الأحد 4 محرّم 1439 هـ الموافق 24 سبتمبر 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
حماة ملحمة العصر
الخميس 2 فبراير 2012 م
عدد الزيارات : 1220

حماة أيقونة التضحية، وملحمة القرن العشرين… الجميع يراها مجزرة راح ضحيتها ما لا نعلمه من الأرواح، لكني أراها ملحمة سطرت بدماء عشرات الآلاف من أبناء هذه المدينة الأبية، التي حاولت أن تغسل عنها عار اغتصاب الأسديين مبكراً، فجن جنون المغتصب… لم يعتد حافظ الأسد وطغمته الفاسدة على المخالفة والعصيان، فعاث سفكاً بالدماء ذات اليمين وذات الشمال. لم أدرك يوماً أن بشراً يمتلك هذا الكم من الحقد على أبناء طينته إلا عندما قرأت ما حصل هناك مما تسرب إلينا من شهود عيان -على قلتهم- عن هول ما شهدوا… ورغم شح المصادر والصور هالني ما سمعت.. قتل …دمار… تعذيب… ذبح… رمي من الأسطح… هدم منازل على رؤوس أصحابها..


يا الله عندما أغمض عيني وأتخيل ما حصل.. عن حجم الرعب الذي لاقاه هؤلاء البشر قبل أن تسلب حياتهم تعصفني الأفكار إلى هذا اليوم، وأرى نفسي أضم ولدي مختبئة في إحدى الزوايا في المنزل وأصوات القصف والعويل من حولنا وأنا أرتجف.. وأخفي خوفي من أجل طفلي الذي بين يدي الذي جمد الخوف الدمع في عينيه الأصوات التي تهدر حولنا تختلط بين هدم وصراخ وجلبة، وكلما علت الأصوات كلما تشبث بي أكثر وغرز أظافره في جسمي.. ويرتج المنزل من شدة القصف.. أستطيع سماع أصوات المنازل تهدم حولي.. هل خرجت جارتي يا ترى؟ هل هدم المنزل على رأسها وأبنائها الخمسة؟؟ يا ترى ما مصير أختي؟؟ زوجي الذي خرج ولم يعد؟؟ يا رب.. سأستحضر آيات قرآنية وأبدأ بقراءتها بصوت خافت لأهدئ من روع هذا الطفل المسكين علّنا نتناسى ما يحصل حولنا، وتمضي ساعة وساعتان وثلاث ونحن محشوران في هذه الزاوية في الغرفة الداخلية التي شعرت ولو وهماً إنها الأمان في المنزل، يغفو الطفل بين ذراعي بعد ساعات ثقال.. تهدأ الأصوات من حولي قليلاً أتمالك نفسي أحضن طفلي بقوة وأحاول الوقوف على قدمي الخدر، يسري في جسمي من البرد والرعب.. أسمع جلبة أتراجع وأعود لمخبئي مرتعبة ثم أسمع صوت زوجي: آمنة آمنة.. علينا أن نرحل فوراً. نترك المنزل؟... أسال أنا : إلى أين؟؟؟!!!!
يرد بصوت أجشّ مبحوح: لا أدري.. المدينة تهدم عن بكرة أبيها.. لم أستطع الخروج من الحي، تسلقت من سطح إلى سطح آخر.. ما رأيته هو مبان سويت بالأرض، وجثث لرجال ونساء وأطفال.. ينوون ذبحنا يا آمنة ينوون ذبحنا.. هدموا بيوت الله يا ويحهم... وعلى عجل أخذنا ما قل حجمه وغلا ثمنه من متاعنا وخرجنا في رحلة النجاة بأرواحنا.. عندما نزلت إلى الحي.. أي حي؟؟ غابت معالم الحي.. القدر هو الذي أنقذ منزلي(1)... كل ما حولي كان مهدماً... أتعثر الخطى من الركام... يا إلهي جثة طفلة... على بعد خطوات منها ما يبدو إنها أمها... زوجي يمسك يدي ويسحبني.. يتلقفني.. يصرخ بي.. لأزيح وجهي وهو يراني أصرخ يا لله الله.. اثنا عشر رجلاً مربوطاً  يبدو أنهم أعدموا ميدانياً ملقاً على قارعة الطريق لم أعد استوعب أين أنا... أين أخطو.. فقدت الإحساس بالزمان والمكان.. وأصبحت أمشي مثل الأموات الأحياء أبكي بهستيرية وصغيري بدأ يبكي لبكائي ويحسس على رأسي ويقبلني ليخفف عني ما لا تدركه براءته... وزوجي يجرني متماسكاً بجبروت لا يخفي حجم الأسى والدموع التي كانت تنزل بصمت على خديه... كنت أسمعه يحتسب بصوت هامس ودموعه لم تعد ملكه تجري جرياناً لكن بأنفة.. رجل لم أعهد منه البكاء يوماً...
وصلنا إلى السيارة التي ستقلنا نحن وعائلتان أخريان تركنا جميعاً وراءنا ماضياً وحاضراً، ومدينة أبي الفداء التي كانت فدوى لكل سوريا في هذه الملحمة... محيت معالم أغلب المدينة لم نعد ندري في أي مكان نحن... حريق أصوات رصاص تلعلع في المكان... مبان مهدمة... الخروج منها كان خيارنا الوحيد إن أردنا البقاء أحياء، كان بقاؤنا يعني موتاً محتماً وخروجنا منها أحياء معجزة سماوية!! ربما لنروي ما حصل في هذه الأيام التي كتبت فيها حماة الملحمة... لنبقى الشهداء الأحياء على مدينة في القرن العشرين كانت تسمى حماة... لكن الحقد الأسدي ويدي حافظ ورفعت مغمسة حتى الأكواع في دماء أهلها... حماة التي لم يكف السفاحون دماء أبنائها فأفرغوا حقدهم في بنائها... جوامعها.. كنائسها.. آثارها... شجرها... عصافيرها.. قتلوا الحياة ثم قتلوا الموت... نعم قتلوا حتى الموت... لم يكفهم ذبح الإنسان بل كانوا بعدها يحرقوه... يدوسوه بدباباتهم... يدنسوه بجرافاتهم ليدفنوا الأشلاء ويطمسوا ما اقترفت أيديهم...
هذا غيض من فيض... لا تستطيع مدونة بسيطة توصيف ما حصل.. لو أخذتم دماء جميع الشهداء وجعلتموه مداداً تسطر الملحمة في مجلدات ومجلدات لتحكي قصة كل شهيد.. لكن يا حسرتاه إنها مجرد محاولة خجولة لتحريك ضمير العالم الذي غيب حماة في الثمانينات وتناساها وصمت عن مقتلة هي الأضخم في القرن العشرين، والآن يتشدقون علينا بالإنسانية... واليوم بعد ثلاثين عاماً.. ما أشبه اليوم بالبارحة.. ما أشبه حافظ ورفعت ببشار وماهر... اليوم التاريخ يعيد نفسه.. سوريا كلها اليوم أم الفداء.. والعالم كله يتفرج لا أحد يحرك ساكناً.. لك الله يا سوريا، ولك الله يا حماة يا أم الشهداء، يا أول من بدأ بخط ملحمة النصر السورية، واليوم تستمر الملحمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصحيح: النسبة لله وليس للقدر.

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 52) 31%
لا (صوتأ 100) 60%
ربما (صوتأ 14) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 166