الأحد 4 محرّم 1439 هـ الموافق 24 سبتمبر 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
أيام الأحداث.. أحاديث على أطلال المجزرة!
الخميس 2 فبراير 2012 م
عدد الزيارات : 1575

تقرع كلمة "أيام الأحداث" مسامعي مذ أن كنتُ طفلاً، فأمي مشتاقة لخالي مصطفى المعتقل في سجن تدمر منذ أيام الأحداث، وجدتي لا تكف عن الدعاء لعمي عمر المعتقل في سجن تدمر منذ أيام الأحداث، وابن عمتي طارق بلا أب، فوالده في سجن تدمر منذ أيام الأحداث.


وكانت لأبي مغامرات كثيرة أيام الأحداث أو "أيام الثمانينيات" يتذكرها ويحكيها لرفاقه، و"أيام الأحداث" هو التعبير المهذب عن تلك الحقبة الدموية والتي لا يُحبّذ استخدام عبارات مباشرة لوصفها أمام طفل قد يزل بها لسانه أمام الآخرين.
بعد 12 عاماً من اعتقالهم أُفرج عن عمي وخالي، وبعدها بسنوات عن زوج عمتي، وطبعاً عن المئات من أبناء قريتي ومدينتي بانياس والبيضا، وكانوا اعتقلوا جميعاً أيام الأحداث، أما عمي وخالي فقد كانوا طفلين في المدرسة الإعدادية، ومنها اقتيدا مباشرة إلى السجن، وبحسب خالي فلم يكونا يعرفان شيئاً عن "الإخوان المسلمين"، التهمة الجاهزة لتلك الحقبة والتي أودع بسببها عشرات الآلاف في السجون بلا محاكمة.
وأنا أكبُر، كان يكبر الشغف في داخلي لأعرف أكثر عن أيام الأحداث، لم يكن في ذهني شيء عن تلك الحقبة سوى صور مروعة من المجازر: مجازر في حماة، ومجازر في سجن تدمر، مدفعية تدك حماة، ورشاشات تدك صدور معتقلين عُزّل في سجن تدمر.. وللحقيقة، فإلى اليوم لم يُروَ شغفي بمعرفة التفاصيل سوى بعض ما نشر على المواقع الحقوقية التي على أهمية ما فيها تردد أنّ الحقيقة أكثر وحشية بكثير مما نُشر.
ما أشبه اليوم بالأمس:
اليوم، وبعد ثلاثين عاماً على مجزرة حماة لم أعد شغوفاً بمعرفة تفاصيل تلك الحقبة، فأنا اليوم أعيشها كما يعيشها كل الشعب السوري اليوم، وكما عاشها أهل حماة أيام الثمانينيات لكن بصورة أخف، فعشرات القرى والبلدات والمدن السورية عاشت بالأشهر الأخيرة حملات عسكرية بربرية شبيهة في بعض أوجهها بما حُكي عن مجازر حماة، الإذلال ذاته.. القتل العشوائي ذاته.. التهجير والتجويع المقصود ذاته.. المقابر الجماعية ذاتها.. حملات الاعتقالات الخرافية ذاتها.. التدمير للقرى والمساجد والكنائس ذاته.. بل حتى التبريرات ذاتها!
عزاء حماة بعد ثلاثين عاماً أنّ الشعب السوري قرر نفض غبار نسيانها أو السكوت عنها، قرر الشعب السوري أن يعيش الحقبة لكي يستعيد بلده جاداً هذه المرة، عزاء حماة أن كل بلدة في سوريا استحالت إلى حماة، وعزائها؛ أنّ العدالة التي نامت عن قضيتها مدة 30 عاماً قد تستيقظ قريباً.. !
أول درس في الثورة:
حدث وأنا يافع أن وقع بين يديّ ديوان شعري يجمع بين طياته عدة قصائد شعرية لشعراء إسلاميين معظمهم مصريين، المشترك بين القصائد أنها تتحدث عن محنتهم في فترة الثمانينيات.. فحفظت منها وأنا يافع قصيدة ما زلت أحفظ مطلعها وبعض أبياتها وكانت بعنوان "رسالة في ليلة التنفيذ"، وهي لسيد الرفاعي أو هاشم الرفاعي، وهي رسالة على لسان ثائر حُكم عليه بالإعدام، وطبعاً ليس من المفارقة أن الشاعر الذي جادت قريحته بهذه القصيدة الملحمية قد استشهد هو الآخر بعمر 24 سنة فقط على يد أعدائه السياسيين.
تتمتع هذه القصيدة بحسّ إنساني منقطع النظير، أثرت بي تأثيراً بالغاً حتى جعلتني متعاطفاً مع الإسلاميين في تلك الفترة حدّ الانحياز.. وكانت أول درس آخذه في التمرد لصالح الإنسان، وأول درس في الثورة على الظلم و الطغاة.
وفي الحقيقة أنّ نفسي حدثتني غيرَ مرة أن أنشر هذه القصيدة في مدونتي، ولكن التردد خوفاً من إلصاق تهمة "الإخونجي" بي كانت تمنعني.لكن هذا يومها .. فإليكم:

رسالة في ليلة التنفيذ

الشهيد الشاب: هاشم الرفاعي

أبتاه ماذا قد يخطُّ بناني*** والحبلُ والجلادُ ينتظراني
هذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ *** مَقْرورَةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرانِ
لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلةٌ أحْيا بِها *** وأُحِسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني
سَتَمُرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في *** هذا وتَحمِلُ بعدَها جُثماني
الليلُ مِنْ حَولي هُدوءٌ قاتِلٌ *** والذكرياتُ تَمورُ في وِجْداني
وَيَهُدُّني أَلمي فأنْشُدُ راحَتي*** في بِضْعِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ
والنَّفْسُ بينَ جوانِحي شفَّافةٌ *** دَبَّ الخُشوعُ بها فَهَزَّ كَياني
قَدْ عِشْتُ أُومِنُ بالإلهِ ولم أَذُقْ *** إلاَّ أخيراً لذَّةَ الإيمانِ
شكراً لهم أنا لا أريد طعامهم *** فليرفعوه فلست بالجوعان
هذا الطعام المر ما صنعته لي *** أمي ولا وضعوه فوق خوان
كلا و لم يشهده - يا أبتي – معي *** أخوان جاءاه يستبقان
مدوا إلي به يداً مصبوغة *** بدمي وهذه غاية الإحسان!
والصَّمتُ يقطعُهُ رَنينُ سَلاسِلٍ *** عَبَثَتْ بِهِنَّ أَصابعُ السَّجَّانِ
ما بَيْنَ آوِنةٍ تَمُرُّ وأختها *** يرنو إليَّ بمقلتيْ شيطانِ
مِنْ كُوَّةٍ بِالبابِ يَرْقُبُ صَيْدَهُ *** وَيَعُودُ في أَمْنٍ إلى الدَّوَرَانِ
أَنا لا أُحِسُّ بِأيِّ حِقْدٍ نَحْوَهُ *** ماذا جَنَي فَتَمَسُّه أَضْغاني
هُوَ طيِّبُ الأخلاقِ مثلُكَ يا أبي*** لم يَبْدُ في ظَمَأٍ إلى العُدوانِ
لكنَّهُ إِنْ نامَ عَنِّي لَحظةً *** ذاقَ العَيالُ مَرارةَ الحِرْمانِ
فلَرُبَّما - وهُوَ المُرَوِّعُ سحنةً -*** لو كانَ مِثْلي شاعراً لَرَثاني
أوْ عادَ - مَنْ يدري؟ - إلى أولادِهِ*** يَوماً تَذكَّرَ صُورتي فَبكاني
وَعلى الجِدارِ الصُّلبِ نافذةٌ بها *** معنى الحياةِ غليظةُ القُضْبانِ
قَدْ طالَما شارَفْتُها مُتَأَمِّلاً *** في الثَّائرينَ على الأسى اليَقْظانِ
فَأَرَى وُجوماً كالضَّبابِ مُصَوِّراً *** ما في قُلوبِ النَّاسِ مِنْ غَلَيانِ
نَفْسُ الشُّعورِ لَدى الجميعِ وَإِنْ هُمُو*** كَتموا وكانَ المَوْتُ في إِعْلاني
وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ: ما الَّذي*** بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟
أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْراً لِنفسي أَنْ أُرَى*** مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟!
ما ضَرَّني لَوْ قَدْ سَكَتُّ وَكُلَّما*** غَلَبَ الأسى بالَغْتُ في الكِتْمانِ؟
هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئاً *** ما ثارَ في جَنْبَيَّ مِنْ نِيرانِ
وَفؤاديَ المَوَّارُ في نَبَضاتِهِ *** سَيَكُفُّ في غَدِهِ عَنِ الْخَفَقانِ
وَالظُّلْمُ باقٍ لَنْ يُحَطِّمَ قَيْدَهُ *** مَوْتي وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني
وَيَسيرُ رَكْبُ الْبَغْيِ لَيْسَ يَضِيرُهُ *** شاةٌ إِذا اْجْتُثَّتْ مِنَ القِطْعانِ
هذا حَديثُ النَّفْسِ حينَ تَشُفُّ عَنْ *** بَشَرِيَّتي وَتَمُورُ بَعْدَ ثَوانِ
وتقُولُ لي: إنَّ الحَياةَ لِغايَةٍ *** أَسْمَى مِنَ التَّصْفيقِ ِللطُّغْيانِ
أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخمِدَتْ *** سَتَظَلُّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ
وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ *** قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني
دَمْعُ السَّجينِ هُناكَ في أَغْلالِهِ *** وَدَمُ الشَّهيدِ هُنَا سَيَلْتَقِيانِ
حَتَّى إِذا ما أُفْعِمَتْ بِهِما الرُّبا *** لم يَبْقَ غَيْرُ تَمَرُّدِ الفَيَضانِ
ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُونُ هُبُوبُهَا *** بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ
إِنَّ اْحْتِدامَ النَّارِ في جَوْفِ الثَّرَى *** أَمْرٌ يُثيرُ حَفِيظَةَ الْبُرْكانِ
وتتابُعُ القَطَراتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ *** سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ
فَيَمُوجُ يقتلِعُ الطُّغاةَ مُزَمْجِراً *** أقْوى مِنَ الْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطانِ
أَنا لَستُ أَدْري هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي؟ *** أَمْ سَوْفَ يَعْرُوها دُجَى النِّسْيانِ؟
أمْ أنَّني سَأَكونُ في تارِيخِنا *** مُتآمِراً أَمْ هَادِمَ الأَوْثانِ؟
كُلُّ الَّذي أَدْرِيهِ أَنَّ تَجَرُّعي *** كَأْسَ الْمَذَلَّةِ لَيْسَ في إِمْكاني
لَوْ لَمْ أَكُنْ في ثَوْرَتي مُتَطَلِّباً *** غَيْرَ الضِّياءِ لأُمَّتي لَكَفاني
أَهْوَى الْحَياةَ كَريمَةً لا قَيْدَ.. لا *** إِرْهابَ.. لا اْسْتِخْفافَ بِالإنْسانِ
فَإذا سَقَطْتُ سَقَطْتُ أَحْمِلُ عِزَّتي *** يَغْلي دَمُ الأَحْرارِ في شِرياني
أَبَتاهُ إِنْ طَلَعَ الصَّباحُ عَلَى الدُّني*** وَأَضاءَ نُورُ الشَّمْسِ كُلَّ مَكانِ
وَاسْتَقْبَلُ الْعُصْفُورُ بَيْنَ غُصُونِهِ *** يَوْماً جَديداً مُشْرِقَ الأَلْوانِ
وَسَمِعْتَ أَنْغامَ التَّفاؤلِ ثَرَّةً *** تَجْري عَلَى فَمِ بائِعِ الأَلبانِ
وَأتى يَدُقُّ - كما تَعَوَّدَ – بابَنا *** سَيَدُقُّ بابَ السِّجْنِ جَلاَّدانِ
وَأَكُونُ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ مُتَأَرْجِحَاً *** في الْحَبْلِ مَشْدُوداً إِلى العِيدانِ
لِيَكُنْ عَزاؤكَ أَنَّ هَذا الْحَبْلَ ما *** صَنَعَتْهُ في هِذي الرُّبوعِ يَدانِ
نَسَجُوهُ في بَلَدٍ يَشُعُّ حَضَارَةً *** وَتُضاءُ مِنْهُ مَشاعِلُ الْعِرفانِ
أَوْ هَكذا زَعَمُوا! وَجِيءَ بِهِ إلى *** بَلَدي الْجَريحِ عَلَى يَدِ الأَعْوانِ
أَنا لا أُرِيدُكَ أَنْ تَعيشَ مُحَطَّماً *** في زَحْمَةِ الآلامِ وَالأَشْجانِ
إِنَّ ابْنَكَ المَصْفُودَ في أَغْلالِهِ *** قَدْ سِيقَ نَحْوَ الْمَوْتِ غَيْرَ مُدانِ
فَاذْكُرْ حِكاياتٍ بِأَيَّامِ الصِّبا *** قَدْ قُلْتَها لي عَنْ هَوى الأوْطانِ
وَإذا سَمْعْتَ نَحِيبَ أُمِّيَ في الدُّجى *** تَبْكي شَباباً ضاعَ في الرَّيْعانِ
وتُكَتِّمُ الحَسراتِ في أَعْماقِها *** أَلَمَاً تُوارِيهِ عَنِ الجِيرانِ
فَاطْلُبْ إِليها الصَّفْحَ عَنِّي إِنَّني *** لا أَبْتَغي مِنَها سِوى الغُفْرانِ
مازَالَ في سَمْعي رَنينُ حَديثِها *** وَمقالِها في رَحْمَةٍ وَحنانِ
" أَبُنَيَّ: إنِّي قد غَدَوْتُ عليلةً *** لم يبقَ لي جَلَدٌ عَلى الأَحْزانِ "
" فَأَذِقْ فُؤادِيَ فَرْحَةً بِالْبَحْثِ عَنْ *** بِنْتِ الحَلالِ، وَدَعْكَ مِنْ عِصْياني "
كانَتْ لها أُمْنِيَةً رَيَّانَةً *** يا حُسْنَ آمالٍ لَها وَأَماني
وَالآنَ لا أَدْري بِأَيِّ جَوانِحٍ *** سَتَبيتُ بَعْدي أَمْ بِأَيِّ جِنانِ؟!
هذا الذي سَطَرْتُهُ لكَ يا أبي*** بَعْضُ الذي يَجْري بِفِكْرٍ عانِ
لكنْ إذا انْتَصَرَ الضِّياءُ وَمُزِّقَتْ *** بَيَدِ الْجُموعِ شَريعةُ القُرْصانِ
فَلَسَوْفَ يَذْكُرُني وَيُكْبِرُ هِمَّتي *** مَنْ كانَ في بَلَدي حَليفَ هَوانِ
وَإلى لِقاءٍ تَحْتَ ظِلِّ عَدالَةٍ *** قُدْسِيَّةِ الأَحْكامِ والمِيزانِ

 

 

ملتقيات أحمد

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 52) 31%
لا (صوتأ 100) 60%
ربما (صوتأ 14) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 166