الجمعة 28 رمضان 1438 هـ الموافق 23 يونيو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
تغييرات جذرية لبنانية بعد المرحلة السورية الجديدة
الكاتب : وائل نجم
الاثنين 23 أبريل 2012 م
عدد الزيارات : 722

حالة من الركود السياسي المزمن والمراوحة في المواقف السياسية الرسمية والشعبية تطبع الحياة في لبنان بانتظار ما يمكن أن يتمخض عنه الوضع السوري بعد "الثورة" التي اندلعت في سوريا منذ أكثر من ثلاثة عشر شهرًا، وقد عبّرت سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة كموقف رسمي للبنان من هذا الوضع خير تعبير عن حالتي الركود والمراوحة تلك، وقد كان في هذه السياسة مصلحة واضحة لكل الأطراف الداخلية وحتى للنظام السوري، باعتبار أن الجميع في الداخل كان وما زال ينتظر ما يمكن أن يحصل في سوريا، وباعتبار أن النظام السوري كان وما زال يدرك أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان بالنسبة للحكومة اللبنانية التي أنتجها في وقت من الأوقات، وهو لا يريد منها أكثر من أن تكون منفذًا اقتصاديًا يجنبه الحصار الاقتصادي، ومتنفسًا دبلوماسيًا يجنبه الحصار الدبلوماسي، وقوة على الأرض تضمن الحد الأدنى الذي يحول دون انفجار الأمور في الداخل اللبناني، ويحوّل لبنان إلى ساحة ملتهبة بوجه النظام السوري على غرار المدن السورية الثائرة كحمص وحماه ودرعا وغيرها.


في حين أن القوى السياسية الداخلية اللبنانية ظلت طيلة الفترة الماضية تنتظر ما يمكن أن تتمخض عنه "الثورة" لتبني على الشيء مقتضاه، وبهذا الاعتبار مرّت الفترة السابقة على هذه الصورة النمطية التي جنّبت لبنان الانزلاق نحو المجهول، ولكن مع إدراك الجميع أن سياسة الانتظار لمعرفة نتائج "الحراك السوري" هي التي فرضت سياسة النأي بالنفس، وليس أي شيء آخر، وبالتالي فإن ظهور أي نتائج سلبية أو إيجابية لهذا الحراك بأي اعتبار أو بأي اتجاه قد يعني بداية تحوّل في الموقف على مستوى النأي بالنفس رسميًا وشعبيًا وسياسيًا.
واقع جديد في سوريا:
الواضح أن الوضع في سوريا بدأ ينحو منحًى جديدًا مع قبول النظام السوري لخطة المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية "كوفي أنان"، ففريق المراقبين الدوليين التابعين لـ "أنان" وصلوا إلى دمشق وبدؤوا مهامهم لتثبيت وقف إطلاق النار الذي وصف بالهش، والتثبت من تطبيق البنود الستة الأخرى من الخطة، والتي سيكون من نتائجها الانتقال السلمي للسلطة في البلاد من النظام الحاكم إلى نظام تعددي تداولي يتيح الفرصة لكل أبناء الشعب السوري، بالمشاركة في إدارة البلاد وفقًا لما هو معد في خطة "أنان"، وقد جاءت موافقة النظام على هذه الخطة بعد ضغوط روسية صينية، وجدية من الأطراف الداعمة للمعارضة بتبني خيار مختلف من خلال التعهد بدعم المعارضة السورية و"الجيش السوري الحر" بالمال والسلاح في حال فشل خطة "أنان"، وتوجه حقيقي لدى هذه الدول لدعم قيام منطقة آمنة وعازلة في شمال البلاد تشكل نواة حقيقية لانهيار النظام السوري تدريجيًا.
وقد قبل النظام في سوريا الخطة كي لا يقع في فخ هذه الضغوطات الجديدة، وعلى أمل أن يكون عامل الوقت هو المساهم الأساسي في تخطي هذه المرحلة الجديدة من المواجهة مع الشعب في الداخل، والمواجهة مع المجتمع الدولي في الخارج.
وأمام هذا الوضع الجديد، حيث وصلت طلائع المراقبين إلى سوريا، وأمام الضغوط الجديدة والهائلة التي ستمارس من أجل تنفيذ الخطة الأممية، أو اللجوء إلى خيارات عسكرية، بدأت مرحلة جديدة متصلة بالوضع السوري عند كل الأطراف المعنية، لاسيما عند النظام والمعارضة، وهو ما سيكون له انعكاس على لبنان بكل تأكيد.
انعكاس الواقع الجديد على لبنان:
لقد نقلت بعض القيادات التي التقت الرئيس السوري، بشار الأسد، قبل أيام، أن تغييرات جذرية وكبيرة ستشهدها سوريا ولبنان في الأسابيع المقبلة، من دون أن يتم الإفصاح عن طبيعة هذه التغييرات، وإن كانت بعض المصادر أشارت إلى إمكانية تشكيل الأسد لحكومة وحدة وطنية في سوريا تضم رموزًا وشخصيات من معارضة الداخل المتمثلة بشكل أساسي بـ "هيئة التنسيق الوطنية"، وقد جرى الحديث عن إسناد رئاسة الحكومة المقبلة للمعارض هيثم منّاع، وهو رئيس هيئة التنسيق، وأوضحت أن هذه الخطوة ستلي الانتخابات التشريعية التي دعا الأسد لإجرائها في السابع من أيار المقبل.
وإذا كان هذا مفهومًا في سوريا، بحيث أنه قد يأتي في سياق التهرب من الضغوط الدولية، وإعطاء الانطباع بالانفتاح على الحل السياسي، وإعطاء مسحة جدية للإصلاحات التي كان قد بدأها بعد "الثورة"، فإن الأمر يعني أيضًا كسب المزيد من الوقت لاستكمال الحل الأمني العسكري تحت عنوان مكافحة "المجموعات الإرهابية المسلحة"، وبذلك يكون النظام قد حاول إنقاذ نفسه بهذه الطريقة.
إلا أن الشيء غير المفهوم هو كيف يمكن أن تجري التغيرات الجذرية في الساحة اللبنانية بعد الحديث المنسوب للأسد؟
حكومة مواجهة:
بدا واضحًا خلال الأيام والأسابيع الأخيرة الحملة المنظمة على رئيسي الحكومة نجيب ميقاتي والجمهورية ميشال سليمان، كما بدا واضحًا أن هناك محاولات لتهيئة الجو من أجل إحداث تغيير معين في البلد. فرئيس الحكومة الذي تمتع بمزيد من "الغنج" عند الفريق الحليف للنظام السوري لاعتبارات عديدة في المرحلة الماضية، يبدو أنه بات في مرمى نار هذا الفريق بعد المواقف التي اتخذها في الآونة الأخيرة والتي ظهر فيها أكثر قربًا من خيارات الشعب السوري منه من النظام، ورئيس الجمهورية كذلك، ويبدو أن مقتضيات المرحلة الجديدة التي تحمل مزيدًا من الجدية في التعاطي الدولي مع الوضع السوري، ستفرض نقل هذا التوتر إلى أماكن جديدة وأخرى، ومنها لبنان، وقد يأتي في هذا السياق الحملة على رئيس الحكومة من أجل فرض حكومة مواجهة في لبنان، خاصة إذا استمعنا إلى بعض تصريحات حلفاء سوريا (رفعت عيد) تحذر من أن بداية سقوط النظام في سوريا ستجعل لبنان ملتهبًا وسيخسر الجميع فيه. بهذا الاعتبار يبرز السؤال المنطقي البديهي: كيف سيتم تشكيل حكومة مواجهة في مثل هذه الظروف التي يعيشها لبنان في ظل موازين قوى سياسية تجعل الفارق بين الكتلتين النيابيتين المنقسمتين بسيطًا جدًا؟
في المرة الماضية عندما فقدت القوى التي خاضت الانتخابات مع بعضها (14 آذار) أكثريتها النيابية كان العامل الرئيسي لذلك طيف السلاح الذي ظهر ذات يوم في أكثر من مكان، وكان له الدور الأساسي والوحيد ربما بتغيير المعادلة، فهل هذا الطيف أو ربما هذا السلاح سيكون حاضرًا هذه المرة أيضًا من أجل تغيير المعادلة التي تبدو هذه المرة أكثر صعوبة وتعقيدًا؟ أم أن كل الحديث عن التغييرات الجذرية وغير الجذرية لا يندرج إلا في إطار الابتزاز لتحصيل المزيد من المكاسب، وكجزء من المعركة الإعلامية ليس إلا؟
ما يثير القلق أن بعض الوسائل الإعلامية نقلت خبرًا مفاده أن نائبًا بارزًا في الجمعية الوطنية الفرنسية دعا مؤخرًا إلى تسليح فريق 14 آذار في لبنان على غرار الدعوة إلى تسليح "الجيش السوري الحر" بالنظر إلى اعتبار المعركة واحدة، فهل هناك ما يقلق الخارج من محاولات داخلية لإحداث انقلاب في التوازنات الداخلية كجزء من معركة تخفيف الضغط عن نظام دمشق؟
كل الأمل أن يكون كل هذا الحديث عن تغييرات وغيرها ليس سوى محاولات لرفع المعنويات المنهارة هنا أو هناك، أو لتحقيق بعض الأغراض العابرة التي لا تقدم أي مصلحة للداخل اللبناني، وعلى أمل أيضًا أن يكون الداخل اللبناني قد اتعظ من كل ما جرى، حتى لا يصار إلى جر لبنان إلى حيث لا مصلحة له فيه، وقد بدا أن معظم القيادات أظهرت نوعًا كبيرًا من الوعي الذي حافظ على الاستقرار إلى هذا الحين، ونأمل أن تستمر في ذلك، لأن منطق الأمور تغير كليًا، وأي مغامرة قد تجعل صاحبها يدفع الثمن مرتين، فالتوازنات باتت أكثر دقة وتعقيدًا، وما كان متاحًا بالأمس بالنسبة للبعض، بات ثمنه كبيرًا اليوم، ويبقى الوعي ومنطق الحكمة في مقاربة الأمور هو الأساس لتجاوز المرحلة بأقل التكاليف.

المصدر: الإسلام اليوم

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 24) 27%
لا (صوتأ 60) 67%
ربما (صوتأ 6) 7%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 90