الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 20 أغسطس 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
تركيا والاتفاقات الأميركية الروسية في سورية
الكاتب : خورشيد دلي
السبت 5 أغسطس 2017 م
عدد الزيارات : 316

جاء الاتفاق الأميركي/الروسي لوقف إطلاق النار في جنوب غربسوريا تعبيرا عن مدى نفوذ البلدين في الأزمة السورية، وقدرتهما على فرض أجندتهما على الأطراف المحلية والإقليمية المنخرطة فيها.
وبقدر ما أثار هذا الاتفاق أسئلة عن إمكانية أن يشكل بداية لمرحلة جديدة من فصول الأزمة السورية المفتوحة؛ أثار أيضا أسئلة عن تأثير هذا الاتفاق على دور الدول الإقليمية ولا سيما تركيا وإيران، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاقات مماثلة تشمل المناطق الأخرى من سوريا.


بين الترحيب والتخوف
يمكن القول إن تركيا نظرت إيجابيا إلى الاتفاق الأميركي/الروسي بشأن وقف إطلاق النار في جنوب غرب سوريا، إذ رأت فيه مدخلا لإيجاد تفاهمات قد تؤسس لحل سياسي، وقبل ذلك جعل هذه المناطق آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الأهالي فيها.
وقد جاء بيان وزارة الخارجية التركية بهذا الشأن واضحا، إذ أعربت عن ترحيبها بالاتفاق عندما قالت "إن تركيا ترحب بالاتفاق الأميركي/الروسي الذي يهدف إلى تأسيس وقف شامل لإطلاق نار في سوريا، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين بطرق أكثر سهولة".
لكن هذا الترحيب سرعان ما تحول إلى خشية عندما بدأت الإدارة الأميركية تلمح إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق مماثل في شمال شرق سوريا أي المناطق الكردية، مقابل الحديث الروسي عن إقامة مثل هذه المنطقة في إدلب، وفي الحالتين ثمة خشية تركية.
ففي حالة إدلب تتعلق الخشية التركية بإطلاق أيدي النظام وحلفائه ضد الفصائل المسلحة باسم مكافحة الإرهاب مقابل تجريد الأخيرة من حق الهجوم، وفي حالة المناطق الشمالية الشرقية تخشى أنقرة بشكل أساسي من أن يؤدي مثل هذا الاتفاق إلى تكريس الكيان الكردي الناشئ على أرض الواقع.
وهو كيان مجاور للحدود التركية الجنوبية، وفي عداء مع تركيا التي تقول إن من يديره هو حزب العمال الكردستاني عبر حليفه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب، والخشية التركية هنا قد تصبح مضاعفة إذا ما أنتج هذا الاتفاق واقعا سياسيا قد يؤدي إلى اعتراف دولي بالكيان الكردي الناشئ.
مع أن الاتفاقات الحاصلة حتى الآن بين الجانبين الأميركي والروسي هي أمنية وعسكرية، لكن الاعتقاد بوجود جانب سياسي ينبع من الحديث الجاري في المطابخ السرية عن جهود الطرفين (روسيا وأميركا) لوضع أسس جديدة لتشكيل الدولة السورية على أساس فدرالي، عبر وضع دستور جديد للبلاد برعاية الأمم المتحدة.

وهو ما قد يشكل مسارا مصادما لمصالح الدول الإقليمية وسياساتها ليس تجاه الأزمة السورية فقط، وإنما تجاه الداخل في هذه الدول وأمنها القومي، بحكم أن مثل هذا النموذج الفدرالي قد يصبح مطلبا أو مسارا لحل المشكلات القومية التي ترى فيها الدول الإقليمية مدخلا لتقسيمها مستقبلا، ولا سيما في ظل الصعود الكردي بالمنطقة عشية عزم إقليم كردستان العراق إجراء استفتاء على الاستقلال. 

 
أبرز المخاوف التركية
من الواضح أن لدى تركيا جملة مخاوف من الاتفاقات الروسية/الأميركية بخصوص وقف إطلاق، ولعل من أبرز هذه المخاوف:
1- أن هذه الاتفاقات تجري من دون تركيا، وهو ما قد يكون على حساب مصالحها ودورها في الأزمة السورية بعد سنوات من الانخراط فيها، فضلا عن تداعيات هذه الأزمة على داخلها، حيث لجأ إليها قرابة ثلاثة ملايين لاجئ سوري وسط مخاطر أمنية محتملة.
2- أن الانفراد الأميركي/الروسي بوضع بنود هذه الاتفاقات يهمش الدور التركي ويضعه في موقع الاستنزاف الدائم، خاصة أن هذه الاتفاقات تجرد الفصائل المسلحة من حق الهجوم، وتُطلق أيدي النظام وحلفائه في الحرب على المجموعات المسلحة من بوابة الحرب على الإرهاب.
وهو ما يثبّت وضع النظام ويفتح له أبواب الانفتاح حتى الإدارة الأميركية سواء بشكل مباشر أو من خلال الحليف الروسي، ولا سيما في ظل تقدم القوات السورية باتجاه الحدود العراقية ووصولها إلى الحدود الإدارية للرقة، حيث المعركة الجارية ضدتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والحديث عن دير الزور كمعركة مقبلة.
3- أن من شأن الاتفاق الأميركي/الروسي التأثير سلبا على خطط تركيا العسكرية، إذ إن أي تحرك لها في هذا المجال سيبدو استهدافا لاتفاقات وقف إطلاق النار، كما أن التفاهم الروسي/الأميركي على هذا النحو يجعل الخيار العسكري التركي محفوفا بالمخاطر. ولعل هذا ما يفسر تراجع أنقرة عن العملية العسكرية في عفرين بعد أن حشدت لها القوات على الحدود وباشرت القصف المدفعي.
وفي ضوء ما سبق؛ فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا سيمنع تركيا من قصف المناطق الكردية، وهو ما سيقوي موقف الجانب الكردي على الأرض ويعزز وضع كيانه، بما يدفع تركيا إلى احتمال توسيع مناطق نفوذ عملية درع الفرات لإبقاء المشروع الكردي تحت السيطرة.
4- لا شك في أنه إذا نجحت الاتفاقات الأميركية/الروسية في فرض الأمن بمناطق الاشتباك والتوتر في سوريا، فإنها ستنعكس سلبا على مسار التقارب والتفاهم  الجارييْن بين روسيا وتركيا، إذ إن تفاهمات أستانا ستبدو ثانوية وغير ذات قيمة أمام الاتفاقات الروسية/الأميركية.
كما أن موسكو -التي استفادت من التقارب مع أنقرة بدفع الأخيرة إلى الانخراط في المسار السياسي لأستانا والابتعاد عن واشنطن إلى حد كبير- ستجد نفسها مندفعة إلى التعاون أكثر مع واشنطن، للبحث عن تسوية للأزمة السياسية بعيدا عن هواجس الدول الإقليمية.
وذلك في الوقت الذي كانت تعول فيه تركيا على الخلافات الأميركية/الروسية لاستدراج موسكو إلى جانبها في تنفيذ خططها لتحجيم النفوذ الكردي، بعد أن عجزت عن ذلك مع الولايات المتحدة. وهو ما يعني أن الاتفاقات الأميركية/الروسية ستنعكس سلبا على مسار التقارب الروسي/التركي بخصوص الأزمة السورية.


التفاهم الروسي الأميركي
لعل السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه هنا هو: ما المنتظر من الاتفاقات الأميركية/الروسية؟ وكيف سيكون تأثير ذلك على السياسة التركية؟
في الواقع، يمكن القول إنه في ظل التأكيد الأميركي/الروسي على أولوية محاربة التنظيمات المتشددة وتسوية الأزمة السورية من خلال حل سياسي؛ فإن مسار هذه الاتفاقات يتجه إلى تثبيت النظام السوري، وإعادة إنتاج شكل الدولة السورية عبر دستور جديد يجري صوغ معالمه من الطرفين، وإن كان ذلك يتم برعاية الأمم المتحدة.
ولعل ما سبق يضع السياسة التركية المتعلقة بالأزمة السورية في امتحان مع نفسها، بعد أن عجزت طوال السنوات الماضية عن انتهاج سياسة بعيدا عن موسكو وواشنطن، فرهانها السابق على تدخل عسكري أميركي للتخلص من النظام تحول إلى خيبة أمل وتوتر في العلاقات بين البلدين، كما أن رهانها على التقارب مع موسكو لدفع الأخيرة إلى التخلي عن النظام تلاشى رغم انقلاب أنقرة على مطلب إسقاط النظام بالقوة.


ولعل ما سبق يصعّب مهمة السياسة التركية، إذ يضعها أمام خيارين: الأول؛ التجاوب مع مقتضيات الاتفاق الأميركي/الروسي، وهو ما يعني الانكفاء عن الأزمة السورية ونسف سياستها السابقة بشأنها. والثاني؛ تفعيل الخيار العسكري لتوسيع المناطق الواقعة تحت سيطرتها، حيث يدور الحديث عن أن عملية درع الفرات لم تحقق كامل أهدافها. وهو ما يعني الاشتباك مع الإستراتيجية الأميركية في الشمال السوري، لا سيما في ظل مواصلة الإدارة الأميركية دعمها للكرد بالسلاح.
وفي هذا الإطار ينبغي النظر إلى دلالة كشف تركيا مؤخرا مواقع القواعد العسكرية الأميركية في شمال سوريا، إذ إن القناعة العامة التركية تقوم على أن السياسة الأميركية في شمال سوريا باتت تسير عكس المصالح التركية. ولا شك في أن الاتفاقات الأميركية/الروسية لوقف إطلاق النار -إذا ظلت تتجاهل الدور التركي- ستعقد الأمور على تركيا وحساباتها الخاصة بالأزمة السورية في المرحلة المقبلة.

 

الجزيرة نت

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 48) 33%
لا (صوتأ 88) 60%
ربما (صوتأ 10) 7%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 146