السبت 1 رمضان 1438 هـ الموافق 27 مايو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نقاش هادئ حول فكر (دولة الإسلام في العراق والشام) (5) موقف تنظيم (الدولة) من البيعة
الأربعاء 5 مارس 2014 م
عدد الزيارات : 4500

نقاش هادئ حول فكر الدولة الإسلامية في العراق والشام

(5)

موقف تنظيم (الدولة) من البيعة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

توطئة:

هذا المقال مرتبط ارتباطًا كاملاً بالمقال السابق (موقف تنظيم (الدولة) من إقامة الدولة) 

ولا يمكن تصور مافي هذا المقال إلا بالرجوع للمقال السابق، والذي يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

1- تنظيم (الدولة) ليس مجرد فصيل عسكري، بل هو دولة كاملة الأركان.

2- هذه الدولة هي الوحيدة التي تحمل المشروع الإسلامي الصحيح، وكل من عداها فهو مشروع خيانة أو كفر وردة.

3- لا مجال لنقاش اجتهادهم في إعلان الدولة أو اختيار أميرها.

4- هذه الدولة مقدمة لعودة الخلافة الراشدة.

5- أتباع هذه الدولة هم من سيكون مع المهدي، وعيسى بن مريم، ويقاتل الدجال.

 

*            *             *

 

إذا فما موقفهم من البيعة؟

المسألة الأولى: طبيعة البيعة:

حرص تنظيم (الدولة) منذ إعلان دولته على الدعوة إلى البيعة، فقد جاء في كلمة محارب الجبوري (الإِعْلانُ عَنْ قِيَامِ دَوْلَةِ العِرَاقِ الإِسْلامِيَّةِ) قوله: "وإننا اليوم ندعو كل مجاهدي وعلماء العراق وشيوخ العشائر وعامة أهل السنة إلى بيعة أمير المؤمنين الشيخ الفاضل أبو عمر البغدادي على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن نعمل جاهدين على تقوية دعائم هذه الدولة والتضحية من أجلها بالنفس والنفيس.." انتهى.

وقال أبو بكر البغدادي في كلمته التي أعلن فيها التمدد نحو بلاد الشام (إعلام الأنام بتمدد دولة الإسلام وبشر المؤمنين):

"فنعلن متوكلين على الله إلغاء اسم دولة العراق الإسلامية وإلغاء اسم جبهة النصرة . وجمعهم تحت اسم واحد (الدولة الإسلامية في العراق والشام ) وكذلك توحيد الراية راية الدولة الإسلامية راية الخلافة إن شاء الله... وإننا في ذات الوقت نمد أيدينا واسعة ونفتح أحضاننا وقلوبنا للفصائل المجاهدة في سبيل الله تعالى وللعشائر الأبية في أرض الشام الحبيبة على أن تكون كلمة الله هي العليا وأن تحكم العباد والبلاد بأحكام الله تعالى دون أن يكون لغير الله تعالى أي نصيب في الحكم .." انتهى.

فبما أنهم دولة، وأميرهم يسمى بأمير المؤمنين، ويضمون أقاليم ودلاً أخرى، ويدعون للبيعة، فلا بد أن تكون دعوتهم لبيعة هذه دعوة للبيعة العامة، وليست دعوة خاصة بالجهاد ونحوه.

وهنا تساؤلات هامة:

 فإذا كانت هذه البيعة عامة وبيعة على الحكم:

ما هو مدى سلطات هذا الحاكم؟ هل تقتصر على بلاد العراق والشام؟ أم أنها تشمل بقية الدول الإسلامية؟ وحتى الدول التي لم (تتمدد) لها بعد؟

وإن اختار سكان تلك البلاد حاكمًا آخر فما موقفهم منه؟ وهل يختلف الحال لو اختاروه قبل (تمددهم) أو بعده؟

وهل تنطبق عليه الأحاديث التالية:

 (وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ) رواه مسلم.

(إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا) رواه مسلم.

(مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ) رواه مسلم.

(اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) رواه البخاري.

 وفي كلمة أبي عمر البغدادي (حصاد السنين بدولة الموحدين) دلالة أخرى خطيرة على هذه المعاني السابقة بتمثل دور الخليفة أبي بكر رضي الله عنه، إذ يقول:

"وإني أقولها لكم ولعامة المسلمين مقالة سيدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فان عصيته فلا طاعة لي عليكم" انتهى.

 

كما يمكن أن نسأل: إذا انضم شخص لتنظيم (الدولة) ثم أراد الخروج منه، فهل سيطبقون عليه الحديث التالي:

(مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً) رواه مسلم.

وحسب تفسيراتهم وتعاملاتهم، ما المقصود بالجاهلية هنا؟

وهل ينطبق على هذا المنشق أو الرافض لدولتهم قول أبي محمد العدناني في كلمته (لن يضروكم إلا أذى):

ن مشروعنا هذا يقابله مشروعان ؛ الأول : مشروع دولة مدنية ديمقراطية ، مشروع علماني تدعمه جميع ملل الكفر قاطبة ...

وأما المشروع الثاني ؛ فمشروع دولة محلية وطنية تسمى إسلامية ، تدعمها أموال وفتاوى علماء آل سلول وحكومات الخليج ، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ ... ".

وقوله: " وإن الدولة الإسلامية في العراق والشام تواجه على هذا الصعيد أشرس الحروب ؛ إذ إن لها في هذا المضمار ثلاثة خصوم ؛ الكفار بجميع أبواقهم ووسائل إعلامهم، والمرتدون من بني جلدتنا بكل أطيافهم وعلماء سوئهم، وأهل الأهواء وأرباب البدع وأصحاب المناهج المنحرفة من المسلمين" انتهى.

وبالتالي فسيحكمون عليه باللازم وهو أن من انشق عنهم فهو بالضرورة في صف الكفار والمرتدين والخونة، ويستحق بذلك القتل؟

 

وهل على هذا الأساس حكموا على أمير النصرة في الرقة الذي انشق عنهم بالردة؟ والذي يرفضون إلى الآن الإفصاح عن سبب الحكم عليه والأدلة الموجهة له!

 

*            *             *

المسألة الثانية: الأولوية لأخذ البيعة:

ما الأولوية التي ينصرف إليها عمل تنظيم (الدولة) إذًا؟ ونحن في عصر جهاد الدفع الذي تعيشه الأمة؟ سواء كان في العراق أو في سوريا؟ والمصاعب التي تواجه الجهادين؟ والتحريش الذي تشيعه استخبارات العالم في مناطق الجهاد هذه؟ والفوضى الأمنية التي تعيشها مناطق الجهاد عادة؟

يظهر من أقوال قادة تنظيم (الدولة) أنَّ إقامة الدولة، والدعوة إليها بالبيعة أهم ما يشغلهم، وقد مضى في المقال السابق التوسع في ذكر النقول عنهم، فهم –مثلاً- لا يرون الجهاد إلا بإقامة الدولة، ولا إقامة الدين إلا بإقامة الدولة، ونحو ذلك؛ لذا فإنَّ الدعوة إليها هدفهم الأول.

قال أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول): "ينبغي أن يدرك الجميع كما قررنا ذلك مراراً أننا نقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يكون ذلك إلا بحكم و إمارة، فإنشاء دولة إسلامية في العراق هدفٌ لنا جميعاً منذ أول طلقة أطلقناها على المحتل وأعوانه" انتهى.

 

بل عندما واجهت الدولة مشكلة (الصحوات) في العراق، كان أهم شروط (استتابتهم) بعد إعلان التوبة والبراءة مما كانوا فيه: مبايعتهم (للدولة)..

قال أبو محمد العدناني في كلمته (الآنَ الآنَ جَاءَ القِتَال) في وصف حال العراق بعد الضعف الذي أصاب الجماعات الجهادية بسبب الحرب عليها:

" ... وإننا نزداد قوةً يومًا بعد يومٍ ولله الحمد، وأننا اليوم بتنا نملك زمام المبادرة، نضرب ونظهر متى نشاء، وحيثما نريد، نحن المهاجمون والعدو بكل أطيافه المدافع، ولقد أصبحنا على مشارف التمكين بإذن الله، وأن أهل السنة في العراق بدأوا يعودون لرشدهم وصوابهم، فلقد بايعنا في الشهور القليلة الماضية جمعٌ غفيرٌ من شيوخ ووجهاء العشائر، وفي الأنبار منهم الحظ الأكبر، وتعلمون ما الأنبار.

خامسًا: نبارك لجميع الذين بايعوا الدولة في الأشهر الماضية؛ عشائر وشيوخًا وأفرادًا، ونقول لهم: اصبروا وأبشروا بخير الدنيا والآخرة، فإن نصر الله قريب، ونرحِّب بجميع العائدين والتائبين من الجيش والشرط والصحوات، ونهنئهم بالتوبة ونقول لهم: أنتم اليوم إخواننا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا" انتهى.

فهل الأخوة الإسلامية عادت بمجرد (التوبة) أم بعد المبايعة والعودة إلى أحضان (الدولة)؟

 

وقال أبو محمد العدناني في كلمته (العراق العراق يا أهل السنة):

"يا أهلنا أهل السنة، إنّ الدولة الإسلامية ما وُجدت إلا للدفاع عنكم وحفظ حقوقكم والوقوف في وجه أعدائكم، وإنّ الدولة الإسلامية هي أملكم الوحيد الصادق بعد الله عز وجل ...

وإنّ الدولة الإسلامية تتفهم الضغوطات الشديدة التي تعرّضت لها العشائر لضرب مشروع الدولة...

وبناءً عليه، فإنّ الدولة تفتح أبوابها لكل تائبٍ أو عائدٍ يضع يده بيدها، وتصفح عن كل حائدٍ يعتزل قتالها ويكف يده عنها ويخلّي بينها وبين أعداء الله من الرافضة وأعوانهم..." انتهى.

والمقصود من المجاهدين هنا تنظيم الدولة حصرًا!!

 

وفي سوريا:

كان من أهم الأعمال التي قام به تنظيم (الدولة) الدعوة إلى البيعة، فمع قلة عدد أتباعها، وقلة انتشارها، وضعف تمكنها على الأرض ومحدوديته، وعدم إقرار سائر المجاهدين والسكان وأهل الشوكة والعلم لهم بإعلان الدولة، وانشغال المجاهدين والثوار بمقارعة النظام النصيري، ومدافعة جرائمه المريعة، كانت رسل البغدادي تجوب مناطق متنوعة تستجلب البيعات، وتعقد لها الولائم والاحتفالات، وقد صدر عدد منها في سلسلة (نوافذ على أرض الملاحم).

فأي فقه هذا؟

 

*            *             *

 

المسألة الثالثة: استهداف الجماعات الجهادية بالبيعة، واعتبارها طريق الوحدة:

من أهم ما يُلحظ على هذه البيعات أنَّها لم تتوجه إلى عامة الثوار، أو المسلمين غير المنضوين تحت أي فصيل عسكري، بل استهدفت الجماعات الجهادية في المقام الأول!

قال أبو حمزة المهاجر في اللقاء (الصوتي الثاني): "الأسابيع الأولى لإعلان الدولة كان يلحق بجيش الدولة في الأسبوع الواحد نحو ألف مقاتل، حتى استوعبنا بحمد الله أكثر من 80% من المجاهدين على الأرض...

 لقد كنا صادقين أن أكثر من 70% من شيوخ عشائر أهل السنة بايع الدولة الإسلامية وأميرها..." انتهى.

فهل وعى قادة تنظيم (الدولة) المخاطر والآثار المترتبة على إشاعة البيعة واستقطاب المجاهدين من جماعات أخرى أثناء القتال؟ بغض النظر عن أي أمر آخر؟

وأنه كان من أهم أسباب نشوء الخلافات بين المجاهدين فيما بعد؟

 

ويظهر من سبب هذا الاستهداف: اعتقاد أنَّ توحد الجهاد أو توحيد الجهود لا تكون إلا ببيعة تنظيمهم! فقد حفلت بيانات تنظيم (الدولة) بالدعوة إلى التوحد في الجماعات، وتوحيد القيادة بهذا الفهم.

قال محارب الجبوري في كلمته (صَبْرًا يَا بَغْدَادُ فَالحَرْبُ سِجَالٌ) عند بدايات تأسيس (الدولة) في العراق:

"فيا إخواننا في ساحات الجهاد وساحات التضحية والفداء: نشهد الله تعالى أننا نحبكم في الله وأن لنا قلوبًا تحن إليكم وإلى قربكم فالتحقوا بصفوف إخوانكم في دولة العراق الإسلامية ولا تتأخروا فلقد حان وقت التوحد والتلاحم ...

ومرة أخرى نقول لكم إن الخير والبركة في الاجتماع والشر كل الشر في الافتراق والاختلاف، فأصل هذا الأمر وتمامه أن تلبوا نداء إخوانكم فتبايعوا أخاكم أبا عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية حفظه الله وسدد خطاه فتصبح الأمة مجتمعة على أميرٍ واحدٍ وراية واحدة" انتهى.

وقال أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول):

"كلمتي إلى الذين يظنون أنّنا على الحق ونقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ماذا تنتظرون؟ وقد رأيتم كيف تحالف أصحاب كل باطل وتحزّبوا و ناصر بعضهم بعضاً في كل شاردةٍ و واردة ... ولكم علينا إن جئتم إلينا أن نمكّنكم من إصلاحِ ما نتفقُ على أنّه خطأ على وفق شرع الله" انتهى.

 

وقال في كلمته  إن الحكم إلا لله:

"معلوم أن كل أمر واجب لا يتم إلا بالاجتماع عليه فالجماعة له واجبة كما قرر أهل الأصول ..." انتهى.

 ثم عرض مبايعة تنظيم (القاعدة) في العراق وذوبانه في (الدولة)، ثم قال مخاطبًا المجاهدين:

"إخواني وأحبابي، ألستم خرجتم للذي خرجنا لأجله !؟ ألستم تسعون لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى!؟

ألستم تهرقون دمائكم لإقامة دولة الإسلام في الأرض؟ فلئن كان ديننا وهدفنا واحدا وعدونا واحدا فما الذي يمنع أن نكون صفا واحدا؟ ...

فإن إخوانكم يدعون الله أن يحفظكم وان تبشروهم باليوم الذي تعلنون فيه ما عودتموهم عليه من صفاء المنهج ووضوح الهدف فتباركون دولة العراق الإسلامية وتبايعون الشريف أميرًا" انتهى.

 

وقال أبو بكر البغدادي في كلمته (باقيةٌ في العِراق والشام):

"وأما أنتُم يا شَبابَ الإسلام انفِروا الى أرض الشام المباركة أرض الهِجرة والجِهاد والرِباط هَلِمّوا إلى دَولَتِكُم لِتُعلوا صَرحَها، هَلِمّوا فإن السَواعِد قد شُمِّرت، وإن الملاحِم قَد أوشَكَت، وإنَهُما والله الفِسطاطان فِسطاط إيمانٍ لا نِفاقَ فيه وفِسطاطُ كُفرٍ لا إيمان فيه" انتهى.

 

وقال أبو محمد العدناني في كلمته (إنّ دولة الإسلام باقية):

"فيا أهلنا أهل السنة... فاعلموا أنه ليس أمامكم سوى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فإننا ندعوكم لنبذ كل الدساتير والقوانين الأرضية الوضعية, والبراءة من دعاتها وأتباعها وممثليها, وتبني الشريعة السماوية المحمدية, وإعلان الولاء لدعاتها وأتباعها وممثليها, فتبنوا مشروع الدولة الإسلامية, وضعوا أيديكم بأيدي أبنائكم المجاهدين" انتهى.

 

بل إن النجاة من المخططات الغربية والرافضية تكون بالتوحد معهم وبيعتهم!

قال أبو عمر البغدادي في كلمته (جريمة الانتخابات الشرعية والسياسية):

"فهذه نصوصٌ قرآنية واضحة الدلالة على سبيل النجاة وحبل الخلاص مما حلّ بالبلاد والعباد بالاعتصام بالكتاب والسنة على ما كان عليه سلف الأمة علمًا وعملًا, فالوحدة والجماعة فرضٌ رباني...

إننا ندعو جميع المجاهدين إلى الاجتماع تحت راية واحدة راية لا إله إلا الله محمد رسول الله, ومنهج واحد وأميرٍ واحد وفي جيشٍ واحد ولغايةٍ واحدة ... هذا هو الحل للخروج مِن المأزق, ولن نرى أي خير في الدين والدنيا بغيره فتحرير البلاد وقطع دابر الفساد هما وسائل لتحقيق المطلوب والوصول إلى الغاية العظمى, ولا يمكن أن تكون غاية بذاتها..." انتهى.

 

ولنفترض أن إعلان الدولة صحيح، وأنهم مجتهدون في ذلك، وقد خالفهم في ذلك عامة أهل العلم والحل والعقد، ولم يوافقهم إلا قلة ممن هم على منهجهم، أيكون لهم بذلك الاجتهاد الذي يقابله اجتهادٌ آخر: حق إفساد الجماعات الجهادية وشق صفوفها؟

 

*            *             *

 

المسالة الرابعة: استهداف البيعة لأهل العلم:

لم تقتصر المطالبة بالبيعة للجماعات المسلحة، وعموم الناس، بل توجهت حتى للعلماء!

قال أبو حمزة المهاجر في كلمته (تعالوا إلى كلمة سواء) في كلام طويل وفيه ثناء عظيم على أهل العلم:

"أيها العُلماءِ الأفاضل .. أيها السادةِ الأجلاّء ..

إنما نحنُ رجال ، رأينا الدين والذُّل ، يتحدّر كالسيل الجارف ، ليهويَ بالأمةِ إلى حضيضِ الجهل .

فبنينا من عظامنا وجماجمنا سدّاً يحمي دينكم وعرضكم .

واليومَ .. قد ارتفع السدُّ ، واشتدّ ، وأصبحَ عصيّاً على موجةِ الكفر ، كلما عصفت موجة تحطمت على جداره. ثم عُدنا إلى شجرةِ الإسلام . ثم عدنا إلى شجرة الإسلامِ الأبية ..

فأخذنا نرويها بدمائنا ، حتى إذا ترعرعت ، وعَلَت افنانها ، وأينعت ثمارها ، وترسّخت في الأرضِ جذورها ، جعلنا من أجسادنا سلّماً لها.

وقلنا لكم هلمّوا إلى الثمر ، فكلوه هنيئاً مريئا...

عُلماءنا الأفاضل ..

إننا اليومَ ندعوكم لتحمّلِ الأمانة ، فإننا على مفترقِ طُرق. فلا تخذلونا، باللهِ عليكم لا تخذلونا

فإنا بحاجةٍ إليكم...

فهيــّا أنيروا دربها بعلمكم، وأمسكوا دفتها بكتابِ الله ، وسنةَ نبيـّكم، أما وإن تخلّيتُم عنا .. وتخبّطنا في الشِعاب ، فلا تلومونا ، فإنَّ الطلبَ قويّ...

أيها الأفاضل ..

إن القيادةَ والطليعة لا يجوزُ لشخصٍ أن يتصدّرها إلاّ عن تصوّرٍ صحيح ، ومعرفةٍ وعلمٍ صحيحين، وهو ما حباه الله لأهلِ العلم .

وإن سمة المجتمع الخيّرِ الفاضل القويّ المتماسك أن يسودَ فيهِ العلماء ، وأن يعرفَ الناسَ حقهم" انتهى.

وللشخص هنا أن يعجب!

كيف أطلق المهاجر كل هذه الألقاب والمدح على العلماء، وصرح بكثير من العبارات أنهم هم قادة المجتمع، وبهم تكون العصمة من الزلل..

ثم لا يأخذ برأيهم ومشورتهم في إقامة الدولة؟ ولا طلب البيعة؟ ولا يعتبرهم أهلاً لأن يكونوا من أهل الحل والعقد الذين يستشارون في إقامتها، أو الحكم بصحة تصرفاتها أو فسادها؟

بل ويُعلِّق جميع ذلك على التحاقهم بمشروع (الدولة) كما يرونه هم؟

وعندما رفضوه كان التهجم عليهم وإسقاطهم، بل والطعن في دينهم وأمانتهم حد التخوين والتفسيق؟ كما ظهر ذلك جليًا في المقال الثالث (موقف تنظيم (الدولة) من أهل العلم) وقد سبق http://justpaste.it/dqdk

فأي مقياسٍ هذا الذي يقيسون؟ وما الدليل عليه من كتاب أو سنة أو أقوال أهل علم؟

وما معقد الولاء والبراء عندهم؟

 

*            *             *

 

المسالة الخامسة: الإجبار على البيعة:

هل كان تنظيم (الدولة) يجبر الناس على البيعة؟

جاء في كلمة أبو حمزة المهاجر في (اللقاء الصوتي الأول) إجابة عن سؤال:

 هل أجبرتم الناس والجماعات المسلحة على بيعة الدولة الإسلامية؟ بقوله:

" مشروع الدولة الإسلامية جديد على الأمة، وأحكامه تغيب على كثير من طلبة العلم فكيف بعوام الناس؟ فلا نلزم الناس ونجبرهم على أمور لا يفقهونها، ثم أن خيرهم يصب في هذا المشروع، وما ظنك بجندي جاء إلينا مكرهاً هل تثق به وبولائه ؟! هذا كذب لا يحتاج إلى رد" انتهى.

وهذا ما يعمد أتباع تنظيم (الدولة) إلى نشره والإعلان عنه لدفع التهمة عن الحديث عن الإجبار عن البيعة..

 

لكن!

هل حقيقة الأمر بهذه الصورة؟ سواء من ناحية علمية أو تطبيقية؟

لننظر في كامل حديث أبي حمزة المهاجر:

"مشروع الدولة الإسلامية جديد على الأمة، وأحكامه تغيب على كثير من طلبة العلم فكيف بعوام الناس؟ فلا نلزم الناس ونجبرهم على أمور لا يفقهونها، ثم أن خيرهم يصب في هذا المشروع، وما ظنك بجندي جاء إلينا مكرهاً هل تثق به وبولائه ؟! هذا كذب لا يحتاج إلى رد.

 كل ما فعلناه أن المناطق التي حررها جنود الدولة بدمائهم أرادوا أن ينظموا العمل فيها، فبعد أن حررنا المناطق كان الكثير يتسابق إليها ونجدهم فجأة فيها، فبعضهم يريد الظهور المسلح والتصوير، وبعضهم يريد أن يطلق الصواريخ على العدو من مناطق بها كثافة سكانية ويمكن من غيرها، وبعضهم يستغل الأمن والحماية لجلب أسرى ومفاداتهم، وبعض أنواع المفاداة نذهب إلى حرمته كالمرتد، فقمنا بتنظيم العمل داخل هذه المناطق مما أغضب البعض واعتبره نوعاً من إجباره على البيعة وهو ليس والله كذلك.

 ومثال على ذلك أن منطقة كنا نسيطر عليها أحضروا بها أسيراً يروه مرتداً ولا نراه كذلك، ثم اعترفوا بعدم ردته، وكنا نعلم أن العدو سوف يكثف العمل على هذه المنطقة ويعرض أهلها والجنود فيها إلى حملة نحن غير مستعدين لها، ومع أننا كنا نعلم مكان اعتقاله ذهبنا نسترضي تلك الجماعة بالحسنى وحتى لا يقولوا أننا نجبرهم، وعرضنا عل

يهم مبلغاً من المال مساعدة منا لهم رجاء إطلاق سراحه وعدم الدخول في أزمة، لكنهم رفضوا، فكانت النتيجة حملات متتالية على المنطقة قتل فيها خيرة رجالها من المجاهدين أكثر من ثلاثين مجاهداً من المهاجرين والأنصار، وفي النهاية تمت المفاداة، وكان الأسير قد تعرّف على المكان فأحضر العدو إليه واعتقل البقية الباقية من أهل الخير بما فيهم أفراد تلك الجماعة، وبعدها أراد خبثاء العشيرة أن يكونوا صحوة بعدما قتل واعتقل أهل الخير منهم، فهل كنا يا عباد الله آثمين لو تدخلنا بالقوة وأطلقنا سراحه، وكنا قادرين .

أما ادعاء البعض أن الغلبة والقوة كانت لهم في بعض تلك المناطق، فهل يُعقل أن يجبر الضعيف القوي؟ فلاشك أن الغلبة كانت لدولة الإسلام ورجالها مما يعطينا الحق الشرعي في تنظيم شؤونها وعدم العبث بمسيرة الجهاد فيها" انتهى.

وفي هذه الكلمة تظهر عدة أمور:

1- لم ينف المهاجر مشروعية الإجبار على البيعة، بل علق ذلك على عدم المناسبة لعدم العلم الشرعي:"جديد على الأمة، وأحكامه تغيب على كثير من طلبة العلم"، وعدم مناسبة للظروف في أقواله: "فلا نلزم الناس ونجبرهم على أمور لا يفقهونها" و"وما ظنك بجندي جاء إلينا مكرهاً هل تثق به وبولائه".

وهذا يعني: أن الإجبار على البيعة عندهم جائز شرعًا، وممكن واقعًا إن توفرت الظروف الملائمة لذلك.

فمن الذي يقرر تلك الظروف؟ ومتى يكون ذلك؟ وما حدود هذا الإجبار إن رفض الأفراد أو الجماعات هذا الإجبار؟ وهل ستعتبر الجماعات والمدن إن رفضت ذلك طوائف ممتنعة؟ وهل تكفر بذلك؟

وما ضابط العلم الذي إن وصل إليه نالناس وقامت به الحجة عليهم جاز إجبارهم؟

 

وعودة إلى المسألة الأولى: من لا يقبل البيعة هل يُقاتل؟ وهل يُقتل؟ وهل يحكم عليه بالردة لأنه سيكون مواليًا لمشاريع أخرى حكموا عليها بالكفر والردة؟

وهل من المعقول أن تستطيع جماعة صغيرة أن تفرض رأيها على عموم المسلمين؟ وهي التي تنوي التمدد لكافة الدول الإسلامية؟

وهل الرفض الذي واجهته في مقابل ذلك هو الذي أدى إلى حدتها وشدتها في الحكم على المخالفين؟ ومن ثم استهدافهم بالقتل والعمليات العسكرية؟

 

2- بل يظهر من خلال الكلمة هذه فحسب أنهم قد قاموا بتطبيق لوازم البيعة جبرًا، كقوله:

"كل ما فعلناه أن المناطق التي حررها جنود الدولة بدمائهم أرادوا أن ينظموا العمل فيها..." و"فهل يُعقل أن يجبر الضعيف القوي؟ فلاشك أن الغلبة كانت لدولة الإسلام ورجالها مما يعطينا الحق الشرعي في تنظيم شؤونها وعدم العبث بمسيرة الجهاد فيها".

أي أنهم إن أصبحوا أغلبية بالبيعة في منطقة ما فإنهم سيطبقون ما يرون بالإكراه والإجبار..

 

فهل هم أصلاً يعتدُّون بالكثرة؟ وما الكثرة التي يتعبرونها؟ أليست كثرة أتباعهم فقط؟

ألم يقل أبو محمد العدناني في كلمته (لن يضروكم إلا أذى): "ومما نُتَّهَمُ به ويُفترى علينا: أننا أعلنّا الدولة الإسلامية قبل أوانها، وافتأتنا على الأمة، ولم نشاورها، وأعلنّا دولة لا نملك مقوماتها، إلى آخر هذه القائمة من التهم...ثم ما كان لنا أن نشاور مِن الفصائل مَن يخالفنا المنهج والمشروع، ويعمل ضدنا في الخفاء والعلن، أو مَن يجتمع متآمراً مع المخابرات علينا، بل ويوقّع على قتالنا .." انتهى.

 

3- إذا أضفنا لذلك عبارات مثل:

- الحكم على الجماعت الجهادية أنها عاصية لعدم مبايعتهم، قال أبو عمر البغدادي في كلمته بعنوان: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي):

"الثالث عشر: نرى أن أبناء الجماعاتالجهادية العاملين في الساحة إخوة لنا في الدين ، ولا نرميهم بكفر ولافجور، إلا أنهم عصاة لتخلفهم عن واجب العصر وهو الاجتماع تحت راية واحدة" انتهى.

وما سبق من الإشارة إليه في حصر الحق في جماعتهم، يتبيَّن أنَّ الأصل عند تنظيم (الدولة) هو الإجبار على البيعة، ومقاتلة من يرفض ذلك، لكن قد يتركون هذا الإجبار في مكان أو زمانٍ معين لعدم قدرتهم على ذلك.

وهذا ما جاء في نص كلام العدناني في كلمته (لن يضركم إلا أذى): " بل إن سياسة الدولة الإسلامية في العراق والشام في هذه المرحلة: هي نصرة المظلومين، ودفع العدو الصائل، والكف عمن كف عنها" انتهى.

أي أنَّ هناك مرحلة بعدها، فما هي؟

 

ويظهر الاضطراب والتناقض في التأصيل حتى في الكلمة الواحدة!

فهذا أبو محمد العدناني يقول في كلمته (لن يضروكم إلا اذى):

"ومن أعظم وأقبح ما يُفتَرى علينا ونُتَّهَمُ به : أن الدولة تجبر الناس على بيعتها ، وتزعم أنها حصراً الطائفة المنصورة ، والأقبح من ذلك: أنها تعتبر من يخالفها الرأيَ مِنَ الجماعاتِ وَالفصائلِ أو مَن يأبى مبايعتَها أو لا يرى المصلحة في وجودها : أنه أصبحَ مِنَ الأعداءِ ومن الصحوات ... حلالَ الدم ، ولا بد من التعامل معه بطريقة التعامل مع الصحوات ، نعوذ بالله من هذه الافتراءات ! ، أو أن نعادي أية جماعة أو فئة أو كتيبة : لمجرد أنها تخالفنا الرأي ، أو لمجرد أنها تأبى مبايعة الدولة ... بل إن سياسة الدولة الإسلامية في العراق والشام في هذه المرحلة : هي نصرة المظلومين ، ودفع العدو الصائل ، والكف عمن كف عنها". 

ثم لا يلبث أن يقول بعدها بكلمات:

"ومن هنا .. نتوجه إلى جميع الفصائل المسلمة المجاهدة الساعية لتحكيم شرع الله، إلى كل المجاهدين الصادقين المخلصين العاملين لله: ندعوكم قادة وجنوداً، جماعات وأفراداً: أن تسرعوا بالالتحاق بمشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ فإن المشروع مشروعكم، وإن مجيئكم أتقى لربكم وأقوى لجهادكم وأغيظ لعدوكم، قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، هلموا فإنا لا نشك أبداً أنه مَن كان منكم فيه خير: فسيأتي الله به ولو بعد حين، وتفكروا بمن يلتحق بصفوف الدولة كل يوم جماعات وفرادى: أليسوا هم من خيار الفصائل وخِيار إخوانكم؟ 

وختاماً: ندعو أهل السنة عامة .. وأهل العراق خاصة : للالتحاق بصفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام .." انتهى.

فما معنى نفي ادعاء العصمة وصحة المنهج، ثم تقرير أن من أراد تحكيم شرع الله فعليه أن يلتحق بتنظيم (الدولة)؟ وأن مبايعة (الدولة) أتقى لله تعالى؟ وأن من كان به خير سيلتحق بهم؟ وأنه لا يلتحق بهم إلا خيار الناس؟

وما معنى نفي الإجبار على البيعة مع إلباس منهج (الدولة) هذا اللبوس من الثناء على المنهج، والإلحاح على الجميع مجاهدين وعامة الناس على البيعة؟

مع ما سبق من الحكم على جميع المشاريع الأخرى بالضلال والكفر؟

 

*            *             *

 

الخلاصة:

من كل ما سبق يتضح أنَّ هناك اعتقادات وأفكار تأصلت وهي مخالفة للدليل الشرعي، بل والحكمة في التعامل، بالإضافة إلى عدم الصدق والوضوح فيها..

فهل هذا من الشرع في شيء؟ وهل هكذا تبنى التنظيمات فضلاً عن الدول؟ وهل يتوقعون الاستمرار في هذا المشروع المليء بالمخالفات الشرعية والظلم للناس والتعدي عليهم، ومخالفة كل ما هو معقول ومنطقي؟

إن هذا لعجب!

 

*            *             *

 

ولا يفوتني في هذا المقام الإشارة إلى أنني لم أتناول قضية البيعة على الخلافة أو البيعة العامة بالرد أو المناقشة الشرعية، فليس هذا مجالها، وتحتاج لإفراد في بحوث شرعية خاصة.

وقد كفاني مؤونتها عامة أهل العلم ببيان بطلانها وعدم صحتها.

ولعل من أشهرها كتيبات الشيخ أبو الليث الأنصاري: تَبْيِينُ الزَّيف والجَهْل وإظهـارُ العَـوَار فِيْ كُتَيّب (بَيْعـة الأَمْصَـار للإِمَـام المُخْتـار)، و الرَّدُ على المُنَادِي بِمَدِ الأَيادِي لِبَيعَةِ البَغدَادِي وبَيانِ مُخالَفَتِهِ لِشَرعِنا الهادِي..

وما معه من ردود.

مع عدم الالتزام بكل ما ذكره الشيخ في قضايا لا يُسلم له بها، كالبيعة لتنظيم القاعدة والظواهري ونحوها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 15) 23%
لا (صوتأ 46) 70%
ربما (صوتأ 5) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 66