وجه الظلم، وتزداد حدة مطالبها من الإصلاح إلى إسقاط النظام.
إن الشعب السوري أجبرنا جميعاً أعداءً وأصدقاء أن نقف له وقفة إكبار وإجلال، فقد أثبت للعالم أجمع بأنه شعب لا يموت، مهما وصلت آلة القمع والظلم والتعذيب فسيبقى الشعب هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، هو صاحب القرار، وقد قرر الشعب السوري وأجمع أمره، ولن يرجع عن قراره إلا بعد إسقاط النظام بكل أركانه، ابتداءً من الرئيس وحتى آخر منافق في هذا النظام.
العامل الثالث: تطورات المعارضة (الداخلية والخارجية)، ومدى توافقها مع الثورة:
إن المعارضة الخارجية والداخلية كانت موجودة قبل الثورة، تحاول أن تحصل على مكاسب من النظام لأجل التغيير، أي أنها كانت تريد التغيير عبر النظام وليس بإسقاط النظام، ولم يكن يخطر ببالها أن هناك من سينادي بإسقاط النظام، ولكن لا شك أن المعارضة بدأت تستمد قوتها من الثورة، فظهرت بشكل أكبر على كافة وسائل الإعلام، وأصبحت توجه التهم بكل صراحة ووضوح إلى النظام وتتهمه بكافة الجرائم التي قام بها سابقاً والتي يقوم بها حالياً على الشعب السوري الأعزل، لذلك فإن المعارضة تنقسم حسب توجهاتها إلى:
- معارضة مستمرة بطريقتها في طلب التغيير عبر النظام، وترفض ما يحدث، وتحاول أن تتسلق على الثورة، وتفشلها.
- معارضة تريد أن تستفيد من الثورة للانتقام من النظام وإسقاطه، دون أن يكون لها أجندة سياسية محددة، وهي بالتالي مستعدة للتعاون مع الشيطان، للوصول إلى هدفها.
- معارضة تنظر للوضع في سورية نظرة سياسية بحتة، أي هي تنظر من خلال القوى العالمية المحيطة بالمنطقة، وبالتالي هي تبحث عن احتياجات المرحلة بالنسبة لأمريكا والغرب، وتسعى لتحقيقها مستفيدة طبعاً من الثورة، وليست مفيدة للثورة، إلا ما حدث من تقاطع المصالح، وهي تؤمن بأهمية دور الغرب في إسقاط النظام، فهي متوائمة ومنسجمة مع أجندته.
- معارضة تكونت باسم الثورة ومن رحم الثورة ولأجل الثورة، وهي لم يكن لها تواجد إعلامي قبل ذلك، وهي أغلبية المستقلين خارج وداخل الوطن، وهم لا يساندهم سوى الله - عز وجل - وكفاهم ذلك، وهم يسعون لانتقاء المعارضين الشرفاء، ويسعون لدعمهم.
في ختام هذه النقطة، أضم صوتي لصوت عميد المحاميين السوريين الدكتور/ هيثم المالح -فرج الله عنه- أن أي صفة قانونية للمعارضة يجب أن تنطلق من الداخل ابتداء، ثم يتبناه الخارج، وهذا يعني أن المعارضين يجب أن يفهموا أن لا وجود لهم إلا من خلال الثورة، وأنهم يعودون كما كانوا قبل الثورة إن لم يصبحوا تبعاً للثورة، ولا نريدهم مع الثورة، بل هم تابعين للثورة يحققون مطالبهم، يتكلمون من أجلهم، يأتمرون بأمرهم، وعندها سيكون للمعارضة فائدة مرجوة.
العامل الرابع: دور إيران وأهمية بقاء النظام السوري في الحكم بالنسبة لها:
إن من العوامل التي تؤثر في مستقبل سورية هو الدور الخبيث للدولة الصفوية الداعم للنظام السوري، بكل ما أوتي من قوة، فهو اليد اليمنى للمشروع الشيعي في المنطقة ككل، وهو العقل المدبر واليد المنفذة لمشروع التشيع في سورية، فكيف سيكون موقف إيران من الأحداث المبني على تطورات الموقف الغربي منه.
حقيقة لا أملك تصور واضح أستطيع أن أجسم من خلاله كيف سيكون موقف إيران إذا ما قررت أمريكا فعلياً إسقاط النظام السوري بعد أن تكون وجدت لها بديل من المعارضة يتوافق مع أجندتها في المنطقة، وإن كنت أعتقد أن أمريكا ستجد لها مقايضة مع إيران في حال نظرت أمريكا للنظام أنه فقد شرعيته، ولا أدري هل ستكون البحرين، أم هناك المزيد من السيطرة على العراق المسلوبة، لا أدري، ولكن الأكيد أن إيران لن ترفض ولن تواجه أمريكا في حال قررت إسقاط لنظام.
إخواني ثوار سورية الأحرار:
أولاً: إن كل ما تقدم هي عوامل مادية قد تؤثر في مجريات الأحداث في سورية، وإنه من الطبيعي أن أعداء الوطن والدين، سيبذلون كل الجهد من أجل تحقيق مصالحهم في المنطقة، ولكن الحقيقة تكمن فيكم، وفي إصراركم، وفي صبركم، وفي قوتكم، وفي ارتباطكم بخالقكم، وفي استمراركم، فهي المحدد الرئيس والأول لكل ما سبق من عوامل مؤثرة في مستقبل سورية.
ثانياً: هناك متصرف بمستقبل الثورة أهم من كل ما ذُكر، بل هو المتصرف الوحيد وله القرار النهائي في المسألة، هو الله - سبحانه وتعالى -، يقول الله –تعالى-: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}، ويقول - تعالى -: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، الله هو مسبب الأسباب، والله وعد الصابرين بالنصر، وأنا عندما عرضت ما عرضته في مقالاتي هذه إنما هو لفهم الواقع، ومعرفة ما يدور حولنا، ومعرفة من معنا على خطنا وعلى منهجنا وينطلق من خلالنا، ومن ضدنا ويلعب علينا ويمكر فينا ويخذلنا ويتسلق علينا.
في الختام: إن السيناريو الذي أتوقعه بعد عرض العوامل المادية الكثيرة المؤثرة في نجاحات الثورة، وبعيداً عن العواطف وليس بعيداً عن التفاؤل وحسن الظن بالله، أقول إن السيناريو الذي أتوقعه والمنتظر لمستقبل سورية هو نجاح الثورة، نعم نجاح الثورة وتحقيق كافة الأهداف التي قامت من أجلها، فسوف يسقط النظام بكل مؤسساته العسكرية والسياسية والمدنية، لن تستطيع إيران أن تحمي هذا النظام مهما بذلت من جهد، لن يستطيع حزب اللات والعزى إنقاذ هذا النظام من السقوط، سيسقط النظام، ويولون الدبر، ولن يكون هناك -بإذن الله (تحقيقاً لا تعليقاً)- مكاناً للمعارضين المخذلين، والمتآمرين، والأنانيين، وسيكون هناك مكان لكل شريف أمين يحب وطنه، ويبذل الغالي والنفيس لخدمته.
نعم ستعود الحرية لسورية، سيعود الأمان للمواطن السوري البطل، ستعود سورية لقيادة الأمة العربية، سيقول الشعب السوري كلمته:
سقط النظام... سقط النظام... سقط النظام.

المصادر: