الاثنين 3 رمضان 1438 هـ الموافق 29 مايو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
حلب "زهرة الأمل بين الركام"
الكاتب : عباس شريفة
السبت 24 ديسمبر 2016 م
عدد الزيارات : 258

من المُسَلمْ به أن الهزائم العسكرية تسبقها هزائم وانكسارات في الأخلاق والاجتماع والسياسة والفكر والاقتصاد وكل شؤون الحياة، وكذلك هي الانتصارات العسكرية تسبقها انتصارات في كل شؤون الحياة.

وحدهم أولو الألباب والنهي يتعظون من دروس التاريخ والأقل منهم وعياً هم من يتعظون بالمصائب ومن لا ينفعه الخطاب ولا المصاب فمصابه في نفسه أعمق وأبلغ.
إن عدم الاعتبار من المصيبة من طباع بني اسرائيل في حادثة بني قريظة. يسأل اليهود كعب بن أسد ماذا سيحل بهم فَقَالَ كَعْبٌ: "فِي كُلِّ مَوْطِنٍ لا تَعْقِلُونَ، أَلا تَرَوْنَ الدَّاعِي لا يَنْزِعُ، وَأَنَّهُ مَنْ ذَهَبَ بِهِ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُ"
من الطبيعي أن ينقسم الناس أمام الهزيمة والنكبة على أربعة أصناف:
1- المنهزم العاجز (انتهينا) (لا مقام لكم فارجعوا) مذهول بوقع الكارثة.
2- المنكر الغائب المنفصم عن الواقع (هزمناهم وانتصرنا ليعلن النصر قبل بدء العراك) ثم يفارقون الجبل لجمع الغنائم.
3- القاضي المحاكم (فلان هو السبب, وفلان هو المسؤول, وفلان هو من نزل, من الجبل وتسبب بالمصيبة)
4- المعتبر المثابر (يفرغ من دفن الشهداء ويخرج في اليوم التالي إلى حمراء الأسد بكل عزيمة وإصرار ليتابع المسيرة)
لا شك أن كل كارثة تقع على جماعة ما يسبقها قرارات كارثية.
والقرارات الكارثية هي نتيجة لتصورات وعلاقات خاطئة بين الأشياء وهذه التصورات والعلاقات هي نتيجة لأفكار بالية متجذرة في عمق اللاشعور.
وعليه فلا يمكن أن نعبر من الكارثة ونحن نستصحب نفس الأفكار التي أودت بنا إلى السقوط فنعيد التجربة نفسها ونتوقع نتائج أفضل.
لذلك كان لا بد من إصلاح عالم الأفكار الذي يشكل بداية التصحيح والتصويب للمسيرة الراشدة لا دور فيها للمجاهيل والأغمار.
فإن الأمم المتقدمة عندما تقع في كارثة وهزيمة تراجع نظام أفكارها وتقف على مواضع الخلل فيها.
والأمم المتخلفة إما أن تنسب ما حصل للخيانة الداخلية أو للمؤامرة الخارجية ثم تحل الأمر بتصفية المعارضة السياسية الخائنة لتحقق مزيدا من السطو والسيطرة على أجهزة الحكم وتمارس المزيد من الطغيان.
إن من حسنات المصيبة أنها تكف أصحاب الخطاب العاطفية عن سفاهتهم وتفضح المزايدات الفارغة التي يخدر بها الشعور عن رؤية الحقيقة وتمارس الخداع البصري ليشوش على الواقع والحقيقة بسيل من البشريات والمنامات والبكائيات التي تجذب السذج والدهماء للاحتفال بمكاسب تكتيكية حزبية, سرعان ما تتحول إلى نكبات استراتيجية.
ومن حسنات المصيبة أنها تفسح المجال قليلاً لصوت العقل الخافت بين شغب المشاغبين أن يعلو حتى ينفذ لعقول الشباب ويبصرهم بحقيقة المشهد الكلي دون اجتزاء للحقيقة أو تدليس فيها.
فإن النصر الذي لا يحتمله وعي المنتصرين سرعان ما يتحول إلى مأتم كبير لأصحابه وصراع بينهم على اقتسام المكاسب وفق شريعة الطمع.
وقد تكون الهزائم الصغرى أحيانا ضرورة قدرية خلال مسيرة الثورة نحو الانتصارات الكبرى، لتحصين الصفوف وتلافي الثغرات وتصحيح المسير, وتصويب الهدف نحو الغاية المنشودة, ومضاعفة الحذر من الظواهر الصوتية الخداعة, واكتساب المناعة من فتن الأفكار المسمومة, لأنه لا معنى للانتصارات العسكرية مع خسارة معركة الوعي.

نستطيع أن نقول هناك وعي جديد يتشكل بين شبابنا’ فرغم كل العبث والمراهقة والتوظيف الذي مارسه الشرعيون الجدد على نصوص الوحي, وجماعات جعلت من نفسها وكالات حصرية لتمثل الدين, فإن أغلب النقد اليوم يطال هؤلاء من مارسوا الوصاية على الدين فهما وتطبيقا وعبثاً وتوظيفاً، ولم ينالوا من الدين ابداً، مما يشير أنهم باتوا يدركون أن الخلل في سفه الوصي وليس في جور الوصية.
ولكننا في سباق مع الزمن وهو مرتبط بمدى قدرتنا على أن نعي مقدمات الكوارث قبل حصولها، وأن نتلافى عوامل الهزيمة قبل حلولها، فإن الحلول المتأخرة غالباً ما تكون عديمة الجدوى، فصاحب الوعي القاصر بتحديات الواقع أشبه بالشخص الذي يسابق ظله كلما تقدم للأما م خطوة تقدم ظله عليه خطوة وهكذا يبقى في وضعية الخاسر متخلفا عن حسم الصراع والمعركة.
إن الاجتهاد الواقعي، والموازنة الصحيحة، والأولوية الضرورية، واعتبار المآل، وتميز حال التمكين من الاستضعاف، ومراعاة السنن والسياسة الرشدة الضابطة لاتجاه البندقية تشكل قواعد اساسية وافكاراً جامعة ضرورية لنقيل بها عثرتنا.
كما الابتعاد عن شهوة السيطرة والاقصاء والاستحواذ، والتحلي بالواقعية والتشاركية والاستيعاب والتواضع واحترام التخصص هي عوامل هامة لنملك زمام مبادرتنا ونرسم معالم صحوتنا ونعيد فيها الكرة من جديد.

لم ولن نشك يوماً بطريق حريتنا رغم الألم والجراح والخذلان لكن لا بد من خريف عابر يُسقط كل الأوراق اليابسة عن شجرة ثورتنا ولتبقى الأغصان الوفية متمسكة بأصلها تواجه عواصف الشتاء وهي ترنو إلى الربيع القادم لتورق من جديد.
 

 

صفحة الكاتب على فيسبوك

 

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 15) 22%
لا (صوتأ 48) 70%
ربما (صوتأ 6) 9%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 69