الثلاثاء 2 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 25 يوليو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
على أعتابها يعجز القلم
الكاتب : هبوووش
الأحد 5 فبراير 2012 م
عدد الزيارات : 7110

يقال: الألم العبقري ينتج الفن العبقري.. والفن العظيم وراءه ألم عظيم، ولكن يا حماة أنا لا أستطيع أن أكتب شيئاً يصف ألمكِ..
كل يوم قبل أن أنام أقرأ قليلاً عن ما حدث أو أشاهد بعضاً مما وصل عن المجزرة في محاولةٍ لاستجلاب الإلهام ووحي الكتابة، وكل مرة يرتد إلي قلمي خائباً ويهوي مرتجفاً مذعوراً من هول ما حصل.. وعاجزاً عن كتابة شيء يليق بهذا الجرح العتيق!

 


أغفو كل يوم بعد موجة هستيرية من البكاء لأستيقظ فأرى القلم قزماً بالنسبة للألم العملاق، وأرى الورقة قد أفسدتها قطرات الدمع المالحة، أستيقظ وقد امتلأ قلبي حقداً فأمسك بالقلم وأتمنى لو كان خنجراً أغرسه في قلب أولئك الوحوش كيف فعلوا هذا.. كيف لم طاوعتهم أنفسهم كيف؟ كيف؟ كيف؟
وما عرفته يطلق عليه "تسريبات"، أي ما فاض عن الإناء.. أي أنه جزء متواضع مما حصل، جزء متواضع من ما راح ضحيته أكثر من 30 ألف نفس..!
******
غرَد الدكتور براء السراج يوماً على تويتر فقال: "عندما كنت في تدمر التقيت بأحد الناجين من مجزرة حماة، هرب زحفاً على يديه وقدميه وأقسم لي أن جسده لم يطأ زفت الشارع"!
يقصد أنه كان يزحف فوق الجثث..
تخيل فقط هذا المشهد.. وتخيل أن لكل جثةِ شهيدٍ حكاية.. ووراء كل حكاية مأساة..
ـ في خضم ما يحدث تُهمل التفاصيل الصغيرة الأكثر إيلاماً وتُنسى.. لذلك فكرت أن أكتب قليلاً عن هذه التفاصيل الصغيرة؟
*****
كان هناك شيخ عجوز طاعن في السن ولديه أربع فتيات..
كان الشيخ مقعداً لا يقوى على الحركة، وينفق عليه وعلى الفتيات ابنه الأكبر.. كانت الفتيات تملآن عليه حياته.. بل كنَ حياته و"كونه" كله..
أخذت الفتاة الصغرى -أحبهن إلى قلبه- إناء اللبن وقبلت رأس والدها بابتسامة مشرقة: صحة وهنا بابا..
وقبل أن يبتسم ويترضى عليها اكفهر وجه السماء واقتحمت عاصفة الموت الشرسة منزلهم.. صاحت الفتيات الثلاث مذعورات وهربن إلى الغرفة ليغطين رؤوسهن، واختبأت الصغرى خلف كرسي والدها الشيخ، ظناً منها أن للشيخ عند أولئك حرمة..!
12 رجلاً بهيئة شياطين أو ربما شياطين بهيئة رجال بدؤوا بالتحطيم والضرب وانهالوا بالشتم والألفاظ المخجلة.. قطع الرعب الدم في العروق وتجمعت الفتيات في زاوية الغرفة يرتجفن ويدعين الله أن لا يحدث ذلك! والفتاة الصغرى تشبثت بكرسي والداها وانطوت على نفسها ترتجف بذعر... انقض الوحوش على الفتيات، ولم تنج تلك التي احتمت خلف الكرسي..
صرخ الشيخ متوسلاً والمجرمون غير آبهين لاستغاثاته، فهب لنجدة الفتيات وحاول الدفاع عنهن ناسياً أنه.. مشلول! فوقع من على الكرسي، ورفسه الضابط بحذائه العسكري فتلوى من الألم واستقر على الأرض وفي عينيه تلألأت "دموع الرجال"، وصوت عويل العذراوات يصم آذانه..
أُسدل الستار هنا عند هذا المشهد بسبب التضييق الإعلامي الذي فرضته "السلطات المسؤولة".
وانتهى المشهد الفظيع ليخرج الأنذال من البيت وقد كسروا كل شيء غير آبهين بحياء الفتيات ولا بكبرياء الرجال! رافعين أسلحتهم علامة النصر… وهاتفين بروح القائد..
والشيخ مرمى على الأرض معقود اللسان والعذراوات صرعى والأنذال ظنوا أنهم كسروا حماة..
*****
وفي الحارة الأخرى كانت تسكن "أم فارس" مع طفلها فارس الذي رُزقت به على الكبر.. كانا منذ ثلاثة أيام مختبئين في سقيفة المنزل، وكانت تضمه إلى صدرها وتخبئه عن عيون أولئك الوحوش الذين جاؤوا للقضاء على "المسلحين من الإخوان"!
ولكن بلغ منهما الجوع مبلغاً لم يعودا قادرين على احتماله، ووصل إلى مسمعيهما أن أطفال الحارة خرجوا إلى الساحة الرئيسية لأخذ الخبز الذي كان يُوزع هناك.. وبعد توسلات وأخذ ورد سمحت الأم لطفلها أن يذهب بشرط أن يذهب معه ابن خاله وأولاد الجيران..
ذهب فارس ولكن لم يعد.. تأخر فلحقته أمه الحنونة تتفقده.. لتراه ملقاً على الأرض وفي يده أرغفة الخبز وعلى يمينه تسع أطفال.. نظرت إلى الخبز وقد اختلط بدم فلذة كبدها واختلطت رائحته بعبق الشهادة، لم تستطع احتمال المشهد ركضت إلى ابنها تضمه فأصابتها رحمة الله ممثلةً برصاصة وسقطت مضرجةً بالدماء فوق ابنها لتلحقه وارتقت أرواحهما معاً إلى الملأ الأعلى.. حيث لا ظلم ولا بغي.
استشهدت الأم وابنها.. وتركونا نتعذب بذكراهم.. وروحهما اليوم ترقبنا.. فماذا ترانا فاعلين من أجلهم؟
******
وقرب الناعورة على كتف العاصي.. ولدت قصة حب عذري بين قلبين، أُعدم صاحب القلب الأول بتهمة أنه "شاب".. وتفطر القلب الآخر وجداً عليه.. كبرت الفتاة وهي تنتظر الوفاء بوعد الزواج ولم تتزوج حتى الآن! وهي تنتظر..
وإلى اليمين قليلاً كانت هناك امرأة رُملت البارحة (منذ 30 عاماً) وثُكلت اليوم.. واستشهدت في اليوم التالي سحلاً بأيدي من لا يخافون الله.
وخلال ذلك كله كانت الناعورة الحموية تقف شامخة، عنفاتها تدور رغم العنف.. بل بسببه! فقد كانت تعلم أن الماء (والدم!) لا يفسد إلا عندما يركد.. فاستمرت بالعطاء والبذل وكل يوم كانت تلقي في اليم بأفلاذ كبدها.. صابرة راضية محتسبة ذلك عند ربها: {لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك..}، وبإذن الله سيرده الله بأيدينا!
هذه القصص الصغيرة يهملها الرواة.. يختصرونها بكلمة "فظائع".. ربما تكون القصص السابقة مؤثرة ولكن فعلاً ليست شيء من ما حصل في حماة أسطورة.. وكل قصة فيها أسطورة.
حماة ليست جرحاً في الذاكرة وإنما رصيفٌ من الجراح.. بل مدينة من الجراح..
وعلينا لك يا حماة.. القصاص..
******
ولن يكفي.. كل ما سأكتبه لن يكفي… وكل ما سيكتبه الجميع لن يكفي.. وحسبنا الثورة تكون عربون وفاء لمدينة أبي الفداء...
أكثر ما كان يحز في نفسي وأنا أقرأ المجازر.. هو الأطفال.. ما ذنب البراءة؟ ما ذنب جيل كامل من الأطفال أن يكبر بلا أب..؟ أن يكبر وقد كسر النظام ظهره وكبرياؤه..
ولكن أطفال المجزرة أصبحوا شباب الثورة اليوم.. ولم يكسر النظام شموخهم بل كسروا هم.. ظهر النظام! "وحبوب جنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل".
حقاً لو أن حماة لم تشارك في هذه الثورة لما لمناها ولا عتبنا عليها فكيف بنا وقد انتفضت على بكرة أبيها..؟ حماة مصنع الرجال..
******
هذا كل ما جاد به قلمي.. والدم لا يختصر بالحبر، والأنة المدوية لا تختصر بالـ "آه"، ولا الجراح تختصر بالحروف.
على الهامش:
يقدر عدد شهداء المجزرة بـ 20 ألف إلى 30 ألف، ووحده اختلاف تقديرات ضحايا مجزرة حماة بين 20 ألف و40 ألف، جريمة قائمة بذاتها تدل على فظاعة ما جرى وصمت الناس والمجتمع الدولي.

ام عبدالله | الخليج 21/02/2012
صبرا يا اهل سوريا 
فالله معكم فأنتم احسنتم الاختيار فلا ناصر الا الله 
تأكدوا اننا شعوبا معكم ولا نملك سوى الدعاء فهوا سلاحنا فلا سلاح سواة 
نسأل الله لكم النصر و الثبات 
و جزى من كتب هذا المقال و شارك بقلمه 
جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 37) 31%
لا (صوتأ 77) 64%
ربما (صوتأ 7) 6%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 121