الثلاثاء 29 جمادى الآخر 1438 هـ الموافق 28 مارس 2017 م
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
حول بيان راتني الأخير عن هيئة تحرير الشام
الأحد 12 مارس 2017 م
عدد الزيارات : 923

كان من المتوقع هذا الموقف الأمريكي من هيئة تحرير الشام، والذي عبر عنه بيان راتني الأخير في اعتبار الهيئة امتداداً لجبهة النصرة وشبكة القاعدة في سوريا، الغريب ممن راهن على احتمالية القبول الدولي به لمجرد بيانات مرنة اللغة مع الإعلام الغربي وإثبات قوته وقدراته في الهجوم على الفصائل المحلية، وكأنه سيفرض أمراً واقعاً على الثورة والشعب والعالم لمجرد أن لديه مجموعة زعران.
الجولاني كان يعلم أنه ينفذ مخططات دول معينة في تحجيم الجيش السوري الحر وإضعاف القوة العسكرية والبشرية للثورة السورية وتأكيد اللون الأسود على إدلب ومحيطها، ظنّ هو أنه سيتلقى مكافأة نتيجة حملته وقدرته على تغيير المشهد، أو سيكون الجميع -مدنيين وفصائل- مشتركين معه في العقاب حينها.
منذ نشأة جبهة النصرة (بدايات 2012) حرص الجولاني على تصدره الشخصي وعلى نسج صورة القائد الجهادي والزعيم والمخطط والذكي حوله، ساعدته في ذلك جهات إعلامية معروفة، وحاول أن يظهر عمقه السياسي من خلال تحليلات سطحية عن الوضع الإقليمي والدولي، واستغل التعاطف مع المهاجرين وعدم الاحتكاك مع المجتمعات والفصائل المحلية وغياب قيادة متماسكة للثورة يمكنها اتخاذ موقف من الجهاديين في توسعة تنظيمه وبناء صورة إيجابية عنه.
وحين أعلن أبو بكر البغدادي عن تأسيس دولة العراق والشام (نيسان 2013م)، لم يقبل الجولاني بعد توسع تنظيمه أن يعود لقيادة أميره ومموله السابق، فكان الانفصال التنظيمي عن داعش (خلاف ضمن الأسرة الواحدة حسب تعبير الجولاني نفسه)، مع تبني ذات الخطاب التكفيري والنزعة العدوانية تجاه الثورة السورية وفصائلها ومؤسساتها ورموزها، وكاد أن ينتهي تنظيم الجولاني حينها لولا أن بعض الفصائل المحلية "الإسلامية" دعمته بالسلاح والمال وقتها، وهو هاجم جميع من دعموه بعد ذلك.
في المرحلة التالية (منذ تموز 2014) نجح الجولاني في تفكيك قرابة عشرين فصيلاً ثورياً وتهجير الآلاف من المقاتلين، عدا عن خسارة أضعافهم ممن وجدوا أن وجود النصرة يمنعهم من العمل أو يشوه صورة الثورة التي يؤمن بها، عدا عن خسارة الملايين من الحاضنة وأضعافهم في العالم العربي ممن تشوهت صورة الثورة ومآلاتها لديهم مع طغيان صورة القاعدة وداعش على المشهد، وأصبحت صورة الإرهاب طاغية على المشهد السوري السياسي وعلى تعامل الدول مع القضية السورية.
وكانت جبهة النصرة تتهم من يطالبها بفك الارتباط بأنهم علمانيون وعملاء وأذناب الغرب، إلى أن تصاعدت موجة الاستهداف الأمريكي لكوادر القاعدة في سوريا، ودخلت داعش مرحلة التقهقر في العراق وسوريا، فخشي الجولاني أن يكون هو القادم.
وبعد تمهيد طويل، خرج الجولاني كاشفاً وجهه المحجوب لأول مرة وبجانبه أحد القيادات الجهادية المصرية (أبو الفرج المصري) وعلى جانبه الآخر شرعي النصرة الذي هدد أمريكا بالانتقام والعمليات قبل أسابيع (أبو عبدالله الشامي)، وبعد ساعات من مباركة القاعدة لخطوة الجولاني عبر ممثلها (أبو الخير المصري)، ليعلن بالتلميح والتورية فك ارتباطه بالقاعدة وإعلان جبهة فتح الشام (تموز 2016)، منتظراً من الفصائل أن تندمج معه، ومن الغرب أن يقبل به ويرفع عنه التصنيف، وهو ما لم يكن طبعاً، لأن الجولاني مصنف بشخصه وهو بالوقت نفسه حريص على التصدر كزعيم ولو أغرق معه الجميع.
بعد أشهر من ذلك (بدايات 2017)، شن حملته الأخيرة على معظم فصائل الثورة في الشمال السوري، ليعلن بعدها تشكيل "هيئة تحرير الشام" بزعامة صورية من هاشم الشيخ، ولتظهر الخطابات الناعمة تجاه الغرب والعمل السياسي ويتبنى مصطلحات الثورة السورية التي حاربها هو وشرعيوه وعناصره وأنصاره طيلة سنوات أكثر من شبيحة نظام الأسد، وليظهر الجولاني بعدها -في مراهنة جديدة على قبوله الشخصي- بخطاب إعلامي كقائد عسكري عام للهيئة الجديدة، ليثبت من جديد أن الهيئة ليست إلا امتداداً لجبهة النصرة، وبقي يقامر بالشباب المقاتلين وبالساحة والشعب كله لأجل أن يتصدر هو وتنظيمه.
المفارقة هنا، هو أن من خونوا وكفروا وحاربوا الجميع باعتبار هؤلاء يسعون لرضا الغرب، كانوا أكثر من صدم وغضب وحزن واتهم الآخرين بتشويهه لأن الغرب لم يرض عنه.
والنذالة الواضحة هنا، هو أن الذين سعوا لتغيير كل خطابهم وتبني مصطلحات ولغة حاربونا وكفرونا عليها لأجل أن يرضى عنهم الغرب ويحوزوا على أي قبول سياسي، كانوا في الوقت والآن نفسه يشنون الحروب ويسيرون الأرتال ضد فصائل الثورة ويلاحقون كوادرها الذين يعارضونهم، أي أن مرونتهم (انبطاحهم حسب لغتهم) أمام الغرب كانت بالتوازي مع تشددهم ضد الثوار والفصائل.
والوقاحة الأكبر هنا، هو مطالبة الثوار السوريين بالتعاطف مع الجولاني أو الدفاع عنه، بعد سلسلة جرائمه وكوارثه التي لا تنتهي وحربه الطويلة على الثورة السورية، منذ أدخل تنظيمات داعش والقاعدة إلى الثورة، وتغطية البلد باللون الأسود، ومحاربة الثورة السورية بعلمها ورموزها نشطائها وقادتها ومؤسساتها وخطابها، والاعتداء على جميع فصائل الثورة بلا استثناء وتفكيك قرابة العشرين منها، والسطو على المقرات والمستودعات والمؤسسات وحتى بيوت خصومه، وبعد مئات المختطفين والشهداء وآلاف المهجرين وملايين المتضررين من منهجه وتنظيمه وتجاربه ونزعاته العدوانية تجاه الجميع، يراد منا أن نتضامن معه وندافع عنه وكأنه جزء من ثورتنا وقضيتنا بينما سكاكينه مشرعةٌ على الأعناق، لا قعر للنذالة.

 

 

صفحة الكاتب على فيس بوك

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
نعم (صوتأ 10) 17%
لا (صوتأ 42) 72%
ربما (صوتأ 6) 10%
تاريخ البداية : 8 فبراير 2017 م عدد الأصوات الكلي : 58