الأربعاء 29 رجب 1438 هـ الموافق 26 أبريل 2017 م
هل تؤيد اتفاقيات التهجير القسري مقابل إنقاذ الآلاف من المدنيين المحاصرين؟
سينتظر المُعَوِّلونَ على ترامب في سوريا طويلاً
الجمعة 7 أبريل 2017 م
عدد الزيارات : 137

عندما سئل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال لقائه العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، عمّا إذا كان سيقوم برد من نوع مختلف على مجزرة الغازات السامة التي ارتكبها نظام بشار الأسد في خان شيخون في ريف إدلب، كان جوابه: "سَتَرَوْن". وفي المؤتمر الصحافي، عقب اللقاء، يوم الأربعاء الماضي، تركّزت معظم الأسئلة الصحافية الموجهة إلى ترامب على طبيعة الرد الذي يمكن توقعه من إدارته على المجزرة التي أودت بحياة عشرات المدنيين وإصابة مئات، ووصفها هو نفسه بـأنها "فظيعة". وعبثاً حاول الصحافيون أن يحصلوا على جوابٍ واضح من ترامب الذي بقي يناور في الإجابة، من مثل أن المجزرة "لا يمكن التسامح معها"، وأنها "مدانة". ومع اشتداد ضغوط الصحافيين  عليه، بدأ ترامب يميل إلى التشدّد أكثر في نبرته نحو نظام الأسد، حيث قال إن الأخير "تجاوز خطوطاً عديدة"، وإن "موقفي تجاه سورية والأسد تغير كثيراً". ومع ذلك، بقيت حلقة إجابات ترامب مغلقة من دون جوهر، اللهم إلا من تحميله إدارة سلفه باراك أوباما مسؤولية "الفوضى التي ورثها"، وتأكيده فيما بعد أنه "صاحب المسؤولية" اليوم، من دون تحديد كيف سيمارس مسؤوليته، على أساس أن ذلك أمر "لا يمكن أن يخبرنا كيف سيقوم به".


يعود كلام ترامب الغامض عما ينوي فعله، إن كان لديه نية لفعل شيء، بالدرجة الأولى، إلى أن الرجل لا يملك رؤية ولا استراتيجية واضحة ومتماسكة في فضاء السياسة الخارجية، ومن ضمن ذلك منطقة الشرق الأوسط، فهذا رجل يقفز من موقف إلى آخر من دون منطق ولا إمكانية تفسير. فهو كان مؤيدا غزو العراق عام 2003 قبل أن يعارضه. وهو كان ضد "الخط الأحمر" الذي وضعه أوباما لنظام الأسد عام 2012 وحذّره فيه من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية. وكانت معارضة ترامب، حينها، "الخط الأحمر"، قائمة على أساس أن هذه ليست مسؤولية أميركا. ولكن، في مؤتمره الصحافي مع الملك عبدالله الثاني، عاب على أوباما إفقاده الولايات المتحدة مصداقيتها، عندما لم يضع "الخط الأحمر" موضع التنفيذ، في أغسطس/ آب 2013، بعد مقتل أكثر من 1400 سوري مدني في الغوطة الشرقية بغاز السارين في هجوم للنظام.. وقس على ذلك.


المشكلة الأكبر أن الغموض لا يلف مواقف ترامب ومقارباته فحسب، بل إن إدارته نفسها تعاني من الغموض نفسه، بل قل الفوضى. فترامب دائما ما صرّح، في حملته الرئاسية، بأنه يعارض سياسة تغيير الأنظمة التي اتبعها سلفاه، أوباما وجورج دبليو بوش. بل إنه كثيرا ما لمّح إلى أن حكم الديكتاتوريين أفضل من فوضى وفراغ يترتبان على غيابهم. ويبدو أن الرئيسين، المصري عبد الفتاح السيسي، والسوري بشار الأسد، هما أكبر مستفيدين من هذا المنطق. وقد عبر عن هذا الموقف وزير الخارجية الأميركي، ريك تيلرسون، من أنقرة، الشهر الماضي، عندما قال إن مصير الأسد يحدّده الشعب السوري، وهي المعزوفة السمجة نفسها التي يطلقها الروس والإيرانيون لضمان بقاء الأسد حاكما على أطلال سورية، نيابة عنهما، بل قل كصبي لهما. وقد أعاد تيلرسون تأكيد المعطى نفسه، أواخر الشهر الماضي، عندما قال، في اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية لممثلي 68 دولة ومنظمة دولية، اجتمعوا لبحث تسريع الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إن محاربة التنظيم هي الأولوية الأولى لإدارته. ولكن، وبعد مجزرة خان شيخون، هدّدت السفيرة الأميركية في مجلس الأمن الدولي، نيكي هيلي، بأن بلادها قد تتصرّف بشكل منفرد، إذا لم تتحرّك الأمم المتحدة لمعاقبة نظام الأسد.
من نصدّق؟ بصراحة، لا أحد يعرف، فهذه إدارة تدير أزمة فشل حكم، وليس فقط أزمات، محلية وخارجية، تَعْرِضُ لها. وفي كل الأحوال، على من يُمَنِّي نفسه بأن إدارة ترامب ستتبنى منطق إطاحة الأسد أن يستفيق من كوابيس اليقظة، فهذا الثابت الوحيد الذي نعرف أن إدارة
ترامب تجمع عليه: إطاحة الأسد ليس خيارا.. على الأقل في المستقبل المنظور. وكما أن أوباما باعنا الوَهْمَ في سورية، فإن ترامب سيبيعنا الوَهْمَ نفسه إن قبلنا أن نخدع مرة أخرى. هو ماض في التحالف مع الروس في ما يسمونها "الحرب على الإرهاب". كما أنه ماض في توطيد عرى التحالف مع معسكر الطغيان والقمع العربي، ونظام الأسد يبرز في محوري التقاطع هذين. وحتى تصعيد أميركي مفترض مع إيران لن يفضي، بالضرورة، إلى إطاحة الأسد، فمرة أخرى، فبالنسبة لترامب، ومن حوله، العدو الأول هي التيارات العنيفة، ثمَّ بعدها أي قوى حية تعبر عن طموحات الحرية والكرامة والاستقلال في المنطقة، خصوصا إذا كانت هويتها إسلامية. بمعنى آخر، لا يزال الدور على الأسد بعيدا أميركياً، من دون أن ينفي ذلك أن إدارة ترامب قد تقوم بعملية عسكرية محدودة، مثل قصف جوي لمطارات النظام وطائراته "قرصة أذن"، حتى لا يسرف في القتل بأسلحة مستفزّة "للضمير العالمي". فالقتل بالوسائل التقليدية يؤدي الغرض نفسه ومن دون استفزاز! فلمن ينتظر فعل ترامب الموعود: للأسف، ستنتظرون طويلا، فـ"خطوطه" لن يكون حالها أفضل من "الخط الأحمر" لأوباما. وعلى الأرجح، سيبقى الأسد في كرسيه إلى ما بعد ترامب، كما بقي إلى ما بعد أوباما، اللهم، إلا أن يطاله ملك الموت بميتةٍ طبيعيةٍ، أو تطاله يد الثورة بطريقةٍ ما، أو عبر مساوماتٍ بين القوى التي تتصارع على أرض سورية، بعد أن يحقق كل طرف بعض ما يريد، بعيدا عمَّا يريده الشعب السوري المنكوب.

 

العربي الجديد

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تؤيد اتفاقيات التهجير القسري مقابل إنقاذ الآلاف من المدنيين المحاصرين؟
نعم (صوتأ 0) 0%
لا (صوتأ 1) 50%
لا أعرف (صوتأ 1) 50%
تاريخ البداية : 23 أبريل 2017 م عدد الأصوات الكلي : 2