ساعات مع الثورة السورية - الحلقة الثانية

الكاتب : عبد الرحمن عبد الله الجميلي
التاريخ : 10 نوفمبر 2012 م

المشاهدات : 6778


 ساعات مع الثورة السورية - الحلقة الثانية

الحمد لله رب  العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
هذه الحلقة الثانية من (ساعات مع الثورة السورية)، نرى فيها شوق شباب الشام إلى نيل الشهادة في سبيل الله، كما تتجلى أمامنا معية الله لهم، فتجد العدد القليل مع السلاح الهزيل يردُّ ويصدُّ حشود الجيش النظامي الآثم... ولا أطيل عليكم، بل هلموا في جولة مع ثوار الشام:


الساعة الأولى: ما لي أراك ضجراً ؟!
اتصل بي أخٌ لي من ريف حلب، وأنا في مدينة الريحانية في تركية، بأن شاباً من قرية مجاورة من قرى السفيرة - شرقي حلب أصيب في إحدى المعارك مع نظام بشار وزبانيته، وهو الآن في مشفى من مشافي أنطاكية التركية، لعلك تزوره وتخفِّف ألم الإصابة عنه.
رتبت أموري، واستعديت للذهاب إلى أنطاكيا، وفي نفسي تزويق كلمات وعبارات، أخفف وأواسي بها هذا الفتى المصاب، جاءتني السيارة وانطلقت مع فتى من مدينة إدلب الأبية...دخلنا المستشفى، وصرنا ندور ونسأل عن صاحبنا...حتى وجدناه إثر اتصالٍ هاتفي مع جار له في غرفة من غرف المستشفى.
لقينا الشاب، وتبادلنا النظرات، فعرفناه بها وعرفنا، ودخلنا معه الغرفة...جلسنا قربه على السرير نتبادل الأحاديث، نتعرف على إصابته، وكيف وأين حصلت.
كان الفتى مع مجموعة مقاتلة وقفت غربي مدينة حلب، تترصد مدد النظام البعثي الذي يتوجه إلى حلب، من أجل إخضاعها وإخماد الثورة فيها، ثم استردادها، بعد ما سقط أغلبها في أيدي ثوار حلب الأحرار.
أُصِيب الفتى بطلقتين استقرَّتا في جسده، إحداهما اخترقت جسد زميله فاستشهد، ثم خرجت لتستقر في جسد قريبنا، قلت له: أبشر، فقد دخل جسمك شيء من دم جارك الشهيد بهذه الطلقة، أسأل الله -سبحانه- أن يحرِّم جسدك على النار.
رأيتُه شاباً صبوراً وقوراً، قليل الكلام، لا يتحدث إلا إذا سئل، وإذا سئل يختصر في الإجابة، لكنه بدا لي غير مرتاح، وكأنه يرقب شيئاً، أو ينتظر أمراً، أو يتوجَّس من شيء...!!
فسألته: مالك ؟ هل تريد شيئاً ؟
قال: لا.
قلت: أراك ضجراً مترقباً.
قال: أريد الطبيب... لأعلم متى أخرج، فقد أخبرني أنه ربما يمكنني الخروج مع بقاء الرصاصتين في جسمي... أريد الخروج؛ فقد دخلت المعركة وأنا متفائل أن أستشهد في سبيل الله في هذه الأيام الفضيلة، فاستشهد زميلاي، وأنا نُقِلت إلى هنا، أريد الرجوع إلى إخواني هناك، لعلي أحظى بما حظوا به، شهادة في هذه العشر الأواخر من رمضان!!
قلت في نفسي: جئت أواسيك وأسلِّيك أيها الشاب، لكنك جعلتني ألتفت إلى نفسي المقصِّرة، وعرفت أنني أحوج إلى المواساة والعزاء، كذلك أيقنت أن هذه الأمة لا تزال تزخر بالرجال والعظماء، فهي لن تموت، بل ستحيا، وتعود شامخة عزيزة بمثل هؤلاء الشباب، بإذن الله العلي القدير. 
الساعة الثانية: الشهيد سيف الدين زهوري:
خرج الشاب سيف الدين إلى صلاة الفجر في جامع الحي، ولقد كان شباب القصير وغيرها من المدن السورية -قبل الثورة- يتهيبون من الذهاب إلى المساجد كثيراً، خاصة صلاة الفجر؛ لأنها الدليل القاطع على الخلفية الدينية لهذا الشاب.
الخلفية الدينية التي تصبح كابوساً مزعجا له، كلما أراد سفراً، أو تطلَّع إلى وظيفة... رُدَّ الطلب، وكُتب في حاشية التقرير: إنه ذو خلفية دينية.
رجع الشاب الزهوري إلى البيت بعد انتهاء الصلاة، ولبس عدة القتال والميدان، ثم توجه إلى أمه يودعها ويطلب منها الرضى والدعاء.
تلقته بوجه نضر قمري، وقلب طاهر نقي، بُنَيَّ: مهلاً !! حتى أضع لك فطوراً خفيفاً تتقوى به، وتحافظ على نشاطك.
الشاب: لا يا أماه، عزمت على الصيام هذا اليوم.
الأم: الله يتقبل منك...إذاً ماذا تريد أن أُعدَّ لك على وجبة الإفطار؟
الشاب: أمي! لا تفكري، ولا تشغلي بالك بالفطور، ادعي لي أن يُتمَّ الله عليَّ، ويفطرني عنده في الجنة!!
الأم: اذهب يا بني، الله يحقق لك مرادك.
ذهب الفتى إلى إخوانه المجاهدين، وبعد ساعتين فقط عاد الفتى إلى أمه شهيداً، بعدما خاض معركة قوية، ونزل بهم قصف شديد من العصابة الأسدية الرافضية.
تلقت الأم الطيبة الخبر بالزغاريد...وراحت في أحلامها، وهي تتخيل ابنها، وهو يتناول فطوره في الجنات، عند ربِّ البريات.
  تقبل الله شهيدنا، وأفرغ على أمه الصبر والسلوان، وجمعهما وإيانا في جنات الرضوان.
الساعة الثالثة: الشاب مصطفى رحمة:
  شاب لا يتجاوز عمره الثانية والعشرين، اشتهر في مدينة القصير بالمهارة في استخدام (قاذف ر ب ج)، طلبه إخوانه في حي الخالدية بحمص ليقف معهم في وجه عصابات النظام وشبيحته.
  قام الشاب ملبياً الدعوة، وهو يتطلَّع إلى جنات الخلد، يطلب الفردوس الأعلى، ويتغنى بذكر الحوريات، ودع أمَّه وأباه... ثم ابتسم وهو يقول لهما: من سنتين وأنا أطلب منكم أن تزوجوني... ولم تفعلا... الأمر بسيط... أنا اليوم ذاهب إلى ربي... وهو من يزوجني من الحور العين... وأمانة يا أمي إذا جاءك خبر استشهادي أن تزغردي لابنك... لأنه عريس!!!
(انصرف مصطفى، والدموع تتهادى من العيون، فقد عرف الأبوان صدق ولدهما)
مضى الفتى إلى حمص، دخل حي الخالدية، واشترك على الفور في الدفاع عن أهله وإخوانه، دخل، وهو مشتاق إلى حوريته الموعودة، دخل، وهو يحلم بجنات ربه دانية إليه ثمارها، فلا دنيا تشغله، ولا بطش النظام الآثم يردعه... دخلوا المعركة، وهم لا يملكون دروع الجيوش النظامية، ولا قدرتها في صناعة الملاذات الآمنة، ولكنهم لاذوا بالله تعالى واعتصموا به وتوكلوا عليه.
ولم يمض على الوداع إلا ست ساعات حتى جيء به إلى أمه مضرَّجاً بالدماء... فزغردت الأم لابنها الشهيد العريس... وقد صدق الفتى ربه فصدقه الله.
أسأل الله له الفردوس الأعلى، وألا يحرمه من الحور العين.
الساعة الرابعة: معركة جبل الشيخ بركات
كان جنود البعث النصيري الحاقد يتمركزون في قمة جبل الشيخ بركات، قرب قرية دارة عزة، غربي حلب الشهباء، ينطلقون من هذه النقطة العسكرية في قصف الأهالي الثائرين والشباب المجاهدين، لا يرقبون في قصفهم بيتاً سكنياً أو مستوصفاً صحياً أو طفلاً صغيراً أو امرأة ضعيفة.
تأذَّى ثوار دارة عزة وسكانها من هذه القطعة العسكرية كثيراً، فهم لا يأمنون في أسواقهم، ولا في ذهابهم أو عودتهم من أعمالهم، بل ولا حين دفن أو تشييع شهدائهم، فسرعان ما تفاجئهم وتفجعهم طلقة تأخذ زهرة شبانهم أو جليل رجالهم أو صالح نسائهم..
صمَّم الشباب المؤمن الثائر على التخلص من هذه القطعة العسكرية الموالية للنظام النصيري الآثم، فانطلق حوالي مئة وخمسين مجاهداً إلى قمة الجبل مستعينين بالله العظيم، وطالبين النصر من الربِّ العزيز الرحيم.
هجموا، وأصوات التكبير تتعالى بها حناجرهم، فارتعدت منها قلوب جنود النظام، وامتلأت خوفاً ورعباً، فانشق منهم الكثير، والتحقوا بالثوار، وهرب آخرون، وهم يولون الأدبار، وأصبح الباقون بين أسير أو قتيل، واختبأ قادتهم المجرمون داخل (البلوكوزات)، إلا أنهم لحقوا أصحابهم فماتوا خنقاً أو حرقاً، ولم ينج من هؤلاء إلا واحد، ثم ما لبث أن قتل نفسه منتحراً، كمداً وحزناً على ما أصابه وأصاب جنده المجرمين.
قال هذا الضابط الناجي للثوار: كم عددكم؟
الثوار: حوالي مئة وخمسين.
الضابط الناجي: غير صحيح.
الثوار: بلى! لا يزيد عددنا على هذا.
الضابط الناجي: كيف ذلك؟ لقد رأيت حين هجمتم علينا أكثر من ألف وخمسمئة رجل يلبسون ثياباً بيضاء، يتقدَّمون نحونا.
الله أكبر! الله أكبر! من هؤلاء؟!
والأمر لم يقف عند هذا الخبر...بل حينما رجع الثوار إلى بيوتهم منتصرين، وبعطاء الله وعونه مبتهجين، دخل أحد الثوار بيته، وعلى ثيابه آثار المعركة وغبارها، لقيه ابنه الصغير وقال له: أبي أين كنت؟
الأب الثائر: كنت مع أهل البلدة نجاهد في سبيل الله.
الفتى: ولكنك لم تكن بين المقاتلين.
الأب الثائر: بلى كنتُ معهم، ولم أتخلف لحظة.
الفتى: يا أبي! لقد رأيت من شرفة البيت الثوار والمجاهدين يصعدون جبل الشيخ بركات، وهم يرتدون الثياب البيضاء، وأنت لا تلبس مثلهم؟!
الأب الثائر: الله أكبر، الله أكبر، هذا ما رآه الأعداء، وهذا ما رواه الضابط، وهو الذي ملأ قلوبهم رعباً وهلعاً، وجعلنا ننتصر عليهم، وصدق الله العظيم إذ يقول:( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ٭ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ٭ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). آل عمران: 124-162.
الساعة الخامسة: شعرنا أن اليوم آخر عهدنا بهذا العالم!!
حدثني المجاهد أبو سلمى قال: توالت علينا الأنباء، وتواترت من حولنا الأخبار، أن النظام الأسدي قد حشد الحشود، ورصَّ الصفوف، لضرب الشباب الثائر والمجاهد في مدينة حلب... لقد أخذه الكبر، وأعمته الغطرسة، فما عاد يفكر إلا ببقاء شخصه الإجرامي، ولو أراق دماء الشعب كله.
خرجنا -معشر الشباب- نريد حماية أعراضنا، ونصرة أهلنا، وردع هذا النظام الدكتاتوري الآثم، كانت مجموعتنا موزَّعة على الخط الأول لمعركة صلاح الدين، وذلك على الشارعين: العاشر والخامس عشر، فعلى كل فتحة من فتحات شوارع الحي ومداخله مجموعة من الثوار الأحرار، تتألف المجموعة من رامي قاذف (آر بي جي) ومساعده، ورامي رشاش (ب ك س)، ورامي قناصة، ورامي بندقية كلاشنكوف.
مع بزوغ ضوء الصباح من اليوم التاسع من رمضان وصل رتل من الدبابات يصل إلى خمسة عشر دبابة، مع ما يصحبها من قوات وسيارات لنقل الجنود والعتاد.
لم يكن عددنا في الخط الأول يتجاوز مئة مجاهد تقريباً، ولما كثرت علينا أنباء الحشود، وتوالت علينا لأيامٍ ضربات المدفعية والطيران، شعرنا أن اليوم آخر عهدنا بهذا العالم، ومنه الانتقال إلى عالم الآخرة، جعلنا الله من الشهداء والمقبولين عنده.
  أجل! ذخيرتنا نزرة قليلة، وسماؤنا تمطر علينا القذاف والقنابل من طائرات النظام البعثي، والعالم يصب على القاتل السلاح والذخائر، ويمسك عنا وسائل الدفاع والحماية.
بدأت المعركة، وليس في قلوبنا إلا الله تبارك وتعالى... منه نطلب المدد والعون، ومنه نطلب الفوز والنصر، وبه نستعين على الظالم القاتل، وبه نصول في أرض الميدان ونجول، وعليه نعتمد في صد العدوان ورد الطغيان.
انطلق شبابنا باسم الله، فأصواتهم تتعالى بالتكبير والتهليل، وأصابعهم على الزناد توجه الموت إلى أعداء البلاد والعباد...إنهم يرمون، وهم يذكرون قول الله تعالى:" وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى "، وهم يناورون، وقلوبهم تنطق:" فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ".
بعد وقت الظهيرة زادت زغاريد التكبير، وعلت كلمات الحمد والتهليل، فقد انسحب الجيش الرافضي يجر ذيول الخيبة والعار، بعد أن خلف وراءه جثثاً من الشبيحة والقتلة قد ملأت الشوارع والطرقات، وهو لا يقدر على حملها أو نقلها، فقد رأينا معية الله تصحبنا، ووجدنا سكينته تغمرنا، وأيقنَّا أن النصر عطية من الله، ومِنَّة يمنُّها على من يشاء من عباده.

 

 الشام اليوم

المصادر: