الأحد 4 شعبان 1438 هـ الموافق 30 أبريل 2017 م
هل تؤيد اتفاقيات التهجير القسري مقابل إنقاذ الآلاف من المدنيين المحاصرين؟
لا مفاوضات في جولة جنيف 4
الكاتب : عمر كوش
الثلاثاء 7 مارس 2017 م
عدد الزيارات : 180

على الرغم من أن الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف 4 استمرت تسعة أيام متتالية، إلا أنها لم تكن، في واقع الأمر، جولة تفاوض بين الأطراف السورية، بل كانت لقاءات ومشاورات أجراها المبعوث الأممي الخاص إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، بشكل منفصل، مع وفد الهيئة العليا للتفاوض، وما يُعرف بمنصتي القاهرة وموسكو، ومع وفد النظام السوري، وانتهت إلى وضعه أجندة تضمنت أربع سلال، تتعلق بمسائل الحكم والانتخابات والدستور واستراتيجية مكافحة الإرهاب، ويأمل أن يجري التفاوض عليها بالتزامن والتوازي في جولة تفاوضية خامسة، يرجح أن تعقد مع نهاية شهر مارس/ آذار الجاري.
ويمكن القول إن الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف لم تسفر عن تقدمٍ ملموس في مسار الحل السياسي الذي يمكنه أن ينهي مأساة السوريين، وأنها، مثل سابقاتها، لم يتم فيها ملامسة جوهر القضية السورية، المتمثل في الانتقال السياسي من نظام الاستبداد إلى نظامٍ يلبي طموحات السوريين في الحرية والخلاص. ولا نستطيع القول إنها رسمت ملامح الجولة المقبلة من المفاوضات وحدودها، إذ لا أحد يضمن أنها ستركز على القضايا الجوهرية الخاصة بالانتقال السياسي، بما يعني إمكانية ظهور الملامح الأولية للحل السياسي، استناداً إلى بيان جنيف في حزيران/ يونيو 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2015، والسبب هو عدم وجود ضمانات بأن ينخرط وفد نظام الأسد في العملية التفاوضية بشكل جاد، من دون تسويف أو مماطلة، وأن لا يعود إلى رهاناته السابقة في الحسم العسكري، استناداً إلى الدعم غير المحدود من روسيا ونظام الملالي الإيراني ومليشياته المذهبية، إضافة إلى أن هذا النظام لم يعترف، إلى يومنا هذا، بوجود طرف آخر يتمثل بالمعارضة السورية، حيث جدّد رئيس وفده إلى مفاوضات جنيف الحديث عن وجود إرهابيين بين أعضاء وفد المعارضة، وتمكّن من إدراج بند مكافحة الإرهاب بضغط روسي، لكي يعود، من خلاله، إلى محاولاته السابقة في حرف قطار التفاوض عن سكته، ويخوض فيما خاضه من تفاهاتٍ في جولات التفاوض السابقة. يضاف إلى ذلك كله أن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، تحدث عن المفاوضات، وكأن عملية التفاوض في جنيف محصورة في مجرد مشاركة أعضاء من المعارضة السورية في "حكومة وحدة وطنية"، تحت رئاسة مجرم حرب ورعايته، تسبب في تدمير مدن وبلدات سورية عديدة، وخصوصا مدينة حلب، وتهجير أكثر من نصف سكان سورية، فضلاَ عن قتل أكثر من 600 ألف سوري وجرح وتشويه مئات الآخرين.


وإن كانت الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف قد عقدت على وقع الخروق الكثيرة لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في أنقرة في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2016، ورعاه نظرياً كل من الروس والأتراك والإيرانيين، إلا أنه لم يتم تثبيته ولو يوما واحدا خلال جميع أيام جولة التفاوض، على الرغم من أن المبعوث الأممي قال، في اليوم الأول لانطلاق الجولة، إن الروس طلبوا من النظام السوري وقف إطلاق النار في أثناء فترة التفاوض، لكنه أضاف "في المناطق المتفق عليها"، وعنى ذلك إطلاق يد النظام، لكي يحدّد المناطق التي سيقصفها طيرانه وقتما يشاء، ولم يصدر أي شيء عن وفد الهيئة العليا، أو سواها من الأطراف، سوى مطالبات لفظية من بعض أعضائه بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار.
واللافت أن ما يسجل، في هذه الجولة، غياب الطرف الأميركي الذي تحول من فاعل في القضية السورية إلى مراقب، إضافة إلى غياب الطرف العربي، في مقابل حضور قوي للطرف الروسي، جسده حضور وفد ترأسه نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، الذي التقى جميع الوفود، ومارس ضغطاً قوياً على دي ميستورا لكي يدرج مسألة مكافحة الإرهاب، وما كان من الأخير إلا أن ينصاع للغضط الروسي، ويدرج الإرهاب في سلته التفاوضية الرابعة.
وليس ذلك وحسب، بل إن حديث وفد الهيئة العليا للتفاوض عن إيجابية اللقاء مع غاتيلوف، قابلته الناطقة باسم الخارجية الروسية بالحديث عن الدور السلبي الذي تقوم به الهيئة في عرقلة مسيرة التفاوض، في حين أن الجولة الرابعة برمتها لم تكن تفاوضية على الإطلاق، من حيث إنها تناولت الأمور الإجرائية التي من المفترض أن يقوم بها المبعوث الأممي قبل البدء في الجولة نفسها.
بدا واضحاً في هذه الجولة سيولة (وضعف) مواقف المعارضة السورية التي راح بعض أعضائها يتحدث عن "تنوع"، وليس خلافات بين أطرافها، ولعل وجود المنصّات بحدّ ذاته إضعاف لها، لأنه لا ينم عن التنوع بقدر ما يعبر عن اختلاف الرؤى والتصورات، وفقاً لأجندة الدولة الراعية للمنصة أو الداعمة لمجموعة هؤلاء المعارضين أو لغيرهم، حيث إن ممثل منصة موسكو تحدث علناً، ومن دون مواربة، بعد لقائه دي ميستورا، عن مسارين، أولهما "مكافحة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وخصوصا تنظيمي داعش والنصرة"، وثانيهما الحل السياسي، مردّداً مواقف موسكو المعروفة حيال القضية السورية، وبالتالي لم يأت مع منصته إلى جنيف للتفاوض من أجل خلاص السوريين الذين أرهقتهم المجازر والجرائم، وباتوا ينامون ويصحون على وقع قصف الطائرات والصورايخ ومختلف أنواع المدافع والراجمات، بل جاء تلبية لرغبة دولة المنصة التي نصبته معارضاً شرساً للمطالب الشعب السوري وليس للنظام الأسدي.


ومع انتهاء الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف، بقي وفد المعارضة بانتظار الحصول على تأكيدات أن وفد النظام لن يستخدم سلة مكافحة الإرهاب ذريعةً لإخراج المحادثات عن مسارها، وجاء محصول هذه الجولة شحيحاً، ومتوافقاً مع أنها لم تعد منذ انطلاقها بتحقيق انفراجة أو اختراق ما، وهي بالفعل لم تحقق ذلك. لكن مع انتهائها، راح كل طرف يزعم تحقيق مكاسب محدودة، فيما لم يتمكن دي ميستورا من جمع الطرفين إلى طاولة واحدة، واكتفى بلقاء كل طرف على حدة، وأبعد ما توصل إليه محاولة للاتفاق على شكل جولة التفاوض المقبلة، و"إبقاء الزخم" على الأزمة، كي لا تنسى، والحصيلة التي خرج بها هي "لا ورقة"، حدّد فيها دي ميستورا نقاطاً عامة عن سورية والسوريين، متمنياً "تحقيق تفاهم مشترك أعمق، لكيفية مضينا في الجولات المستقبلية في مناقشة كل قضية".
وقبيل انتهاء جولة التفاوض الرابعة، أعلنت موسكو عن موعد جديد لعقد اجتماع جديد في أستانة في الرابع عشر من شهر مارس/ آذار الجاري، استكمالاً لما باتت تشهده القضية السورية من جولات وتجاذبات ومشادات ما في بين جنيف وأستانة وسواهما، الأمر الذي يدعو إلى الاستشراف بأن مخاضات جديدة ستعصف بالقضية السورية، في سياق محاولات إيجاد حل سياسي لها بين القوى الراعية لمساري أستانة وجنيف... والحبل على الجرّار.


العربي الجديد

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تؤيد اتفاقيات التهجير القسري مقابل إنقاذ الآلاف من المدنيين المحاصرين؟
نعم (صوتأ 0) 0%
لا (صوتأ 3) 60%
لا أعرف (صوتأ 2) 40%
تاريخ البداية : 23 أبريل 2017 م عدد الأصوات الكلي : 5