الأحد 4 محرّم 1439 هـ الموافق 24 سبتمبر 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
الجرح يتجدد.!
الخميس 2 فبراير 2012 م
عدد الزيارات : 4885

في هذا المساء اشتاق لدفء الوطن أثناء الثلج، ولرائحة قهوة جدتي وهي تروي قصص مختلفة عن أحداث من الماضي عاشتها وعاشت كل تفاصيلها، ترويها وكأنها تشاهدها أمامها.. وهاهي تتكرر أمامي على شاشة التلفاز تلك الأحداث التي حدثت بشهر واحد أبيدت بها مدينة بأكملها، فلم يبق بها بيت أو مسجد سالم.. انتشرت رائحة الموت فيها وتشربت أرضها دماء أبنائها، فأزهرت اليوم شباب الثورة شباب كان كل مطلبهم الحرية.. رفضوا الاستبداد والظلم، كيف لصورة جدتي ودموعها الغزيرة كالنهر الجاري أن أمسحها من أمام ناظري وهي تروي لي عن ذلك البطل الصغير جسداً وعمراً، الذي خرج من بيته دون تردد يحمل روحه بين يديه وهو يتناسى دموع أمه وانكسارها أن سمعت يوماً خبر استشهاده أو فقده.. لم يكن يرتدي قناعاً يخفي به وجهه عن الأنظار، فهو حينها لم يكن يخاف إلا من خالقة، لم يكن حينها تجاوز السابعة عشر من عمرة.. خرج ليريح البلاد والعباد ممن عاثوا بالوطن فساداً، كان ومع صغر سنه حنوناً باراً بوالديه، يخاف على الصغار من مشاهد الدماء، فكان يرفض رفضاً قاطعاً أن يقتل أحداً أمام أطفاله، فمشاهدة الموت للصغار تميت قلوبهم وتحيي حب الدماء والانتقام في عقولهم..

قالت لي جدتي: إنها شاهدته ذات نهار يأخذ من أب أطفاله ويعيدهم إلى البيت ليقوموا رفاقه الشباب بقتل ذلك الظالم الجبان المحتمي بأطفال لم يتجاوز أعمارهم السابعة وهو متناسي أنهم ما زالوا صغار السن على روئيتم لكل تلك المشاهد الدامية، والجثث التي ملئت الأرصفة في كل مكان، كيف أنسى صوت الموت بصوتها حينما أخبرتني عن بطولات شباب لم يخافوا البشر وخافوا من رب البشر، اخفوا أسلحتهم عن أهلهم خوفاً من كشفها، لم يفرقوا بين قريب أو بعيد.. فكل متعاون مع الظالم ظالم مثله، فقتلوا القريب قبل البعيد، كانوا ينشدون أناشيد الجهاد بصوتهم الرقيق، ويرددون هتافات تحمسهم للقاء رب العباد بصوت حين سماعه يخيل لك أنك بالجنان، لم يكونوا يريدون من هذه الدنيا إلا الجنان، شباب لم يقعدهم العجز والإعاقة عن محاربة الظلم.. فحتى المقعد كان له دور كبير في الأحداث.. حارب وحمل سلاح العقل.. لن أنسى همسها الرقيق وهي تقول لي: كان قائدهم مقعد يا بنتي، كان هزيل البنية، فاقد لساقيه، حيث كان دوره حينها أن يرسم الخطط، ويستكشف المكان، فكان يتجول بكرسيه دون خوف ليؤمن لأحبته وإخوته بالجهاد الطريق الآمن والحماية الكافية، فلم يكن لأحد أن يشك بعاجز مقعد، ولكنهم نسوا أن العجز عجز العقل لا الجسم.. ما زلت أتذكرها وهي تخبرني عن شهداء لم يجدوا مكان يدفنوهم به إلا ساحة المسجد فدفنوهم.. وتناسى الناس أمرهم وكأنهم لم يكونوا.. وبعد سنوات طوال وجدوا الجثث على حالها، لم تتحلل فهم اخلصوا النية لله - تعالى -.. صاح هناك الكل مكبرين حين رأوا الجثث على حالها وكأنها دفنت لتوها، كانوا سعداء حين تعرفوا على أصحاب الجثث وعلموا أنهم أقربائهم وأحبائهم.. لن أنسى تلك الأم التي رأيتها وهي تربي أطفال يتامى وحيده تطعمهم من دم قلبها، كانت ستقطع جسدها لتطعمهم من شدة الفقر، فهي فقدت زوجها معينها على هذه الحياة، وقتل مصدر الأمان أمام عينها، فشاهدت والدها جثة ممددة أمامها تفوح منها رائحة المسك، ووجهه يشع بابتسامة جميله لا يملكها إلا شهيد دون أن تتراجع عن هدف تحقيق النصر لشعبها، فكم من الصعب أن يقتل أمام عينيك أغلى اثنين على قلبك؛ زوجك وأبوك، هي لم تصرخ حينها، لم تستنجد إلا بالله، كانت تقول: هم فداء للدين والوطن، وأم فقدت أربعة أو خمسة من شبابها وهي تقول: لو لي السادس لدفعته لطلب الحرية. لن أنسى صورتها وهي تروي عن ظلم الجيش وكيف نهب كل ما في المحال التجارية والبيوت، نسف الأخضر واليابس، ولم يبق شيء صالح للاستعمال البشري أو الحيواني، وعن حقد بعض البشر وخيانتهم حتى لإخوتهم في سبيل الحصول على حفنة من المال.. فذلك الذي باع أخوه بثمن بخس وضحى به، وبأهل حارته لأجل سعادة زائفة، فعاون الجيش ودلهم على مكان كل شباب حارتهم لقتلهم، وكشفه أخوه قبل موته فمات برصاصتين رصاصة الجيش ورصاصة خيانة الأخ، كم تخيلت صورته ورصاصة أخوه تحتل صدره للتمركز في قلبه فيموت كمداً وحزناً قبل أن يموت من رصاصه عدو لا تؤلم أبداً.
وكم هي مرة دموع الأم حينها على ولديها، فأولهم شهيد سعيد، والثاني ضحى بأخيه من أجل أموال الدنيا وزينتها، فنسي جزاء المتعاون مع الظالم الذي لم يفرق بين امرأة أو رجل، فحتى النساء قتلوهم وقطعوا أيديهم ورقابهم ليحصلوا على ذهب، سيحرقهم يوماً، هل أنسى دموع جارتنا التي ربت أطفالها اليتامى دون شكوى كانت تبكي بصمت وهي تتذكر جثة زوجها الملقاة أمام البيت، لم يقو أحد على دفنها خوفاً على أرواحهم، استشهد وخلف خمسة أطفال يحتاجون إلى كل شيء، وحرموا من أمان الأب وعطفه.
كانت دائماً تقول لي جدتي: كانوا وحوشاً لا بشراً يا بنتي، دافعوا عن ظالم ولم يبالوا بأرواحهم، هم كانوا أكثر من ضعفاء ليفعلوا ما فعلوه دون رحمة أو حتى تأنيب ضمير..
يا بنتي.. إياك والدفاع عن متجبر فستكونين حينها مثله وأكثر..
قالت لي: غاليتي حينها أتعلمين لن أنسى دموع أمي وهي تودعنا، مغادرين بعد فقدها لابنها وحفيديها، كانت دموعها خناجر بصدري يستمر ألمها إلى لحظتي هذه، كم كنت آمل أن أرها قبل أن تموت لأطلب منها السماح على دموعها، ولكنها رحلت وخلفت حسرة كبيرة في صدري تكبر يوماً بعد يوم.
روت جدتي ولسنوات طوال عن أطفال ماتوا جوعاً وبرداً دون أن يبالي بهم أحد.. فلم يكن حينها يوجد حتى حليب للأطفال، فكانت الأم تقوم بالتضحية بالكثير والكثير لنيل القليل من الحليب لترضع طفلها وتدفئه بحضنها عسى دفء حنانها يغنيه ويغنيها عن دفء المدفئات.
لم تنس جدتي أن تروي لي عن بعض نهايات الظلمة.. فذاك مرض ابنه مرض لا علاج له، دار به العالم كله فلم ينفعه مال ولا ظالم دافع عنه حتى الموت، فمات ابنه أمامه دون علاج بعد سنوات من الألم.
نظرت إلى شاشة التلفاز وكثير من الصور التي روتها جدتي أراها اليوم، وهاهي الشجر تعود لتسقى من دماء شباب الأرض وعصافيرنا تستنشق رائحة دمائهم الزكية.. سوريا كم ستعانين من ظلم وجبروت ذلك النظام؟ متى تستريحين ويرتاح شبابك من جبروته؟ لك الله يا سوريا.. أتعلمين سوريا كانت جدتي دائماً ما تقول: فقدنا الولد والاثنين، وفقدنا الأب والأخ والأهل أجمع، فصبرنا لأننا سنراهم في الجنان، ولكن أن نفقد تراب الوطن فكيف لقلوبنا أن تتحمل كسرتنا الغربة يا سوريا...

المصدر: شفاء العوير

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 52) 31%
لا (صوتأ 100) 60%
ربما (صوتأ 14) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 166