الأربعاء 29 ذو الحجة 1438 هـ الموافق 20 سبتمبر 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
مشروع رؤية لإنقاذ محافظة إدلب
الاثنين 21 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 213

كانت محافظة إدلب أولى المحافظات السورية التي تحررت بالكامل من نير الأسد منذ سنتين ونيف، وقد يكون مقدرا لهذه المحافظة المنسية أن تتحول إلى محافظة ينظر إليها العالم ويتردد اسمها في وكالات الأنباء بعد أن رسمت لها صورة سوداء بأنها أصبحت المعقل الرئيسي لتنظيم القاعدة، وتواردت التصريحات غربية وروسية ملمّحة لمصير أسود ينتظرها على غرارالموصل أو الرقة رغم اختلاف الحالة.
تقع هذه المحافظة شمال غرب سوريا وتحاذي الحدود التركية، وتعادل مساحتها نصف مساحة لبنان، وهي تحوي ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة نصفهم من الوافدين إليها.
كان يوليو/تموز الماضي تاريخا مفصليا في حياة المحافظة عندما سيطرت جبهة تحرير الشام -المعروفة بتنظيمها وتسليحها الجيد- على معظم مقار أحرار الشام، إضافة لسيطرتها على الحدود معتركيا في كافة نقاط التماس، لتصبح "الجبهةُ" القوةَ الأولى في المحافظة بلا منازع.


الوضع الجديد سبّب انقساما في تكوينات المعارضة بشأن التعامل مع هذه المستجدات والسيناريوهات القادمة؛ فهنالك من يدعو إلى البحث عن حلول ليست عسكرية لهذا الوضع الجديد.
ومنهم من ينفخ تحت النار ويدعو لحصار محافظة إدلب، ويطلب التدخل الغربي أو الروسي لضرب جبهة تحرير الشام، وليس لديه مانع من أن يستهدف معها البشر والحجر. ومن المفارقة أن أصحاب هذا التيار يتوزعون على تيارات متضادّة (علمانية وإسلامية).
أيضا لا يجرؤ كثيرون على البحث عن مخرج للأزمة الحالية وتداعياتها المستقبلية، حتى لا يصنف بأنه متعاطف مع جبهة تحرير الشام وليس مع شعبه الموعود بالموت والدمار.
ويسعى هذا المقال لإيجاد رؤية مختلفة في التعامل مع مستجدات الأوضاع الحالية بإدلب، حيث سنستعرض في البداية السيناريوهات المتوقعة للمحافظة في ظل التحولات الكبيرة التي حدثت في يوليو/تموز الماضي، ومن ثم نطرح رؤيتنا للحل.


أولا: إدلب والسيناريوهات المتوقعة:
سننطلق في تصنيف السيناريوهات المتوقعة وفق رؤية سياسية تنطلق من حدوث تغييرات كبيرة مؤخرا على خريطة اللاعبين في الساحة السورية، بحيث أصبح اللاعبان الرئيسيان بها هما الولايات المتحدة وروسيا، وهناك تهديدات من كليهما باستهداف محافظة إدلب.
أ- السيناريو الروسي: من المتوقع أن يتم السيناريو الروسي تحت غطاء دولي بحجة مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة، وربما تحصل روسيا على قرار من مجلس الأمن يعطيها الشرعية في هجومها على إدلب، ولكن من الممكن الاستغناء عن ذلك. وقد ألمحت روسيا إلى هذا السيناريو عبر تصريحات لمسؤوليها.
ومن المتوقع أن يعتمد هذا الهجوم -إن وقع- على "غارات إستراتيجية " بالطيران والصواريخ، ستستهدف مقار جبهة تحرير الشام باعتبار أن الاستهداف سيحدث في مناطق آهلة بالسكان، وستكون الأبنية والمستشفيات والأسواق وسكان تلك المناطق هدفا إضافيا لإعادة الوضع الكارثي إلى ما قبل الهدنة، حين هدمت الطائرات الروسية والنظام مدنا وقرى بكاملها على رؤوس ساكنيها.
وسيكون الهدف الرئيس في تلك الخطة هو حصر فصائل المعارضة بمنطقة محدودة المساحة، ثم إجبارها على المصالحة ورفع الراية البيضاء، وسيُعطى للبقية الباقية من المعارضة نوع من السلطة على تلك المساحة ليتم تحويل الكتلة البشرية للمعارضة من عدوٍّ يواجه النظام إلى مجالس مدنية وأدوات شرطية، تعمل بمبدأ الحماية مقابل السلطة.
وبهذا يكون النظام قد أزال خطر المعارضة وحال دون أن تستجمع قواها مستقبلا، وتعاود الهجوم على جبهات الساحل وحماة وما تضمه من قرى موالية للنظام.
ويمكن أن يتم -في فترة لاحقة- تطبيق مرحلة محافظة إدلب -وهي الوحيدة تقريبا الباقية من المناطق المحررة- من اتفاق خفض التصعيد، بحيث يتم وضع قوات فصل روسية وتركية على الحدود بين مناطق المعارضة والنظام، وقوات لحماية الحدود التركية.
إن هذا الوضع سيعطي طمأنة للجانب التركي بأن مصالح دولته في أمنها الإستراتيجي قد تم حفظها، عبر ضبط حدوده وعدم دخول المليشيات الكردية إلى محافظة إدلب. ومن المؤكد أن تركيا لن تكون مرتاحة لهذا السيناريو، إلا أن خياراتها ستكون مبنية على مبدأ أقل الضررين، لكن هذا الخيار -وإن اشتركت فيه تركيا مجبرة- ربما يؤدي إلى خلق شرخ في العلاقة بين تركيا والحاضنة الشعبية للثورة السورية.
ب- السيناريو الأميركي الكردي:
ستخوض الولايات المتحدة معركتها في إدلب تحت شعار محاربة الإرهاب، لكنها في الحقيقة ستستكمل سياستها الرامية لإنهاء ما تبقى من الثورة السورية، وهي الأخيرة في ثورات الربيع العربي.
يقوم السيناريو على تصعيد الضربات الجوية الأميركية على نقاط محددة يتم رصدها حاليا، ثم يتبعها اقتحام المليشيات الكردية الانفصالية لمحافظة إدلب، في تماهٍ مع أطماع هذه المليشيات الكردية في التمدد إلى هذه المحافظة. وهذه الأطماع واضحة على خرائط ما يدعى منطقة غرب كردستان (روج آفا)، وتصريحات مسؤوليها.
ترفض تركيا هذا السيناريو وتعتبره تهديداً لأمنها القومي، لكن الأميركان سيستمرون في دعم المليشيات الكردية كما فعلوا في مناطق عدة من شمال سوريا، وأهمها في حاضرة المدن الشرقية الرقة.
سيشكل هذا السيناريو -إن حدث- ضربة قوية للأمن القومي التركي لأنه يؤدي إلى نشر المليشيات الكردية على جزء مهم من الحدود التركية مع سوريا، لتصبح تركيا دولة محاصرة ويتم إغراقها في صراعات طويلة الأمد مع الأكراد.
وهذا التخطيط الماكر لن يهدف إلى تجزئة سوريا فقط، بل وتركيا أيضا التي من الممكن أن يتم إجبارها لاحقا على الانسحاب من كافة المناطق التي دخلتها عبر عملية "درع الفرات".


ج- سيناريو الحصار والاستهداف: من المتوقع أن يكون هذا السيناريو هو الأقل عنفا قياسا بالخيارات العسكرية التي تم ذكرها، حيث سيتم الأخذ بعين الاعتبار الضجة والمظاهرات والإدانات العالمية للقصف والمجازر التي رافقت قصف حلب، والتي من المتوقع أن تتكرر في حال العمل بالخيارات السالفة.
يقوم هذا السيناريو على إبقاء الوضع على حاله دون تقدم لأي من اللاعبين على الأرض نحو محافظة إدلب، مع استمرار الاستنزاف الطويل لجبهة تحرير الشام. وستعتبر الدولتان (روسيا وأميركا) أن الجبهة هي وريثة جبهة النصرة، وأنها عدو لا يختلف التعامل معه عما جرى مع تنظيم الدولة.
ولذلك من المتوقع أن يتم احتواء الجبهة ناريّا على الأرض، عبر الطيران وأعمال التصفية والاغتيالات السريّة للقيادات، وهذا مماثل لسياسة إسرائيل في قطاع غزة من حيث اصطياد القيادات والناشطين الإسلاميين.
سيكون معبر باب الهوى وفق هذا السيناريو مشابها لمعبر رفح، وقد بدأ فعلا هذا الحصار بتقنين عبور البضائع من معبر باب الهوى، إضافة إلى تجميد العديد من المنظمات الغربية عملها في محافظة إدلب. وستحصل مشكلة كبرى إذا تم حظر وصول الوقود إلى المناطق المحررة، حيث ستصاب تلك المناطق بالشلل التام.


ثانيا: المشروع السوري/التركي المقترح:
يقوم هذا المشروع على تفكيك وإلغاء جبهة تحرير الشام، وذوبان عناصرها السوريين مع عناصر كافة الفصائل في جيش وطني موحَّد، يعمل بأهداف الثورة السورية. ويتم ذلك عبر مراحل تبدأ بمؤتمر عام يتمخض عن حكومة يأمر وزيرُ دفاعها بحلّ كافة الفصائل، بما فيها جبهة تحرير الشام.
إن اقتراح هذا الحل -في الحقيقة- ليس تضامنا مع الجبهة، بل هو محاولة لوقاية إدلب وأهلها وضيوفها المليون من سيناريوهات الموت والخراب القادمة، وهو موت إما جوعا أو بالصواريخ والأسلحة المدمرة. كما أن هذا المشروع خطوة استباقية تعمل على منع اقتحام قوات النظام لهذه المحافظة، وما يمكن أن يسببه هذا الاقتحام من مجازر واعتقالات.
مراحل المشروع:


أ- المرحلة الأولى: تتألف هذه المرحلة من:
1- الدعوة إلى مؤتمر وطني عام للمناطق المحررة، تُدعى له مؤسسات المجتمع المدني والقيادات السياسية المحترمة.
2- سيؤكد المؤتمر أن مشروعه هو المشروع الوطني الشامل، وأن الثورة السورية مستمرة حتى إسقاط نظام بشار الأسد الإرهابي ومحاكمة مجرميه، ورحيل كافة المليشيات الطائفية والقوات الأجنبية عن سوريا، وصولا إلى سوريا مستقلة وموحدة تكون لكل السوريين، إضافة إلى التمسك بالحل السياسي العادل وفق مقررات جينيف.
3- سيقر المؤتمر اعتماد دستور 1950 لسوريا القادمة، مع ملاحظة أن تتماشى سائر القوانين مع الإسلام وعدم تعارض أي تشريع مع القرآن والسنة النبوية، وسيقر أيضا اعتماد علم الاستقلال.
4- تنبثق عن هذا المؤتمر حكومة مدنية مستقلة تدير المناطق المحررة وتضم الوزارات المهمة، وأهمها وزارة الدفاع والداخلية والعدل والخدمات.
5- يأمر وزير الدفاع بحل كافة الفصائل العسكرية بعد أن تكون اللجان التحضيرية للمبادرة قد اتفقت معها على ذلك.
ويتم تشكيل جيش وطني يضم من يرغب في الانضمام إليه من عناصر الفصائل شرط أن يكونوا حصرا من السوريين، وتستبعد أي عناصر مطلوبة دوليا بتهمة الانتماء إلى تنظيمات تم تصنيفها بأنها إرهابية. وهذا الجيش يوجد خارج المناطق المأهولة.
سيعمل وزير الداخلية على تكوين جهاز شرطة لحفظ الأمن، وتعمل وزارة العدل على إقامة مؤسسات قضائية مستقلة يحكمها قضاة أكفاء، وتعتمد في أحكامها على القانون العربي الموحد.
6- تكريس مبدأ حماية السوريين بكافة معتقداتهم ما عدا المتورطين بجرائم ضد الشعب السوري.
7- يتم ترحيل حل مشكلة المجاهدين الأجانب إلى مرحلة لاحقة، بعد أن تكون الحكومة قد رسخت كيانها في المناطق المحررة.


ب- المرحلة الثانية:
تقوم الحكومة -التي تم تشكيلها- بطلب التدخل التركي المؤقت لتثبيت الوضع الحالي، ومنع أي سيناريوهات أخرى تخطط لاستهداف أو اقتحام محافظة إدلب، على أن تكون مهمة التدخل ضبط الوضع الأمني وتشكيل قوات فصل مع مناطق النظام، وفي هذا تماهٍ مع مقررات أستانا وتمهيد لمرحلة العبور نحو اتفاقات جنيف.
وهناك مرتكزات لا بد من ذكرها:
1- من الممكن أن يسحب هذا المشروع -إن تم إقراره- أي ذريعة لقصف وتدمير محافظة إدلب بحجة وجود جبهة تحرير الشام، بعد أن يكون قد تم تفكيكها وذوبان عناصرها وأغلبهم من السوريين.
وفي هذا مقاربة لعملية حل الجيش العراقي نفسه أثناء حربه مع الأميركان، حيث لم يبق للولايات المتحدة حينها من تحاربه. وسيمنع أيضا سيناريو الحصار والتجويع الذي يمكن أن يطبق على هذه المحافظة، وكذلك سيناريو اقتحامها من قبل النظام وحلفائه ومن المليشيات الكردية.
2- إن تشكيل قوة عسكرية وطنية واحدة متماسكة سيمكّن من التهديد بأي عمل عسكري ضد النظام، وهذا سيؤدي إلى تقوية موقف المفاوض لسوري في المفاوضات السياسية الحالية، الذي يطبعه الضعف لعدم وجود قوة عسكرية موحدة تدعم موقفه.
3- يعتمد المشروع على إعطاء دور حالي لتركيا الدولة المسلمة السنية والضامنة لأهل السنة في مواجهة السيل الصفوي. وسيحافظ على مصالحها الإستراتيجية، ويمنع سيناريو تدفق أمواج عشرات وربما مئات الآلاف من النازحين إلى الحدود التركية، طلبا للأمان وهربا من الموت بسبب القصف أو الاقتحام.
لقد قدمنا فيما سبق رؤيتنا بشأن السيناريوهات المتوقعة لمحافظة إدلب وما تحمله من مخاطر حقيقية على البشر والحجر، وكذلك رؤية الناشطين الذين تعاونوا في تقديم أفكار طيبة بهذا الخصوص، حيث يأمل الجميع أن يحل السلام في ربوع هذه المحافظة الخضراء.



الجزيرة نت

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 52) 31%
لا (صوتأ 100) 60%
ربما (صوتأ 14) 8%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 166