الخميس 1 محرّم 1439 هـ الموافق 21 سبتمبر 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
أنقرة في ورطة إدلب وضجيج شمال سورية
الكاتب : سمير صالحة
الجمعة 25 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 560

يؤكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن ما يجري في شمال سورية هو أبعد من مسألة مواجهة التنظيمات الإرهابية والحرب على داعش، "لذلك نحن ملزمون بتوسيع نطاق العمليات العسكرية التركية هناك، لغمس خنجر في قلب الإرهاب". تحارب أنقرة، منذ سنوات، تنظيمات إرهابية عديدة، في مقدمتها حزب العمال الكردستاني في تركيا، ونسخته طبق الأصل حزب الاتحاد الديمقراطي، ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وها هي اليوم وجها لوجه مع مجموعات جبهة النصرة.

مشكلة تركيا هي ليست فقط في تنافس هذه المجموعات للسيطرة على مناطق حدودها الجنوبية، بل تعرّضها الدائم لاتهاماتٍ يوجهها الحلفاء أحيانا بشأن وجود علاقة تربطها ببعض هذه التنظيمات، كما فعلت واشنطن، عندما تحدثت مطولا عن خدماتٍ تركيةٍ قدمت لتنظيم داعش. وها هي اليوم تكرّر الأمر نفسه في موضوع جبهة النصرة في إدلب. تردد القيادة السياسية التركية أن هدف تهم من هذا النوع إضعاف الموقف التركي في سورية ومحاصرتها لإخراجها من المعادلة هناك، لذلك هي تصر على عملية عسكرية جديدة في الممر الرابط بين منبج وعفرين والتمدد حتى شمال إدلب، إذا ما وجدت ضرورةً في ذلك، لسحب ورقة جبهة النصرة من يد واشنطن.


تتخبط السياسة التركية السورية منذ أشهر وسط إعصار شمال سورية. من نصب لأنقرة هذا الفخ، وكيف نجح في إبعادها عن نقاشات التغيير في سورية ومستقبل النظام في دمشق، وما هي حظوظها في الخروج من المستنقع بأقل الخسائر والأضرار؟ هل ستسمح تركيا للولايات المتحدة الأميركية بتسليم شمال إدلب لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، كما فعلت في الرقة خلال عمليات طرد "داعش". ولكن بذريعة القضاء على جبهة النصرة هناك هذه المرة؟
كيف ستكون ارتدادات ذلك على مسار عملية "درع الفرات" ومستقبلها، ومطلب تطهير مناطق غرب النهر، وتحديدا منبج من وجود وحدات قوات سورية الديمقراطية التابعة لحزب الاتحادي الديمقراطي (الكردي) بزعامة صالح مسلم؟ هل أضرمت تركيا النار في سفن العودة، وباتت جاهزة لمغامرة عسكرية أكبر في منبج وعفرين وإدلب، وهي تعرف أن ثمنها هو توتير علاقاتها أكثر فأكثر مع واشنطن، والسقوط في فخ احتمال وجود التفاهم الأميركي الروسي على حسابها؟ هل قوات الجيش السوري الحر والمعارضة السورية المعتدلة جاهزة عسكريا لدعم تركيا في خطوةٍ مصيريةٍ من هذا النوع، وإتمامها ميدانيا بنجاح؟
تصر أنقرة على وجود خطة تستهدف أمنها القومي مباشرة، عبر محاولة إنشاء كيان كردي في شمال سورية، يجمع بين مناطق الحدود العراقية والواجهة الشمالية الغربية في سورية، ويتضمن فتح نافذة كردية تطل على البحر الأبيض المتوسط. وتعتبر أيضا أن واشنطن نجحت في تعطيل آخر تفاهمات لقاء أستانة الثلاثي الذي دعا إلى إنشاء منطقة تخفيض التوتر في إدلب، بفتح الطريق أمام بناء قوة محلية جديدة هناك، بإشراف جبهة النصرة وحلفائها المحليين، ورفع شعار ضرورة القضاء على هذا التنظيم الإرهابي، قبل طرح أية خطة أمنية في المدينة.


وقد رفضت الولايات المتحدة إدراج حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على لائحة التنظيمات الإرهابية التي أعلنتها تركيا، وقررت تجميد دعم قوى المعارضة السورية المعتدلة، وتمسّكت بإرسال شحنات السلاح والعتاد إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي). وحملت الإدارة الأميركية أنقرة مسؤولية الكشف عن خريطة وجود قواعدها العسكرية السرية وانتشارها في سورية. ثم قطعت واشنطن طريق تقدم القوات التركية وتمددها في منبج وعفرين، وعمدت إلى تجميد تفاهمات أستانة الثلاثية عبر اتفاقيات بديلة مع روسيا في أكثر من بقعة جغرافية سورية، وتراجعت فرص خطة منطقة تخفيض التوتر في إدلب وحظوظها، وهذه كلها مؤشراتٌ تعكس حقيقة الجفاء والتباعد واحتمالات القطيعة التركية الأميركية في سورية. كما أن واشنطن تحاول إلهاء أنقرة على أكثر من جبهة داخلية وخارجية، فهل بين أسباب التوتر الخليجي الخليجي محاولة إشعال أزمة إقليمية تشغل تركيا وإيران مثلا، وتبعدهما عن ساحة العمليات السياسية والعسكرية الأميركية في سورية؟ وهل تحريك مجموعات جبهة النصرة في إدلب رسالة إلى تركيا، قبل غيرها، أنها ملزمة أولا بتجاوز هذا العائق، بعد تخليها عن الالتزام بما أرادته واشنطن في الرقة ومحيطها؟ ثم هل الضغوط المحلية والإقليمية والدولية التي تتعرّض لها المعارضة السورية، بهدف إعادة سورية الثورة إلى المربع الأول قبل ست سنوات، وقبول تفاهم لا غالب ولا مغلوب، تعني أن المنهزم الوحيد في الثورة السورية هو تركيا، ومن راهن عليها، وأن الثمن الأقل الواجب دفعه هو قبول مشروع تقسيم سورية إلى كيانات وكانتونات عرقية ومذهبية؟


تراهن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا على رفض غالبية الشعب السوري، وحتى نظام الأسد نفسه، خطط ما يسمى المجلس التأسيسي للنظام الفيدرالي، ودعوات إلى إجراء استفتاءات وانتخابات فيدرالية، تمهد لتقسيمات إدارية وتنظيمية جديدة في سورية فاقدة للشرعية، وجاءت عن طريق لعب ورقة الأمر الواقع، في تغييب متعمّد للشعب ومؤسّساته، وتقول إن السوريين تعلموا الدرس العراقي، لكن ذلك وكما يبدو لن يكفيها.
على أية جبهة سورية ستحارب تركيا؟ في منبج أولا، وبهدف إنجاز عملية درع الفرات أم في عفرين، في إطار خطة سيف الفرات، ومنع دمج الكانتونات الكردية بعضها ببعض، وهي الخطة البديلة التي دفعت أنقرة إلى التحرك في إطار "سيف الفرات"، أم ستقرّر التمدد والانتشار عسكريا نحو إدلب بالتنسيق مع الروس، لسحب ورقة جبهة النصرة من يد واشنطن، وحليفها المحلي صالح مسلم؟
لا أحد في تركيا يريد مغامرة عسكرية من هذا النوع، من دون التنسيق مع موسكو على الأقل. لكن هناك من يردد أيضا أن ما ستفعله أنقرة إذا ما شعرت بأن التفاهمات الأميركية الروسية في شمال سورية تتقدم على حسابها هو التحرك باتجاه إيران، على الرغم من معرفتها بخطورة لعب هذه الورقة، ولأن طهران ستحاول حتما المساومة على حصة النظام، وإشراكه في عمليةٍ من هذا النوع.


قد ترضى تركيا بخطة مساوماتٍ تبعد شبح الكيان الكردي المستقل عن حدودها الجنوبية، وتفتح الطريق أمام تسويةٍ سياسيةٍ تنهي الأزمة السورية التي تحمّلت أعباءها سنوات. لكن ما ستقوله وتفعله إيران مهم أيضا، عندما تتأكد أن مشروعا من هذا النوع يستهدف مصالحها ونفوذها.
لماذا الحديث اليوم عن احتمال حدوث تفاهمات تركية إيرانية جديدة في سورية؟ وهل قبول رئيس الأركان الإيراني دعوة نظيره التركي لبحث تحسين العلاقات العسكرية والأمنية، بعد 28 عاما من التأخر، رسالة إقليمية حول احتمال انبعاث الدخان الأبيض التركي الإيراني من مقر قيادة الأركان التركية في أنقرة؟
في العلن، سلحت أميركا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بذريعة الرقة، لكنها في الخفاء هي تريده أن يكون جاهزا لخوض معركة وجود في شمال إدلب، هذه المرة، للدفاع عن مشروع الكيان الكردي الموحد في شمال سورية. جبهة النصرة هي التي ستتعاون معها لإنجاح المخطط، هذه المرة، تماما كما فعلت "داعش" في الرقة. لا غرابة في أن يغير حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي اسمه بين ليلةٍ وضحاها، فيضيف غطاء القوات الديمقراطية، وأن تتحول جبهة النصرة إلى هيئة لتحرير الشام. الغرابة هي في أن لا نرى التنظيمين يدخلان في أي تصعيد عسكري أو سياسي ضد بعضهما، وأن يتجاهلا طريق الشام في حراكهما.


قصة الأسد والثعلب والحمار معروفة، لكن التذكير بها ضروري هنا. دخل الحمار والثعلب في نقاش حاد حول لون العشب، فقال الأول إنه بنّي، بينما أصر الثاني على أنه أخضر. تطوّر النقاش، وكاد يتحول إلى شجارٍ، دفعهما إلى الاحتكام أمام ملك الغابة الذي أعلن، من دون تردّد، أن الحمار على حق، وأمر بمعاقبة الثعلب. غضب الأخير من قرار الأسد، واعترض متسائلا كيف يعاقبه على ذلك، وهو يعرف جيدا أنه ليس مخطئا، فرد الأسد ساخرا: أنا لا أعاقبك على مسألة لون العشب، فهو أخضر طبعا، بل لأنك قبلت الدخول في نقاشٍ من هذا النوع مع الحمار.
تحاول واشنطن، بكل الطرق، ترك تركيا بين خيارين، أحلاهما مر في سورية: توريطها أكثر فأكثر في المستنقع السوري، أو إجبارها على الخروج من المشهد بملء إرادتها، بسبب حجم التهديدات والمخاطر. تقول أنقرة بصوت مرتفع إنها لن ترضخ. لن يراهن الخبراء الأتراك حتما على الفرج القادم من الحرب في شبه الجزيرة الكورية، أو التوتر الهندي الصيني.

 

العربي الجديد

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 52) 31%
لا (صوتأ 100) 60%
ربما (صوتأ 14) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 166