الحرس الثوري الإيراني.. القصة الكاملة

الكاتب : الخليج أونلاين
التاريخ : 10 إبريل 2016 م

المشاهدات : 2934


الحرس الثوري الإيراني.. القصة الكاملة

نشأ الحرس الثوري الإيراني بعد عامين من الثورة على يد الخميني وقيادات الثورة الدينية عام 1981، بغرض حماية "النظام الإسلامي" الذي أنشأه وفقاً لنظرية ولاية الفقيه، فتركزت مهمة الحرس آنذاك في توطيد سلطة روح الله الخميني، وتصفية رجال النظام السابق ومعاقبتهم، بالتعاون مع المحاكم الثورية.

جاء تشكيل الحرس الثوري لأهدافٍ عديدة ولمهمّات كثيرة، تشمل الدولة برمتها، وهو لهذا يحظى بأهمية استثنائية لدى المرشد الأعلى الخميني الذي قال: "لو لم يكن حرس الثورة ما كانت الدولة، إني أوقر الحرس وأحبهم وعيني عليهم، فلقد حافظوا على البلاد وما زالوا، إنهم مرآة تجسد معاناة هذا الشعب وعزيمته في ساحة المعركة وتاريخ الثورة".

وعُين عباس زماني أول قائد رسمي للحرس، لكن تعيينه لم يقترن مع إعلان إنشاء الحرس رسمياً في مايو/أيار عام 1979. كما كلف عدد من المستشارين الدينيين والسياسيين للإشراف على الحرس لفترة وجيزة في العام الأول، ومن بينهم آية الله لاهوتي ومصطفى شمران وعلي خامنئي وهاشمي رفسنجاني، لكن لم يحظ أي منهم بنفوذ حاسم في هيكل الحرس؛ لأنهم من خارج منظومة الحرس الثوري.

- التبعية للمرشد:

ويتبع الحرس الثوري وبشكل مباشر مرشد الثورة الإيرانية، ففي البداية كان الخميني، وبعد وفاته أصبحت تبعيتهم لخليفته "خامنئي"، ولا يتبع الحرس مؤسسات الدولة الأخرى حتى مؤسسة الرئاسة، فهو وليد الملالي والنخبة الدينية للثورة، وتستمر تبعيته للولي الفقيه والمرشد الأعلى دون سواه، ويتم تعيين جنرالات الحرس الثوري الإيراني من جانب المرشد الأعلى، وليس من جانب الحكومة المدنية.

والاعتماد على الحرس الثوري في السيطرة على مؤسسات الدولة ساهم في تعزيز نفوذ هذه القوات، فهو ذراع المرشد الأعلى للثورة التي تسيطر على كل شيء في نمط الاستبداد الديني الحديث، رغم المظهر الخارجي للدولة بأنها دولة مدنية حديثة فيها مؤسسات وانتخابات.

- مهام وأدوار:

وتكمن خطورة الحرس الثوري في أنه تنظيم عقائدي وأيديولوجي مؤمن بولاية الفقيه وتصدير الثورة وحمايتها حسبما وضعها الخميني، ويتم تدريبه وتعليمه بشكل خاص، ويختار المرشد شخصياً قياداته، فولاؤهم المطلق للثورة ومبادئها وأهدافها. ولا تقف مهامهم عند حد الدفاع عن إيران، وإنما تمتد إلى حماية النظام، وتصفية المعارضة والدعاية للثورة وتصديرها إلى الخارج.

وبعد أن انقلب النظام على رفقاء الثورة وفي مقدمتهم منظمة مجاهدي خلق وحزب توده الشيوعي، لعب الحرس الثوري دوراً جديداً في قمع هذه المنظمة وجميع من شاركوا في الثورة ثم خرجوا عليها بسبب انقلاب الخميني عليهم وانفراده بأافكاره ومحاربة التيارات السياسية الأخرى، وكان الحرس الثوري أداته في قضائه وحربه على من اعتبرهم أعداء الثورة رغم أنهم من صنعوها معه.

وكانت نظرة الخميني ثاقبة في تأسيس الحرس الثوري، فقد أدى أدواراً مهمة كثيرة في حماية النظام الإيراني؛ إذ كان له دور كبير في الحرب العراقية – الإيرانية، وكذلك في تتبع تنظيمات ومجموعات المعارضة المختلفة داخل إيران وخارجها، في الشرق الأوسط ومختلف دول العالم، وفي مقدمتها تدريبات فروع حزب الله الذي نثرته إيران وسط الأقليات والجماعات الشيعية في العالم العربي موالياً لها ومؤمناً بولاية الفقيه ومقدماً الولاء لولايته على الانتماء الوطني، وفي أثناء الثورة السورية دعا خامنئي عناصر الحزب الثوري للتراجع عن النشاط في بلدان العالم المختلفة، والتركيز على منطقة الشرق الأوسط في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان، والتحريض على دول الخليج العربي.

- الحرس في السفارات

ويُعتقد أن الحرس الثوري يحتفظ بعناصر له في السفارات الإيرانية عبر العالم، إذ يُقال إن هذه العناصر هي التي تقوم بتنفيذ العمليات الاستخباراتية، وتقيم معسكرات التدريب، وتساهم في تقديم الدعم لحلفاء إيران في الخارج، مثل حكومة بشار الأسد في سوريا، وحزب الله اللبناني، والحكومة العراقية الطائفية، وأنصار الله في اليمن.

دور الحرس الثوري في السفارات الإيرانية خطير جداً، فقد كشف سابقاً نائب رئيس لجنة السياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، السفير المنشق عادل الأسدي، أن عمل السفارات ذا طبيعة استخبارية أكثر من كونها دبلوماسية، وأن السفارات الإيرانية تخضع للاستخبارات، وأن دور السفير مهمش، وتستعين الاستخبارات بالقنصليات نظراً لارتباطها المباشر بالمواطنين، ومن مهام الحرس الثوري في السفارات البحث عمّن يجدون لديهم ميلاً نحو الجمهورية الإيرانية في الدول التي تعمل بها، والمتأثرين بشعاراتها الرنانة ضد أمريكا وإسرائيل، حيث يتم الاتصال بهم وتجنيدهم لإيران.

- الفيالق الرئيسية:

تضم قوات الحرس الثوري الإيراني 125 ألف عنصر، ويتكون من خمسة فيالق أو وحدات رئيسية، يرأسها مجتمعة حالياً اللواء محمد على جعفري، ثلاثة من هذه الفيالق تعتبر تقليدية وقريبة من دور الجيش الإيراني وهي الفيالق البرية والبحرية والجوية؛ فمهامها تتداخل مع مهام قوات الجيش الإيراني الذي يتكون أيضاً من هذه الأنواع الثلاثة الرئيسية، وهي موجودة في كل جيوش العالم.

ولكن يتميز الحرس الثوري بوجود فيلقين مهمين وهما:

1- فيلق قوات الباسيج: ويتكون من الشباب المتطوعين من الخلفيات المتدينة المتعصبة ويقودهم ضباط الحرس الثوري، وتهتم قوات الباسيج بقمع معارضة الداخل، وكان له دور كبير في قمع الحركة الخضراء، وحركات المعارضة التي تمثل شعوب إيران وأقلياتها المختلفة أو النشاطات السياسية المعارضة لنظام ولاية الفقيه حتى وإن آمنت به مثل الحركة الخضراء، وينسب للباسيج خاصة دور كبير في تزوير الانتخابات الرئاسية لمصلحة محمود أحمدي نجاد عام 2009، وكذلك في الانتخابات النيابية التي شهدتها إيران أوائل مارس/آذار العام 2012.

2- فيلق القدس: وتتركز مهمة فيلق القدس في تنفيذ العمليات في الخارج، وتدريب الأحزاب والقوات الموالية لإيران في المنطقة والعالم، وكان "أحمد وحيدي" أول قائد لقوات فيلق القدس والذي كان يشغل منصب معاون الاستخبارات في فيلق حرس الثورة آنذاك، وبعد إشغاله المنصب الجديد قال "وحيدي" إن الغرض من تشكيل هذه القوة هو خلق "الجيش الإسلامي الدولي".

وفي عام 1997 تغير"وحيدي" وجاء "قاسم سليماني"، وهو من أقدم قادة فيلق الحرس وأكثرهم إجراماً، وبعد الاحتلال الامريكي للعراق قام النظام الإيراني بحل "لجنة نصر"- وهي إحدى اللجان المختصة والمشكلة سابقاً للتدخل الإيراني في شؤون العراق- وضمها إلى تشكيلات قوة القدس، وصدرت أوامر من القيادة الإيرانية إلى جميع الوزارات تحثهم فيها التنسيق مع قيادة قوة القدس فيما يخص عمل هذه الوزارات في العراق.

ولا يزال يرأس الحرس الثوري قاسم سليماني، الذي رقي لرتبة لواء عام 2011 وهي أعلى رتبة في الحرس الثوري، ويعد الحاكم الفعلي لإيران في العراق حسبما نشرت جريدة نيويورك تايمز في 3 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2012، وكان سليماني المخطط لمبادرتين رئيسيتين في السياسة الخارجية الإيرانية وهما: ممارسة وتوسيع نفوذ طهران في الشؤون السياسية الداخلية بالعراق، وتقديم دعم عسكري لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وفي العام 2011 وضعت وزارة الخزانة الأمريكية الجنرال سليماني على قائمة عقوباتها؛ لأن مسؤولين أمريكيين قالوا إنه كان مشاركاً في مؤامرة لاغتيال السفير السعودي بواشنطن، وهو الدور غير المستغرب عند كثير من المراقبين والمحللين، كما أشار تقرير ألماني نشر حديثاً إلى مشاركة عناصر من فيلق القدس مع عناصر من حزب الله في اغتيال الجنرال اللبناني اللواء وسام الحسن في بيروت أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

- الأسلحة والمعدات:

ساهم حظر الأسلحة على النظام الإيراني في أن يتحول الحرس الثوري إلى الاعتماد الذاتي على الصناعات العسكرية، من خلال التعاون مع روسيا والصين وكوريا الشمالية، خصوصاً أنّ إيران دخلت الحرب مع العراق بعد سنة من انطلاق الثورة.

وفيما يلي تسليح الحرس الثوري وفقاً للفيالق الرئيسية:

1. فيلق القوات البرية: يتسلّح الحرس الثوري بمنظومة واسعة من الأسلحة الفردية التي تصنعها الصناعات العسكرية الإيرانية، وهي نسخ عن السلاح الروسي والصيني وبعضها من تطوير إيراني خاص، وخصوصاً القناصّات الخفيفة والثقيلة، كما يتزوّد الحرس الثوري الإيراني بمنظومات مختلفة من الأسلحة المضادة للدروع وبعضها من الجيل المتطور الذي يوازي مثيلاته من السلاح الروسي، إضافةً إلى المدفعية المقطورة والمحمولة من عيارات مختلفة، وكذلك راجمات الصواريخ من عيارات خفيفة ومتوسطة وثقيلة، ومن ضمنها راجمات ثنائية ورباعية لصواريخ فجر التي تصنّف ضمن راجمات الصواريخ الثقيلة متوسطة المدى، وكذلك بخصوص سلاح المدرعات الذي يضم آلاف الدبابات وناقلات الجند وأهمها الدبابة ذو الفقار التي تجمع خصائص الدبابات الأمريكية والروسية بما يتلاءم مع الحاجات الإيرانية.

2. فيلق القوات الجوية: ويضّم تشكيلة واسعة من الطائرات الحربية ومن ضمنها طائرات تمّت صناعتها بالكامل في مؤسسات الصناعة العسكرية الإيرانية وأهمها طائرة الصاعقة وهي تطوير إيراني، وكذلك الحوامات بنوعيها المخصص للنقل وتلك التي تحمل تسليحاً قادراً على التعامل مع الأهداف البشرية أو المتحركة، كالسيارات والناقلات المدرعة والدبابات وحتى الأهداف البحرية الصغيرة، وكذلك الطائرات دون طيّار التي يمتلك الحرس الثوري الإيراني أعداداً كبيرة منها بما فيها تلك القادرة على إصابة الأهداف ليلاً ونهاراً، وأما عن الدفاع الجوي، فيعتمد على منظومات متقدمة ومتكاملة تبدأ بالصواريخ المحمولة على الكتف إلى منظومات الـ"أس 200" الروسية وتلك التي تشابهها من حيث القدرة وهي صناعة إيرانية، وكذلك آلاف المدافع المضادة للطائرات والتي تمّ تزويدها بمنظومات متابعة رادارية ذاتية، كما يمتلك سلاح الدفاع الجوي منظومة متطورة من الرادارات التي تغطي مساحات كبيرة من الأجواء الإيرانية وحتى أجواء الدول المحيطة بإيران.

3. فيلق القوات البحرية: ويمتلك أعداداً كبيرة من القطع البحرية كالمدمرات التي تستطيع القيام بمهمات في المحيطات، وكذلك الغواصات القادرة على العمل في أعماق البحار لمدة طويلة، كمّا طوّر سلاح البحرية العديد من أنواع الزوارق الكبيرة والصغيرة لتقوم بمختلف مهمات الحراسة والقتال، وبعضها مزود بأحدث صواريخ بحر بحر القادرة على استهداف وتدمير حتى القطع البحرية الكبيرة كحاملات الطائرات، ومن ضمن تسليح القوات البحرية زوارق الطوربيد التي تعتبر الأسرع في العالم وهو أمرٌ تميّزت به البحرية الايرانية، وكذلك الغواصات الصغيرة التي تتسع لرجلٍ أو رجلين والقادرة على القيام بعمليات الإستطلاع والتخريب في المنشآت البحرية، وكذلك حمل المتفجرات والألغام البحرية لزرعها في أماكن حساسة، كما يمكن استخدام هذه الغواصات كمنصات انتحارية.

4. الصواريخ الباليستية وتضّم تشكيلة واسعة من الصواريخ التي يصل مداها بطرازاتها العاملة حالياً الى 3000كم، وقادرة على حمل رؤوس متعددة الطرازات وبقدرات تدميرية هائلة، وهذه الصواريخ من طرازات متوسطة وبعيدة المدى تتراوح بين 1000 و3000كم.

- الأنشطة الاستثمارية:

تمتلك مؤسسة الحرس الثوري أذرعاً فرعية متعددة الأشكال والوظائف والأغطية، منها الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والعسكرية والدبلوماسية والاجتماعية، كل هذه المنظومات جعلت هذه المؤسسة منظومة مستقلة بقرارها ولا سيما الاقتصادي منه، متمتعة بقدر عال من الأرصدة والأصول المالية والبشرية والعضوية تتبع الولي الفقيه وحده، ولا تعتمد على المؤسسات المالية للدولة، وتعتبر مستقلة تماماً عن الجهاز الرقابي والمحاسبي للدولة.

وتمكن الحرس الثوري من تطوير حقيبة اقتصادية ضخمة في الداخل الإيراني عبر ضباطه المتقاعدين، فكثير من قادة هذه القوات يتقاعدون في سن مبكّرة نسبياً، نحو 50 عاماً، ثم ينضمّون إلى نخبة إيران السياسية والاقتصادية.

واليوم، يسيطر القادة السابقون لقوات الحرس الثوري الإيراني على الصناعات الثقيلة، بما فيها صناعة البناء؛ ويخضع المدنيون الذين يُديرون هذه الصناعات لسلطة عناصر خدمت سابقاً في قوات الحرس الثوري الإيراني وتدين بالولاء له وللولي الفقيه.

وكان النشاط الاقتصادي للحرس الثوري في البداية محدوداً ومحصوراً في بعض مشروعات إعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن شيئاً فشيئاً تحول الحرس الثوري إلى لاعب رئيسي في الاقتصاد الإيراني، ومع مرور الوقت، ودخول ملايين الدولارات إلى خزينة الحرس، أصبح الحرس الثوري بموجب صلاحياته الأمنية يتدخل في غالبية المناقصات الحكومية الرئيسة، بل إن مؤسسة بونياد المستضعفين الخيرية –مثلاً- تعمل على منح الذين يرغب النظام في مكافأتهم مشروعات كبيرة ومربحة، ويشمل ذلك المتقاعدين من كبار رجالات الحرس الثوري، وبحسب ما أورده كل من بهروز عارف وبهروز فرحاني في مقالهما بجريدة اللوموند دبلوماتيك (9 مارس/آذار الماضي)، فإن قائمة الشركات والمؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري لا يمكن إحصاؤها، وهي تدير اقتصاداً داخل اقتصاد الدولة، وأبرز الأمثلة على ذلك هو أن كوادر الحرس تسيطر على جميع منافذ البلد الجوية والبحرية، ومؤسساتها معفية من الضرائب؛ ممّا يجعل كثيراً من الاستثمارات الأجنبية والداخلية مضطرة إلى المرور عبر مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري.

وخلاصة القول:

يعتبر الحرس الثوري الذراعَ العسكري والاقتصادي والاستخباراتي للمرشد علي خامنئي، ومن خلاله يسيطر على الدولة سيطرة كاملة، ورغم الانتخابات الخاصة بالرئاسة ومجلس الشورى ومجلس الخبراء التي تعطي صورة بأن الدولة ديمقراطية؛ إلا أن هذه الصورة ظاهرية فقط، فنظام الحكم في إيران ديكتاتوري بشكل فجّ، والمرشد من خلال مؤسسة الحرس الثوري يحكم قبضته على البلاد، ولن يتمكن الشعب الإيراني من تحقيق التقدم والازدهار ما دامت هذه المؤسسة موجودة وجاثمة على صدره، هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فإن السياسة الخارجية الإيرانية لن تتجه إلى العقلانية والالتزام بالمبادئ الدبلوماسية وتحسين العلاقات مع دول الجوار ودول المنطقة ما دام للحرس الثوري أنشطة وتحركات خارجية، فإيران أمام خيارين: إما وضع القيود على الحرس الثوري وتحديد مهامه الداخلية والخارجية للحد من السخط الشعبي والتوتر الخارجي مع دول الجوار، أو انتظار نتائج عكسية لن تكون في مصلحة النظام الإيراني في المستقبل.

المصادر: