الاثنين 28 جمادى الآخر 1438 هـ الموافق 27 مارس 2017 م
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
لماذا لم ننتصر؟
السبت 8 أكتوبر 2016 م
عدد الزيارات : 410

حين كان "كريستوفر كولومبوس" يحتفل باكتشاف الأرض الجديدة بعد عودته من رحلته الشهيرة، تهكم عليه أحد الحضور بقوله: ماذا فعلت؟ ركبت سفينةً واتجهت للغرب! وياللمصادفة...

فأمسك "كولومبوس" ببيضة كانت موجودة على المائدة وسأل الرجل: هل بإمكانك أن تجعل هذه البيضة تقف منتصبة بدل أن تكون على جانبها؟
حاول الرجل جاهداً موازنة البيضة واشترك معه بعض الحضور ولكن دون جدوى، إلى أن قام "كولومبوس" بإيقافها بعد تهشيم قشرتها، فصرخ الرجل لم أكن أعرف أن تحطيم القشرة مسموح!

فأجاب كولومبوس: إن كل المسائل تبدو سهلة بعد أن ترى الحل الصحيح! ولكن الذكي والمبدع هو من يجد هذا الحل.
واليوم كنا نحن السوريين على موعد مع حصد عشرات بل مئات إشارات الاستفهام والاستنكار لما آل إليه حال داريا والوعر، وزادوا حسرة أهلها برميهم للسؤال: هل هذا أفضل لكم من الحال قبل الثورة!
بل وتتجاوز الأمور حد المعقول بما يجري في حلب من حملة تدمير واستئصال، وقد بات واضحاً أن مايرمي إليه النظام سلب حلب كلها إلى جواره لينحسر الثوار في إدلب فقط –تم تفصيل الخيارات في مقال سابق- فتتعالى الأصوات بتوحد الكتائب ونبذ الفرقة وكأنه يشكل حلاً للمأساة التي نعيشها.
يعتقد الكثير من أصحاب هذا الطرح أنهم توصلوا لنتيجة تحتاج إلى تفكر وحصافة، بل وتظهر الخيار الذي أدى إلى هذا الطريق بالساذج أيضاً وحالهم لا يختلف عن حال صاحب كولومبوس على الإطلاق، فلو انكشفت الأستار ورأى أهل داريا وحلب مثلاً هذه النتيجة قبل خروجهم على النظام الفاشي لاختلفت كثير من القرارات المصيرية، وهذه الحقيقة لاتحتاج إلى عبقري ولا إلى حذق يستنتج النتيجة اليوم بعد أن وقعت!
عند كل مفترق طرق على مدى السنوات الست الماضية، كانت داريا سباقة باتخاذ الحل الأمتن المتزن والحازم بنفس الوقت وبإجماع الجميع أن سير الأحداث في داريا كان دوماً وفق أفضل المتاح، بل وربما كان جيداً أكثر من اللازم كإطلاق معارك نصرة للمدن الأخرى حمّلت المدينة المزيد والمزيد من الأعباء.
لاداع لإجراء كشف حساب لداريا ولا حتى لحلب ولكننا اليوم بحاجة لكشف حساب أكبر، ولنرى كيف نصبت شعوب اخرى البيضة على رأسها علّنا نغطي أخطائنا فنستفيد منها في المستقبل، فمن الواضح أن النظام سيبقى له نصيب كبير في سوريا، وبقاء النظام يقتضي بقاء المعركة لأنه امتهن القتل والإجرام
هل كان بالإمكان أفضل مماكان؟ أو لسنأل السؤال بطريقة أخرى:
بماذا قصرنا حتى تتم هزيمتنا؟
في بداية التسعينات اندلعت حرب البلقان، وكانت معطيات الحرب وكأنها مفصلة لإحراق البوسنة بمن فيها، الطرف الصربي مدعوم ببقايا الإتحاد السوفيتي المنهار، بعد أن ورث الصرب الجيش اليوغسلافي العتيد، في مقابل الطرف الكرواتي المدعوم أوروبياً لأسباب طائفية وسياسية، حملت له الأسلحة من ألمانيا وفرنسا ليمثل المصالح الأوروبية في البلقان، والطرف الثالث البوسني المسلم الذي ولد يتيماً.
كان الخلاف الكرواتي الصربي على تقاسم البوسنة المسلمة على اعتبار أن ابتلاعها مسألة وقت لا أكثر.
انتشرت قوات الأمم المتحدة على السواحل لمنع تدفق الأسلحة إلى البلقان لكيلا تستعر الحرب كما زعموا، بينما كان الهدف منع تهريب السلاح للبوسنيين فالحدود البرية وخطوط إمدادها مفتوحة للصرب والكرواتيين، على عكس البوسنيين.
إذاً نحن أمام حرب تواطئت فيها القوى الكبرى وبقية الأطراف المتنازعة على إنهاء البوسنة بل وأتوا بغطاء دولي لتسريع العملية ولكن نهاية الحرب حملت استقلال البوسنة بحدودها الكاملة، فماذا قدم البوسنيون زيادة علينا نحن السوريين!
بدايةً سنقف أمام أوجه التشابه بين الحالتين:
قوة ضعيفة شعبية بمواجهة جيش منظم ومسلّح
الطرف الصربي مدعوم روسياً أي بقوة عظمى (كحال النظام السوري)
الطرف البوسني غير مدعوم من أي دولة عسكرياً (كحال الثوار السوريين)
المجتمع الدولي لا يأبه بالمقتلة في البوسنة كما هو الحال في سوريا
أظهر البوسنيون استبسالاً في مقارعة جيش منظم كما فعل السوريون
سقط ربع مليون شهيد بوسني أي مايقارب نسبة 10 بالمائة من السكان نتيجة مجازر الصرب، كما سقط مئات آلاف الشهداء في سوريا نتيجة مجازر النظام
هدف الحرب الصربية إبادة البوسنيين والسيطرة على بلدهم كما هو حال هدف النظام السوري.
باختصار كان البوسنيون يحملون قضية محقة لوحدهم ضد قوة عظمى كحال السوريين اليوم، بينما تميزت الأزمة البوسنية بأمور مختلفة عن السورية اليوم:
نقاط التماس واضحة فالبوسنيون في جهة والصرب في الجهة الأخرى! على عكس الثورة السورية ذات النقاط المتداخلة.
وجود جسد سياسي للبوسنيين على عكس الثورة السورية، فكان للبوسنة حزب سياسي ورئيس ورئيس وزراء ووزير خارجية.
تحرك الأمم المتحدة مباشرة ضد البوسنيين بنشر قواتها على الساحل لمنع وصول السلاح إليهم فكان حصارهم أشد نسبياً من حصار الثورة السورية في بداياتها ولكن الحصار علينا وصل لمراحل أصعب مما شهده البوسنيون.
لاشك أن الرجال والقتال والاستبسال هم عوامل مشتركة أيضاً كما أن الشحن الديني والاجتماعي كانا حاضرين بقوة وكانا خلف الصمود الأسطوري للشعبين في حربيهما –خاض مليوني بوسني الحرب على مدى ثلاث سنوات مخلفين حوالي ربع مليون قتيل- فما الجديد عند البوسنيين، وماذا قدّم البوسنيون زيادة علينا لينجوا من حرب الإبادة تلك بأقل الخسائر:
حليف دولي قوي:
حظي البوسنيون بجسد سياسي محنك فهم اللعبة الدولية، وعلم أن مفتاح النجاة مرهون بوجود حليف دولي قوي يحمي ظهرهم في المحافل الدولية كما حمى الروس والصينيون النظام بالفيتو، وكما حمى الأمريكيون اسرائيل بنفس الطريقة.
وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه البوسنيون استقلالهم، أعلن الصرب الهجوم، وكان وزير خارجية البوسنة في أمريكا إثر توجهه إليها لطلب الاعتراف بالجمهورية الوليدة، وما إن أنهى مهمته حتى وجد نفسه أمام مهمة أصعب وهي كسب أمريكا كحليف، خاض هذا الرجل ويدعى "الحارث سيلازيتش" حرباً دبلوماسية شعواء فبدأ بوسائل الإعلام، وتوجه للصحف الكبرى طالباً منها نشر أخبار حرب البلقان وفق الرواية البوسنية لا الصربية! وتسمية الأمور بمسمياتها، فالرواية البوسنية تصف الحرب على أنها عدوان على جمهورية مستقلة، وهي تختلف عن الرواية الصربية التي وصفت المعركة على أنها تحرك لقمع تمرد انفصالي، لم يملك "الحارث" سفارة بوسنية في أمريكا وكان يجري اتصالاته من كبينة في الشارع أحياناً، وتمكن من استمالة إحدى كبرى الصحف هناك وهي "النيويورك تايمز"، فبدأت تبث أخبار الشعب البوسني المطالب بحريته وكرامته مما شكل تعاطفاً عاماً ونفساً مؤيداً في أمريكا للبوسنيين ورغم تمكن الصرب من استمالة صحف أخرى كـ "الواشنطن بوست"، فلقد مال الكثير من رجالات أمريكا للبوسنيين، ودعا "بل كلنتون" في أكثر من مناسبة لإنهاء حرب البلقان، ولكن أمريكا لن تتدخل لنشر الديمقراطية بالمجان!، كما أن الأطراف المعنية لم تبدي اهتماماً بسلام يشمل استقلال البوسنة فتُرك البوسنيون يواجهون آلة القتل لوحدهم مدعومين بتحسرات وأماني الحكومة الأمريكية!
الخلاصة: لم يملك السوريون تعاطفاً دولياً رسمياً ذو قيمة أبداً، فتركيا دولة متوسطة مقارنة بروسيا والصين! كما أن قطر لاتصنف مع الدول التي قد تشكل حلفاً، وما عاب الجسد السياسي للثورة متمثلاً بالمجلس الوطني حينها عدم القيام بأي جهد دبلوماسي لكسب هكذا حليف! رغم أن المناخ كان ملائماً لكسب فرنسا وحتى ألمانيا على الأقل!، فكانت وسائل الإعلام العالمية تبث الأخبار وفق مزاج غرفها ومراسليها، دون مرجعية سياسية ولا دبلوماسية رغم وجود مجلس من المفترض أن يسد هذه الفجوة
عرض القضية:
أجمعت المنابر البوسنية على عرض القضية في العالم على أنها: مأساة شعب البشناق المطالب بالاستقلال وتقرير مصيره بنفسه، والتحرر من الحكم الصربي الفاشي الديكتاتوري، وابتعد الدبلوماسيون والإعلاميون البوسنيون عن تصوير حربهم على حقيقتها الطائفية البشعة بأنها حرب على المسلمين!

فالإنسان العادي في أمريكا وأوروبا لا يأبه باقتتال بين مسلم وبروتستانتي على أساس ديني خاصةً إذا كان المقتول مسلماً، فلا تلقى هذه الأخبار أولوية ولا اهتماماً حتى، بينما يأبه نفس الإنسان باقتتال بين عرق يطالب بالاستقلال وآخر يريد أخذ أرضه، وحتى في لقاء مع رئيس وزراء البوسنة بعد انتهاء الحرب، كان يصحح للمذيع جملة "قتلهم للمسلمين في البوسنة" إلى "قتلهم لشعب البوشناق" وحين تململ المذيع من ذلك أجابه:
"نحن مسلمون وفخورون بإسلامنا، ولكن قتل مسلم في البوسنة هي قضية المسلمين الذين يواجهون ربما ماهو أقسى، بينما قتل رجل من البوشناق يطالب بالاستقلال هية قضية عالمية!"
واستمرت البعثات الدبلوماسية والصحفية بالتجول بين عواصم العالم طلباً للتأييد والدعم، ولم تتوقف هذه الحملات حتى انتهاء الحرب.
بينما قدم البوسنيون قضيتهم في العالم الإسلامي على صورتها الحقيقية، بإنها استئصال للمسلمين، فلقد تميز الخطاب البوسني بالإتزان ومراعاة الشريحة المستهدفة للحصول على التعاطف المجدي، لا المشاعر الجوفاء!
وربما يطفو إلى السطح السؤال البديهي، ولماذا نأبه بالرأي العام العالمي؟ ويكون الجواب بالانخراط في اللعبة السياسية التي غالباً ماتكون قذرة!، فمن مصلحة "بل كلنتون" أن يقدم نفسه لشعبه بأنه صانع السلام في البلقان، طالما أن قضية البلقان لها أذنٌ صاغيةٌ في الصحف والوسائط الأمريكية، بينما لا يهمه على الإطلاق أن يكون صانع سلام إيران مع عرب الأحواز! فهكذا قضية لن تأتيه ولا بصوت انتخابي إضافي واحد!
الخلاصة:

أخطأت كيانات الثورة السياسية كثيراً بتقديمها للعالم، بل لم تأبه على الإطلاق وانشغلت بتحصيل المقاعد والمكاسب، فحين قررت أمريكا دعم الإنفصاليين من حزب الـ PKK شكلت جيشاً سمته جيش سوريا الديمقراطية، لتتناقله جميع المنابر الإعلامية بهذا الاسم، فيحظى بقبول عام، كما أكدت روسيا على حربها للإرهاب، وتتعمد قنوات الأخبار المؤيدة للنظام بلصق اسم "داعش" و "النصرة" على أي عملية عسكرية يقومون بها، وسمى نظام الأسد المحكمة المختصة بقمع النشطاء محكمة الإرهاب، بينما على الضفة الأخرى كانت جميع منابرنا الإعلامية تثبت التهم والإدعاءات التي يدعيها حلفاء النظام!، فكيف يمكن أن تعرض للعالم أن جيش سوريا الديمقراطية إرهابي، وأن فصيلاً اسمه مثلاً "إقامة شرع الله" هو فصيل تحرري صاحب قضية محقة!
كل تلك الأخطاء وتراكمها قطعت أي فرصة لأي أحد من دعمنا، خاصة من الدول الكبرى أو ذات الوزن الدبلوماسي.
تنحية الخلافات-الرجل المناسب في المكان المناسب:
إبان إعلان البوسنة استقلالها، كان "علي عزت بيجوفيتش" رحمه الله رئيساً، ومن ثم عيّن "الحارث سيلاذيتش" رئيساً للحكومة، وعمل الرجلان بتناغم مذهل خلال سنوات الحرب العجاف، ولكن ما إن انتهت الحرب حتى خرج "الحارث" من حزب "علي عزت"، وأنشأ حزباً جديداً ونافسه على منصب الرئاسة، ولم يلتقي الرجلان في الحياة السياسية بعدها أبداً، وعلّق "الحارث سيلاذيتش" على هذه القضية مقراً بوجود خلافات جوهرية بين الرجلين، فلقد كان الحارث رافضاً للبيان الإسلامي الذي أصدره الرئيس علي عزت، وكان لكل من الرجلين نظرة مختلفة للقضية البوسنية، لم يمنع هذا الخلاف الجوهري الرئيس "علي" من تعيين "الحارث" رئيساً للحكومة، كما لم يمنع الأخير من العمل بإخلاص وجدّ حتى حمل لقب اليد اليمنى للرئيس علي!
وختم الحارث تعليقه على الخلاف بقوله: "لقد كنا في حالة حرب ولامكان للخلاف بيننا والصرب يقتلون شعبنا"
الخلاصة:

أعتقد أن هذه النقطة تصيب الجسد السياسي الثوري السوري في مقتل! كما تصيب تجارباً عربيةً أخرى بنفس المتقل كذلك، نحن أمام كيانات سياسية تطغى عليها منظومة الفساد والسرقات، وتعيين الأقارب، نحن أمام كيانات سياسية يقول أحد أعضائها رداً على تهمة السرقة: "شو مافي غيري عم يسرق من الائتلاف!"، ويقدم النظيف الوطني منهم خطة إنقاذ يعرضها في المحافل الدولية ترتكز على تسمية نفسه رئيساً لسوريا.
نحن أمام كيانات توظف سائقاً براتب 1500 دولار شهرياً، بينما يكون ردها الرسمي على طلب ثوار حلب تزويدهم بجرافة لرفع الأنقاض: "لايوجد لدينا مال".
قيادة عمليات موحدة:
خلال سنوات الحرب الطوال، تطوع كثير من المسلمين والمتعاطفين للالتحاق بالجيش البوسني، ولقد وثّقت الأخبار قتال عدد من صرب البوسنة المسيحيين مع الجيش البوسني ضد الغزو الصربي في سراييفو.
قبلت قيادة الجيش البوسني المتطوعين بكل امتنان ولكنها اشترطت أن يأتوها أفراداً لا جماعات، وخصص البوسنيون مركزاً موحداً لاستقبال المتطوعين، وأعدو فيه معسكر تدريب يشرف عليه البوسنيون، فكان ذلك المركز يخرّج جنوداً مجاهدين يقاتلون وفق الأجندة البوسنية، وتم إعادة كل مخالف لهذه الشروط، وشهدت المعسكرات حالات عودة كثيرة ممن أتى بأفكار وإيدولوجيات لاتتوافق مع الأجندة البوسنية في المقاومة، وتم تذويب القادمين بجسد الجيش البوسني، وتم منحهم الجنسية البوسنية إبان انتهاء الحرب –حصلت مؤخراً أزمة بخصوص هؤلاء بظهور دعوات لتجريد البعض منهم من الجنسية البوسنية ثم تم حل الأزمة لاحقاً-
ومن الأمثلة التي حصلت خلف الكواليس، أن جندياً بوسنياً كان يقاتل بجوار عربي، فأتت شابة لزيارة البوسني تبين لاحقاً أنها صديقته الحميمة وكانت أوروبية المظهر لا ترتدي الزي الإسلامي، مما أثار حفيظة العربي الذي أتى لنصرة أخوانه المسلمين، ولمس قائد المجموعة الارتباك الحاصل، وقال للعربي: "في البوسنة كما في أي بلد يوجد الملتزم والمقصر والعاصي، ولكل منهم الحق في الدفاع عن أرضه وعرضه وشرفه وكرامته"، القصة ذكرها المجاهد العربي الذي تمكن لاحقاً من تقبل الاختلاف بينه وبين زميل السلاح إلى جانبه!
وربما يكون رفض البوسنيين أي مساعدة إيرانية أكبر دليل على بعد نظرهم وقرائتهم للواقع العسكري بحنكة وحصافة عالية، فرفضوا الدعم الإيراني جملة وتفصيلا خشية من عواقبه.
الخلاصة:

حافظت القيادة الموحدة على وحدة الصف، وسدت طريق الأجندات الخارجية، فألف جندي مثلاً بسلاح متوسط تحت إمرة القيادة، خير من ألفين بسلاح ثقيل تحت إمرة دولة أخرى، لقد وقعنا كسوريين في هذا المطب الشائك الذي كان من الصعب جداً تجاوزه أو الانتباه إليه، فبات على الأرض السورية جنود سوريون أوفياء ووطنيون ويملكون السلاح ولا يملكون نصرة حي بجوارهم تحت تهديد قطع الإمداد!، وهذا أقل ضرر حصل، مقارنة بجنود تحولوا لمليشيات ومرتزقة تقاتل من أجل المال.
لا تهاون – تعامل مع معطيات:
طرق البوسنيون كل الأبواب للحصول على سلاح، ونشرت الأمم المتحدة طوقاً بحرياً على البلقان بحجة منع السلاح من التدفق إلى أطراف النزاع، بينما كانت الحقيقة منع السلاح من الوصول للبوسنيين فخطوط الإمداد مفتوحة للصرب والكروات براً، وقال "بطرس غالي" الأمين العام للأمم المتحدة وقتها حين سُئل عن أزمة البلقان: "لدينا قضايا أهم، وهم يكتبون فائضاً من التاريخ!".
اتفاق القوى العظمى على الوضع الحالي ترك البوسنيين لمصيرهم المحتوم، فمن الواضح أن القوى الأوروبية الكبرى كانت ترى تقاسم صربيا وكرواتيا للبوسنة هو الحل!، والخلاف كان على حصة كل دولة منهما.
في حين كان البوسنيون يحاولون الحصول على السلاح بأي طريقة، وطرقوا باب الكثير من الدول العربية والإسلامية، وحتى دول سوق السلاح السوداء.
وتمكن البوسنيون في النهاية من الحصول على شحنتي سلاح قلبت وجه المعركة بعد أن خسروا أكثر من ثلاثة أرباع دولتهم، الشحنة الأولى من دولة لم يتم التصريح عنها –أعتقد شخصياً أنها خليجية- والثانية من باكستان، احتوت الشحنة الباكستانية على مضادات دروع وتمكنت الشحنة من اختراق الطوق البحري الأممي لتوقف تقدم الآليات الصربية إلى داخل العاصمة سراييفو.
وأظهر الصرب واقعية لا توصف خلال أزمة المطار، حين اعتقل الجيش الصربي الوفد الرئاسي البوسني! فاعتقلوا رئيس البوسنة "علي عزت بيجوفيتش" شخصياً مع ابنته ومرافقيه في البعثة الدبلوماسية العائدة من مفاوضات لشبونة.
حادثة كهذه كانت كفيلة بإنهاء أي حرب في أي بقعة أخرى من العالم، أن تكون محاصراً وخسرت أكثر من ثلاث أرباع دولتك، وتتحصن في العاصمة، ويعتقل جيش العدو الوفد الرئاسي بكامله وعلى رأسهم الرئيس!، واجه البوسنيون الحادثة بحنكة عسكرية عالية، فلم يناشدوا الأمم المتحدة لإطلاق سراح بعثتهم الدبلوماسية، ولم يخنعوا تحت عبارات الاستسلام بحجة المصير المحتوم والقضاء والقدر، فضربوا طوقاً على المطار، وأتى ردهم الوحيد على حادثة الاختطاف على لسان القائد العسكري حول المطار: "لقد حاصرنا المطار، وفيه آلاف من الجنود الصرب، لقد فخخنا المجاري تحت الأرض، فإما أن تطلقوا سراح الرئيس ومن معه من الوفد كاملاً وإما ستتناثر جثثكم لتصل إلى قمم الجبال المجاورة".
هدد الصرب بقتل الرئيس، وبدأت الأمم المتحدة التي تواطئت لحصول هذا الكمين –إثر غياب قوتها التي من المفترض أن ترافق الوفد إلى العاصمة سراييفو- بنشر رسائل استنكار اعتقال الصرب للوفد البوسني، واكتفت بتلك الاستنكارات التي تحترفها منذ الأزل، في حين وضعت القوات البوسنية الجيش الصربي المحاصر في المطار أمام خيار واحد: الموت أو إطلاق سراح الوفد.
وانتهت الأزمة بإطلاق الجنود الصرب سراح الوفد مقابل تأمين خروجهم سالمين من المطار، ففي النهاية رفض الصرب أوامر قيادتهم بتقديم أرواحهم مقابل قتل الوفد البوسني!، وأصر ضابط المطار الصربي على إيجاد حل لسلامة جنوده وكان الحل بإطلاق سراح الوفد.
وعلى صعيد آخر، تمت زراعة شرف المنازل في سراييفو لتأمين الطعام، كما تم وصل سراييفو بمطارها عبر نفق بات أثراً تاريخياً إذ أن الطريق البري بات ساحة معركة غير مأمونة، ويذكر أن جميع المهام المدنية قامت بها النساء لانشغال الرجال بالقتال.
الخلاصة:

إن أهم مايميز البوسنيون هنا تحررهم من النصوص والأساطير الدينية، وتعاملهم مع الواقع وفق معطياته فقط مطبقين روح الدين الإسلامي، بالأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم التوكل على الله وكأنها ليست بشيء، فبعد حصارهم المطار ألقى الله القلق في نفوس الجنود الصرب فيه وأطلقوا سراح الوفد، ولو حدثت قصة مماثلة في سوريا –لن نذكر مثالاً لقصة سورية لكي لا ننكأ جروح الخلاف- لوقع السوريون في خلاف هائل عن الحكم الشرعي في هكذا حالة، وماهي حكمة الله من وقوع الوفد في الأسر، والوفد وقع في الأسر لأنه ذهب لمفاوضة الكفار وطلب النصر من غير الله، والوفد وقع في الأسر لأنهم رؤوس فتنة جلبوها على رؤوس البوسنيين الذين "كانوا عايشين"، والوفد وقع في الأسر لأنهم لا يطبقون شرع الله في البوسنة فزوجة الرئيس "بيجوفيتش" ليست محجبة، والوفد وقع في الأسر لأنهم لم يعدوا العدة المادية ولا العقائدية اللازمة لمقارعة هكذا جيش، وعشرات التأويلات التي تجعل رجال النظام يستلقون على ظهورهم ضحكاً، فمقارعة العسكر تحتاج إلى عسكر لا إلى رجال دين! ومقارعة السياسيين تحتاج إلى سياسيين!، لا إلى رجال دين!، وتشترك الشيشان مع البوسنة في هذه النقطة، فكان سير الأمور العسكرية وتنفيذها يأتي من عند "جوهر دوداييف" و "شامل باسييف" لا من عند رجال الدين!، لذلك أخذت الحرب الشيشانية والبوسنية منحى مختلفاً عن السورية!
قراءة الواقع الدولي:
في لقاء تلفزيوني من رئيس البوسنة الأسبق "الحارث سيلازيتش" الذي كان رئيس الحكومة خلال الحرب، قال المذيع: "وبعد قتال دام لسنوات وصمود أسطوري، كيف جائكم الفرج ومن أين؟"
لا شك أن الجواب المرتقب منا كشعوب عربية وإسلامية لا يحيد عن "من عند الله عز وجل"، وهذا الجواب صحيح إجمالاً، فالعدو الصربي جاء من عند الله كما الفرج جاء من عند الله، أما عن التوقيت والاختيار فهو بأيدينا!
أجاب الحارث على السؤال: أتى الفرج بوصول "جاك شيراك" إلى سدة الحكم في فرنسا!
اعترض المذيع وقال: يعني لو لم يأتي جاك شيراك لما أمدكم الله بالنصر؟
أجاب الحارث: كان من المرجح أن نستمر في القتال لسنوات أخرى قبل أن نتداعى وتتم هزيمتنا وتدخل القوات الصربية إلى سراييفو!
كنا قد ذكرنا سابقاً أن البوسنيين استمالوا الرأي العام الأمريكي، ورغم أن "كلينتون" اعتبر إحلال السلام في البلقان ورقة دبلوماسية وسياسية قوية في ملفه، إلا أنها كانت من الرفاهية بمكان!، فلا مبرر للنزول إلى حرب معقدة دون شريك أوروبي قوي يرغب في إنهاء الحرب!
فهم البوسنيون أنهم بحاجة لشريك أوروبي يرغب في إنهاء الحرب والتوقف عن إعطاء الفرص للصرب لإبادة البوسنيين، حاول البوسنيون كثيراً دفع فرنسا وألمانيا وحتى بريطانيا للتحرك لوقف العدوان، إلا أن بريطانيا نأت بنفسها عن الأزمة لبعدها، وألمانيا حافظت على كل مصالحها عن طريق دعم الكروات الطرف الشمالي في الحرب، أما فرنسا وقتها لم تجد أي داع لمجابهة موسكو الداعمة للصرب، بل أعجبت فكرة الحرب الرئيس الفرنسي وقتها "فرانسوا ميتران"، الذي لعب دوراً دبلوماسياً لتعطيل الجهود الدولية والإعلامية حين قام بزيارة لسراييفو وسط الحرب لتغطي وسائل الإعلام هذه الزيارة تحت عنوان "لا شيء في البوسنة!" رغم أن الزيارة تمت بواسطة طائرة مروحية لانقطاع الطرق، والقصف كان يطال العاصمة بكاملها، وذكر قادة البوسنة في أرشيفهم أن "ميتران" فور نزوله من الطائرة توجه للوفد الذي يستقبله وقال: "جميعكم مسلمون! ولايوجد أي شخص غير مسلم بينكم".
وخلال سنوات الحرب لم تتوقف الجهود الدبلوماسية البوسنية عن السعي لاستمالة قوة أوروبية، وكان "جاك شيراك" الرجل المنشود بلاشك، حيث سعى شيراك منذ توليه الحكم إلى إعادة الوزن الفرنسي إلى الساحة الدولية، لتظهر فرنسا كقوة عالمية عظمى من جديد –جميعنا يذكر شيراك كرجل قوي، بينما نسخر من ساركوزي وهولاند!- وكان في إيقاف حرب البلقان أول دليل على صعود فرنسا من جديد.
أرسل البوسنيون الوفود إلى فرنسا، وقدموا ضمانات بإقامة دولة ديمقراطية عادلة فور انتهاء الحرب، بل وأظهروا استعدادهم لقبول قوات أجنبية لضمان ذلك، وفي هذا قال "علي عزت بيجوفيتش" الرئيس البوسني خلال الحرب حين سئل عن القوات الأجنبية على أرض البوسنة: "نعوذ بالله من عدم وجودهم ، و الويل للناس من وجودهم".
و يقول معبراً عن قبول وجودهم مكرهاً رغم إدراك مساوئهم : "إذا كان هناك شيء أردته و كرهته في الوقت ذاته، فهو وجود قوات أجنبية في البوسنة، ولكن أي رجل عاقل إذا خُيّر بين العدو و بين البحر العميق فإنه سيختار أقلهما شراً، فهل يُعد وجود الأجانب أمراً سيئاً لأنهم سلطة دون رقابة؟ و كل سلطة دون رقابة ستتحول حتماً إلى إرادة ذاتية و قد يحصل هذا في البوسنة أيضاً،
لقد كنا نواجه اختياراً دراماتيكياً: إما أجانب (أمريكيون، فرنسيون، بريطانيون) و إما متطرفون محليون، إما العنجهية الأجنبية و إما العنف غير المحدود للمتطرفين و الإنفصاليين الصرب والكروات، إنهما أمران أحلاهما مرّ و لم يكن هناك خيار ثالث، و فضلت وجود أجانب لا يحبونك على وجود محليين يكرهونك",
و هذه عبارات تلخص موقفه منهم وتبرير قبول وجودهم عبر اتفاقية "دايتون" التي هي بحد ذاتها كانت اتفاقية سلام مرّ فُرضت على شعب البوسنة كما وصفها.
ما تم في البوسنة وقتها لخصه "الحارث سيلاذيتش" حين سأله أحد الصحفيين: "لقد قبلتم باتفاقية ساوت بين الضحية والجلاد، وسمحت لقوات أجنبية بالدخول إلى أرضكم بل وبشبه وصاية غربية عليها!" فأجاب: "إنها مسألة نجاة وليست مسألة انتصار!"
أدرك البوسنيون أنه لا انتصار قادم في تلك الحرب وفق المعطيات الحالية، فليس من الممكن أن تنتصر على الجيش الصربي وريث الجيش اليوغسلافي العتيد المدعوم من روسيا لوحدك! بقوات محلية وأسلحة محلية وبلا حليف دولي ولاطرق إمداد! وكم نحن بحاجة اليوم كسوريين لفهم هذه المعادلة البشعة
إن وصول "جاك شيراك" للحكم كان كلوح خشب مر على شخص عالق على جزيرة، وكان عليه جلبه وصناعة سفينة منه، وكان بإمكانه تركه يمر والبقاء عالقاً
الخلاصة: مرت على الثورة السورية عدة مفاصل كان من الأجدى استغلالها، من انتخابات عام 2014 لوصول الملك السعودي الجديد الذي أبدى في البداية استعداداً لعمل شيء ما، لانقلاب مصر، لاستلام "كوفي عنان" منصب المبعوث الدولي، لتفجير خلية الأزمة، لانشقاق رئيس الوزراء "رياض حجاب"، لتسريب ملفات قيصر، وصولاً لمجزرة الكيماوي التي حركت المجتمع الدولي وسببت إحراجاً كبيراً للعالم عامة ولأمريكا خاصة التي اضطرت للقيام بضربة عسكرية خلبية للنظام! والآن باتت الانتخابات الأمريكية قريبة، لا أدري كيف كان من الممكن الاستفادة من هكذا أحداث، ولكن توتر وترقب وهلع النظام كان يدل على خطورة تلك المنعطفات، ما سنذكره أننا لم نشهد أي عمل سياسي كبير من عشرات المعارضين أصحاب البدلات والكرافات الذين من المفترض أن يمثلوننا!.

خاتمة:
اجتمع الروس والأمريكان، وما إن انفض الاجتماع حتى بدأ دك حلب!، ولا أدري لماذا لانرى نحن كسوريين أننا سلّمنا أهم جبهة بدون قتال، وتركناها بدون أي تردد، والحملات العسكرية تنتهي من حيث تبدأ، من غرف الاجتماعات!
إن القتال على الأرض والصمود هو مفتاح الجهد الدبلوماسي، ولن ينفع قتال وصمود سنوات دون هذا الجهد الدبلوماسي.
من بين تلك المعمعة لا يمكن أن نقول أننا نملك شيئاً من الجسدي السياسي والدبلوماسي للثورة حالياً إلا الهيئة العليا للمفاوضات.
وأعتقد أن الحبر المسال في هذا المقال يوضح مدى أهمية إقناع الجهات الدولية بالقضية! ولقد كنا ولازلنا ننخر في جسد ثورتنا من حيث لاندري، وفي الوقت الذي تعلّق كثير من الآمال على جيش الفتح لإنهاء مأساة حلب الحالية، تستعر المعركة الحقيقة في العواصم العالمية في غرف الاجتماعات، ولكن للأسف دون حضورنا
خياراتنا السياسية سهلة وبسيطة، معظم الكيانات الثورية السابقة تفوح منها روائح الفساد، ولن يضع أي أحد يده في أيديهم، فلن يثق العالم لا بالائتلاف ولا بالمجلس الوطني، ولم يبق إلا هيئة المفاوضات العليا لم تتسخ سمعتها بعد، كما أن رأسها الدكتور "رياض حجاب" يملك مقومات رجل الدولة لأنه كان رئيساً للوزراء بالفعل.
يتوجب علينا دعم هذه الهيئة بل وتفويضها حقاً كما فوض ثوار داريا وفدهم المتواجد في دمشق لاتخاذ ما يرونه مناسباً، والدعم ينبغي أن يكون سياسياً وشعبياً ومالياً لكي تبرز الهيئة ككيان ممثل للشعب السوري فعلاً، عندها قد نجد مقعداً في تلك الغرف التي يتم تقرير مصيرنا فيها!
لقد غاب العمل السياسي والدبلوماسي كلياً عن الحراك الثوري، وفي هذه الجبهة اكتسحنا النظام وانعكس الاكتساح على الأرض، منح المجاهدون فرصاً أخرى لإصلاح الوضع سياسياً بصمودهم ولكن دون أي جدوى.
وأختم بالآية الكريمة التي يدور كثير من فهمنا للمعركة حولها: "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا" بالإضافة إلى تتمتها التي تحوي التخفيف.
فلئن حشد النظام ألفاً علينا حشد نصف العدد من المؤمنين الصابرين، ولكن إن حشد بجوار الألف مقاتل عشرة دبلوماسيين! سيتوجب علينا وفق الآية حشد نصفهم وهذا مالم نفعله.
ولئن حشد أيضاً خمسة قنوات إعلامية تغطيه دولياً وتروج لروايته، سيكون علينا حشد قنوات مقابلة.
ولئن حشد مندوباً روسياً وصينياً وإيرانياً ينافح عنه في المحافل الدولية، سيكون علينا حشد مندوبين في المقابل.
وكل هذا لم نفعله! فلم نحقق شرط الآية الكريمة! وبالتالي لانستحق النصر.
اليوم علينا أن ننشد النجاة وأن نحصلها بأيدينا، ولن ننجو مالم نسد الثغرات المذكورة أعلاه.
نسأل الله التوفيق والسداد لهيئة المفاوضات بجولاتها علّها تقدمنا للعالم كشعب يريد حقه! لا كما يقدمنا بقية العالم: كحفنة من المتطرفين! ولهذا أعطى العالم الضوء الأخضر لروسيا في حلب من جديد، وسيعطيه لها وللنظام مراراً وتكراراً.

 


شاهد من قلب الحدث

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
نعم (صوتأ 10) 18%
لا (صوتأ 41) 72%
ربما (صوتأ 6) 11%
تاريخ البداية : 8 فبراير 2017 م عدد الأصوات الكلي : 57