يا أيها الناشطون السوريون...أنا لكم ناصح أمين*

الكاتب : معن عبد القادر
التاريخ : 6 أكتوبر 2011 م

المشاهدات : 5115


يا أيها الناشطون السوريون...أنا لكم ناصح أمين*

لقد فشل الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين- في أحد، وتنازعوا فيما بينهم كما أخبرنا الله - تعالى –عنهم؛ {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}. إلا أنهم لم يكونوا جميعاَ سبب الفشل؛ إذ قال الله عنهم: {منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة}، بل من المشاركين في أحد من أثنى الله عليه أيما ثناء؛ {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا} .

 


وهكذا هو العمل الجماعي، رابطة بين مجموعة أفراد، قد يفشل كله بسوء أداء بعضهم، ولو كان أداء بعضهم الآخر رائعاً ومتميزاً.
خواني الناشطين السياسيين السوريين: أذكركم بهذه القاعدة والكل يتحدث أن المعارضة السورية لم تنجح حتى الآن في تكوين مجلس وطني لدعم الثورة والانتقال بها إلى مرحة قادمة، في طريقها إلى النصر والتمكين -بإذن الله-؛ ولعل السبب في عدم النجاح إلى الآن أنه بالرغم من أن في المبادرات التي طرحت مخلصون صادقون لم يألوا جهداً في تقديم عصارة جهدهم، وخيرة أوقاتهم، وحر مالهم لخدمة قضيتهم العادلة بمنهجية واحترافية، فكانوا حقا "القوي الأمين"، إلا أن فيهم أيضاً الأمين غير القوي: غيور مخلص لكن أدخل نفسه فيما لا يحسنه فأساء من حيث أراد الإحسان، وقد يكون فيهم القوي غير الأمين: صاحب الحنكة والخبرة والمال لكنه يبحث عن زعامات ومصالح شخصية أو حزبية. وأنا هنا لا أدعو إلى فتح باب فتنة في الثناء على من يظن به أنه من المخلصين بأسمائهم، وفي الإشارة بأصبع الاتهام إلى أناس معينين لإفشال هذه المبادرة أو تلك، فالنوايا لا يعلمها إلا الله.
وحتى لو كانت القرائن قوية فلا مصلحة في مثل هذا التصنيف خاصة في هذا الظرف العصيب. لكنني أتوجه إليكم بموعظة الله وكلكم مؤمنون به: {منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة}. ما أبلغها من موعظة في خبر موجز! نعم إنها من أبلغ المواعظ في عالم الشعور وواقع العمل. أما في عالم الشعور، فإن الإنسان على نفسه بصيرة. فالذي يظن في نفسه أنه ما أراد إلا الله والدار الآخرة، يستروح أيما استرواح بهذه العبارة العادلة المنصفة؛ {ومنكم من يريد الآخرة}، بل لعلها تذهب بكل الغم الذي أصابه من {فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم}. وما أقسى أن يُتهم جميع القائمين على العمل بأنهم سبب فشله دون أن نستثني أحداً، فنضيف إلى المخلصين الصادقين العاملين منهم غم الاتهام والتثريب إلى غم الفشل والإخفاق. وأما الذي علم من نفسه إرادة الدنيا فيشعر في دخيلة نفسه أن الآية تقرعه وتقول له: أنت أنت من أفشلتنا! وعلى كل فالمنصف العاقل لا يزكي نفسه تزكية مطلقة، بل لا يفتأ يفتش في دخيلة نفسه ويراجع نيته أن يكون فيها شيء من المقاصد السيئة. وانهماك الإنسان في العمل قد يجعل في نيته الدخن والخلل دون أن يتنبه لذلك.
وتأملوا قول أحد الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-: "لم نكن نعلم أن فينا من يريد الدنيا إلا حين نزلت هذه الآية". أما في واقع العمل فإن لهذه الموعظة أثرها في التحفيز والتصويب. فالمحسن الذي وجد هذه اللمسة العادلة الحانية التي اعترفت بفضله وميزته عن غيره ولم تعمم لا يحبطه الفشل، ولا يستسلم وينسحب بسبب ما يعانيه من اختلاف طبائع الناس ومقاصدهم، بل ينهض ويعيد الكرة حتى يأذن الله بالنجاح، مستلهماً حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)). وأما المسيء فلعله ينتصح من طرف خفي إذا ذُكّر أن الله يرى ما يفعل، وأن شهداءه في الأرض يرون ما يفعل كذلك، فيعمل على تصحيح نيته وقصده قبل أن ينخرط مع إخوانه الآخرين من جديد. اللهم ما أحوجنا - محسناَ ومسيئاَ - إلى عفو عام منك تلم به شعثنا، وتجمع به كلمتنا، كما اطلعت على المنكسرين يوم أحد فقلت لهم: {ولقد عفا الله عنكم}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من عادتي أن أرسل مسودة المقال إلى بعض المقربين ممن أثق برأيهم للنقد والتصويب والإثراء، ثم أضمن ما استفدته منهم في المقال، وربما أعدت صياغته. فليس من العدل أن أنسب المقال إلى نفسي، ولولا الغرابة عن المألوف لسردت أسماءهم جميعاً ليعلمهم الناس، لكن الله يعلمهم، فجزاهم الله خيراً.

المصادر: