الثلاثاء 29 جمادى الآخر 1438 هـ الموافق 28 مارس 2017 م
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
دعوى التغلب بين الفصائل
الأحد 27 نوفمبر 2016 م
عدد الزيارات : 403

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
بعد ظهور حالة الاستعصاء التي تمر بها الفصائل من تفرقها وعدم توحدها بات ينظر بعضهم إلى التغلب كحل لتوحد الفصائل وذلك من خلال تغلب فصيل كبير على باقي الفصائل لتوحيدها تحت مسمى واحد ومستندا بذلك إلى حجة شرعية وهي أن الإمامة تنعقد بطرق ثلاثة ومن إحدى هذه الطرق القهر والغلبة:

وسنناقش هذه القضية من خلال مسارين الأول: هل انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة هو طريق شرعي لانعقاد الإمامة والمسار الثاني هل هذه الدعوى ممكنة التحقق وهل ستكون سببا في وحدة الفصائل.
النقطة الأولى: هل تنعقد الإمامة بالقهر والغلبة:
من خلال استقراء النصوص الشرعية والفروع الفقهية نجد أن الطريقة المثلى لاختيار الخليفة هي طريقة الاختيار وهي أن يتفق أهل الحل والعقد الذين ترتضيهم الأمة في اختيار حاكم أو خليفة للمسلمين ولن أقف كثيرا عند النصوص ولكن حسبك قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم" وإجماع الصحابة على هذه الطريقة عند اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة.
يقول د. وهبة الزحيلي:" وأجمع المسلمون على أن تعيين الخليفة يتم بالبيعة، أي الاختيار والاتفاق بين الأمة وشخص الخليفة، فهي عقد حقيقي من العقود التي تتم بإرادتين على أساس الرضا" الفقه الإسلامي وأدلته 8/292.
قال الرازي والإيجي : "إن الأمة هي صاحبة الرئاسة العامة" المواقف 8/345.
وقال ابن تيمية في مبايعة أبي بكر رضي الله عنه: "لو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة" منهاج السنة النبوية 1/141
وأما طريقة ولاية العهد وهي أن يعهد الإمام البيعة لإمام لاحق فقد أجازها الفقهاء ولكن بشرط انعقاد الإمامة له ببيعة المسلمين له بعد موت الخليفة فإن لم يبايعوه فلا تنعقد خلافته قال الماوردي: "وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:
أحدهما: أن أبا بكر رضي الله عنه عهد بها إلى عمر رضي الله عنه، فأثبت المسلمون إمامته بعهده.
والثاني: أن عمر رضي الله عنه عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر، اعتقادا لصحة العهد بها".الأحكام السلطانية: 8.
وقد رأى الفقهاء جواز انعقاد الإمامة بولاية العهد أو بالإيصاء بشرطين: إذا توافرت في ولي العهد شروط الخلافة، وتمت له البيعة من الأمة.
قال الماوردي: "وتعتبر شروط الإمامة في المولَى من وقت العهد إليه، فإن كان صغيراً أو فاسقاً وقت العهد لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته".الأحكام السلطانية:9
ويشترط رضا الأمة بالمولَى فولاية العهد بمثابة ترشيح واقتراح من الخليفة السابق، ولا يستقر إلا بموافقة أهل الحل والعقد من الأمة، وقد ذهب إلى هذا من السابقين أبو يعلى يقول: "إن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت".الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 26.
ونقله الماوري عن بعض علماء أهل البصرة، إذ قالوا: "إن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة، لأنها حق يتعلق بهم فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم".الفقه الإسلامي وأدلته: 8/ 289، الموسوعة الفقهية الكويتية:6/223.
وهو الذي يفهم من كلام ابن تيمية، وعليه جمهور الباحثين في الإمامة من المعاصرين.السياسة الشرعية، لعبد الوهاب خلاف: 57، رياسة الدولة، محمد رأفت عثمان: 290، قواعد نظام الحكم  في الإسلام: 78.
يقول الشيخ أحمد جاد": قلت: ولا قيمة لعهد الإمام لأحدٍ من بعد بتولِّي منصب الخلافة ما لم تزكِّ أغلبية الأمة هذا الترشيح وتبايعه على ذلك، فتلك البيعة أو الانتخابات الحرَّة النزيهة كما يطلق عليها في عصرنا، هي الشيء الوحيد الذي يضفي الشرعيّة على سلطة خليفة، أو نائب أو والٍ....إلخ".الأحكام السلطانية للماوردي ص22
وأما أن يستولي رجل على الإمامة بالقهر والغلبة فقد ذكرها الفقهاء في كتبهم على أنها طريقة موجودة من طرق نصب الخليفة ولم يذكروها ليشرعوا لها بل أكدوا أنها مفسدة وإن استتب الأمر لهذا الرجل فله السمع والطاعة وذلك حتى لا تراق الدماء فهم وازنوا بين مفسدتين الأولى الاستيلاء بالقهر والغلبة والمفسدة الثانية وهي خلع الرجل المتغلب وذلك لن يحصل إلا بالقوة لأنه استولى على الخلافة بالقهر ولا يكون الخلع إلا بقتال وسفك دماء كثيرة وبناء على ميزان المصالح والمفاسد وعند تعارض مفسدتين روعي أخفهما ضررا.
فالفقهاء قبلوا بها كأمر واقع وأمر اضطراري يجب التعامل معه ولكن بناء على أن الضرورات تقدر بقدرها اشترطوا أن يكون مستجمعا شروط الخليفة وألا تكون الغلبة على إمام مختار من قبل الأمة بل على إمام متغلب مثله فإن كانت الغلبة على إمام مختار من الأمة يجب على الأمة أنتستجمع قوتها وتعمل على عزله ورد في الموسوعة الفقهية:"وذكر الشافعية قولا: يشترط لصحة إمامة المتغلب استجماع شروط الإمامة" الموسوعة الفقهية 6/225.

كما يشترط الشافعية أيضا: أن يستولي على الأمر بعد موت الإمام المبايع له، وقبل نصب إمام جديد بالبيعة،أو أن يستولي على حي متغلب مثله. أما إذا استولى على الأمر وقهر إماما مولى بالبيعة أو بالعهد فلا تثبت إمامته، ويبقى الإمام المقهور على إمامته شرعاً . مغني المحتاج 4/132.
فضلاً عن هذه الشروط فقد اختلف الفقهاء في ثبوت إمامة المتغلب.
وورد في الأحكام السلطانية: "وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ إمَامَتِهِ وَانْعِقَادِ وِلَايَتِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا اخْتِيَارٍ؛ فَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إلَى ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ وَانْعِقَادِ إمَامَتِهِ، وَحَمْلِ الْأُمَّةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْهَا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاخْتِيَارِ تَمْيِيزُ الْمُوَلَّى وَقَدْ تَمَيَّزَ هَذَا بِصِفَتِهِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ إمَامَتَهُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ، لَكِنْ يَلْزَمُ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ، فَإِنْ اتَّفَقُوا أَتَمُّوا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِعَاقِدٍ، وَكَالْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ لَمْ يَصِرْ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلَّاهُ؛ فَرَكَّبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ هَذَا الْبَابَ وَقَالَ: يَصِيرُ قَاضِيًا إذَا تَفَرَّدَ بِصِفَتِهِ كَمَا يَصِيرُ الْمُنْفَرِدُ بِصِفَتِهِ إمَامًا". الأحكام السلطانية: 28
يقول د. وهبة الزحيلي:" يظهر من هذا الكلام أن القهر حالة استثنائية غير متفقة مع الأصل الموجب لكون السلطة قائمة بالاختيار، وإقرارها فيه مراعاة لحال واقعة للضرورة ومنعاً من سفك الدماء". الفقه الإسلامي وأدلته 8/291
وقال ابن حجر : أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليه، لحديث البخاري عن عبادة: «إلا أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان».فتح الباري 16/112
يقول النووي: "وأما الطريق الثالث، فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام، فتصدى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلاف ولا بيعة، وقهر الناس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافته لينتظم شمل المسلمين، فإن لم يكن جامعاً للشرائط بأن كان فاسقاً، أو جاهلاً، فوجهان، أصحهما: انعقادها لما ذكرناه، وإن كان عاصياً بفعله".روضة الطالبين وعمدة المفتين: 10/46.
ومن خلال قراءة النصوص الفقهية في التعيين بالقهر والغلبة نجد أن الفقهاء تعاملوا مع هذه الطريقة على حرج وبحذر ولم يدعوا إليها ولم يتسحسنوها بل نظروا إليها على أنها مفسدة ولا تعتبر مصلحة بحق الأمة فضلاً أن العديد من الفقهاء لم يذكروا هذه الطريقة في كتبهم أصلاً
يقول الإمام الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية:"فصل: "بِمَ تنعقد الإمامة"؟
والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما: باختيار أهلِ العَقْدِ والحَلِّوَالثَّانِي: بِعَهْدِ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ". الأحكام السلطانية للماوردي ص22
وأختم هذه الفقرة بكلام بديع للمحقق الشيخ أحمد الجاد يقول: "أقول: إنَّ اختيار الحاكم في الإسلام حقٌ من حقوق الأمَّة، كفله لها الإسلام، فلا ينبغي أن تفرِّط فيه أو أن تتنازل عنه ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، تشهد بذلك الوقائع التاريخية المعتمدة في التشريع الإسلامي، وهي المدَّة من نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم، وحتى آخر خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي... ".
ففي حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيعة العقبة الثانية يقدِّم -صلى الله عليه وسلم- أوَّلَ إرساءٍ لهذا المبدأ -مبدأ حق الأمَّة في اختيار من يمثلها- حين قال مخاطبًا الأنصار: "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم".
ثم كانت بيعة أبي بكر بعد مساجلات ومناقشات حرة ومداولات مطوَّلَة بين المهاجرين والأنصار، أدلى كلٌّ منهم برأيه حتى اجتمعوا على اختياره -رضي الله عنه.
ثم كان أن استَخْلَفَ أبو بكر عمر فارتضت الأمَّة ذلك منه وبايعته -رضي الله عنه- عن اقتناع حر، بعد أن أعلن كل فرد رأيه، حتى قال قائل لأبي بكر -رضي الله عنه- وهو على سرير الموت: ما أنت قائل لربِّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته، وهو إذا وَلِيَ كان أفظّ وأغلظ؟
فردَّ أبو بكر قائلًا: "أبالله تخوّفني؟ خاف من تزود من أمركم بظلم!! أقول: اللهمَّ إني قد استخلفت على أهلك خير أهلك".
ثم كان استخلاف عثمان بعد مشاورات قام بها الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، استشار فيها كافَّة أهل المدينة، حتى إنَّه عبَّر عن ذلك قائلًا قبل مبايعته عثمان: "أيها الناس، إني قد سألتكم سرًّا وجهرًا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إمَّا عليّ وإمَّا عثمان...".
فهذه الفترة من تاريخ الأمَّة الإسلامية، هو وحده الذي يصلح لاستنباط الأحكام والتشريعات منه ويعد ما حدَثَ بها سوابق دستورية يجب الالتزام بها والسير عليها.
أما ما حدث بعد ذلك على أيدي بني أمية، فليس من الإسلام في شيء، بل لا قيمة له في ميزان الإسلام.
يقول سيد قطب -رحمه الله: "فلمَّا جاء بنو أميَّة وصارت الخلافة الإسلامية ملكًا عضوضًا فيهم بالوراثة، لم يكن ذلك من روح الإسلام، إنَّمَا كان من حمق الجاهلية الذي أطفأ إشراقة الروح الإسلامي". الأحكام السلطانية: 8
ننتقل إلى النقطة الثانية وهي هل دعوى القهر والغلبة ممكنة في واقع الفصائل وهل ستؤدي إلى الوحدة بينهم؟
يجب أن نتساءل عدة أسئلة هل الفصائل تنطبق عليها صورة الخلافة للمسلمين والإمامة الكبرى حتى نطبق عليها دعوى القهر والغلبة!
وهل يوجد فصيل يستطيع أن يستولي على مجامع السلطة بيده ويحكم البلد!
وهل يوجد أحد من الفقهاء دعا إلى القهر والغلبة قبل وقوعه أم أنه تعامل معه على أنه أهون الشرين وأخف الضررين!
إن دعوى القهر والغلبة بين الفصائل بالقياس على الإمامة الكبرى إنما هو قياس فاسد فالصورتان مختلفتان ولا يوجد تشابه بين هاتين الصورتين وإنما تنطبق على الفصائل صورة الاقتتال بين طائفتين من المؤمنين ونطبق عليهم قواعد الصلح المعروفة في الفقه أما أن نطبق عليهم قواعد الخلافة والإمامة الكبرى فهذا من الشيء العجاب!
إن دعوى القهر والغلبة بين الفصائل يفتح باباً كبيراً لسفك الدماء والاقتتال بين المسلمين وهذا من بوادر الاستبدال فالحذر الحذر من فتح هذا الباب الذي يوقع الفتن بين المسلمين وسفك دمائهم بأيديهم.
وننصح الفصائل المقاتلة بأن تعظم حرمات دماء المسلمين ولا تنساق وراء دعوات فردية ولا تغتر بما أعطاها الله من قوة ولتعرف موقعها بين المسلمين وفي العالم الذي نعيشه والابتعاد عن التكبر فالتكبر مهلكة وندعوها إلى الانصياع للمرجعيات العلمية الشرعية السورية لقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" ولا يعتمدون على فتاوى فردية شاذة توافق هواهم وشهواتهم.
وأسأل الله أن يعجل بالفرج ويوحد بين الفصائل.

 

 

نور سورية

 

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
نعم (صوتأ 10) 17%
لا (صوتأ 42) 72%
ربما (صوتأ 6) 10%
تاريخ البداية : 8 فبراير 2017 م عدد الأصوات الكلي : 58