السبت 26 جمادى الآخر 1438 هـ الموافق 25 مارس 2017 م
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
حراك الكبار وزوال الصغار
الكاتب : غازي دحمان
الجمعة 25 مارس 2016 م
عدد الزيارات : 355

تتميّز الفترة التي يعبرها العالم الآن بكونها مرحلة عدم استقرار في تراتبية القوى في النظام العالمي، نتيجة متغيرات في بنية القوة العسكرية والاقتصادية، وصعود توجهات وأيديولوجيات سياسية وأنماط من القيادة تتفاعل مع هذه المتغيرات وتديرها باتجاهات معينة، وهي مرحلة ليست استثنائية على اعتبار أنها تحصل دائما في ظل سعي الدول الكبرى إلى تحسين مواقعها في دائرة النفوذ العالمي.

ويكاد الحراك الدولي أن يشبه حركة البراكين في ثورانها وسكونها، فكما أن ثورانها متوقع على الدوام، إلا أن ذلك لا يمنع حصول فترات سكون طويلة أحيانا، وغالبا ما تبدأ نذر البركان بتصاعد الدخان من فوهته، كذلك تبدأ نذر الحراك الدولي بمؤشرات تتجمع هنا وهناك على شكل قطع منفصلة، لا تلبث أن تشكّل جميعها حيثية لصعود دولة ما على مسرح السياسة الدولية كلاعب جديد يدير جزءا من التفاعلات الدولية، ويطلب بحصة مناسبة لمكانته الجديدة في التأثير السياسي والاقتصاد الدولي.

هكذا تظهر اليوم روسيا والصين لاعبين جديدين يتحركان على مساحة التأثير والفعل العالميين، ويتحديان قواعد اللعبة وأصول الاشتباك التي حدّدتها الولايات المتحدة الأمريكية في العقدين الأخيرين، وعقب تحولها إلى قطب وحيد في منظومة القوة العالمية، حينذاك كان الاتحاد السوفياتي، الذي ورثته روسيا، قد دمّرته عاصفة جيوسياسية هوجاء انتهت بتحطيم كيانه، وكانت الصين تخبئ رأسها خلف أمواج المحيط الهادي طارحة على العالم الداخل عصر العولمة بانبهار، إغراء مدّه بالبضائع الرخيصة في مقايضة تبقي لها وحدتها الجغرافية ونظامها السياسي ونمط حياتها.

لاشك أن هذه الوضعية قدمت إغراء ماكرا للولايات المتحدة الأمريكية التي اكتشفت أن لديها فائض قوة كبير يزيد عن حاجة التحديات الموجودة في العالم بعد زوال الخطر الشيوعي واستقرار أوروبا، وخضوع أمريكا الجنوبية، فحملت واشنطن أساطيلها في رحلة بحث عن مخاطر مازالت باقية أو مختبئة أو حتى محتملة لتحويلها إلى فرصة لاستعراض القوة ترهب بها الكبار قبل الصغار، وليقع اختيارها على العراق وأفغانستان فيما بدا أنه ترجمة لشطحات استراتيجييها الذين ذهبوا يستشرفون التحديات المحتملة لأمريكا في الأفق المقبل، واتفقوا أنها موجودة في العالم الإسلامي.

وانتهت محصلة استعراض القوة الأمريكية إلى تصريف فائض القوة الموجود لديها بالفعل، مقابل تحطيم ركائز العالم الإسلامي في العراق وباكستان، وتغيير مراكز القوى فيه وبداية تمكين إيران، وكذلك بداية ظهور عودة للقوة الروسية وتحرك الصين للبحث عن موقع يتناسب مع مكانتها الاقتصادية، وحجم فوائضها المالية الهائلة.

لقد علمتنا حركة التاريخ أن القوة العظمى عندما تتحرك فإنها تذهب بعيدا عن جغرافيتها، وتترجم قوة حركتها في إمساك مفاصل جغرافية العالم، طرق مواصلاته مواقع ثرواته، هكذا كانت بريطانيا في لحظة عظمتها وفرنسا وهولندا والبرتغال وإسبانيا، أما القوى الناهضة فإنها تبدأ من غلافها الجغرافي عبر محاولات توسيعه والسيطرة على الأقاليم الحيوية القريبة منها، فيما يبدو أنها حركة ماكرة تهدف إلى سبر رد فعل القوة الأكبر في النظام العالمي، والبناء على هذه الحركة، في حال نجاحها، استراتيجيات توسع إقليمية شاملة، هكذا فعل هتلر عبر احتلاله الممر البولندي، وكذلك فعل بوتين في قضمه للأقاليم الجورجية والأوكرانية، وتفعل الصين في توسعة حدودها البحرية على حساب اليابان والفلبين ودول بحر الصين.

لكن أيضا حركة التاريخ علمتنا أن حراك الدول الناهضة لا ينتهي عند حدود الأقاليم المجاورة، فهذه لا توشك، بعد اعتراضات بسيطة من القوى الأكبر، أن تنتهي إلى بديهيات، تطويها التنازلات والصفقات وسياسات تبادل المصالح واستراتيجيات احتواء الخطر، حينذاك تبدأ الأطراف الناهضة بتوسيع جغرافية مصالحها ونطاقاتها الأمنية، وللمصادفة أنها غالبا ما تتركز في المناطق التي يوجد فيها ضعف بنيوي قوي (اقتصادي وعسكري واجتماعي)، وتتراكب هذه الإشكالية مع وجود موقع جغرافي متميز وثروات ابنة عصرها، بمعنى محركة لاقتصاد عصرها "الفحم، القطن، الذهب والألماس، والنفط والغاز".

انطلاقا من ذلك، طالما أنتج الحراك الدولي تغيرات جيوسياسية في مقلب الضعفاء، أغلب التشكّلات التي عليها الدول الضعيفة هي نتاج الحراك الحاصل في قمة هرم النظام الدولي، من مؤتمر برلين 1884 الذي قسّم إفريقيا بين الكبار إلى سايكس بيكو 1916، وصولا إلى تفتيت يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا في تسعينيات القرن الماضي، وكأن مصائر الصغار تنتظر دائما صعود وهبوط القوى الكبرى حتى تستقر أحوالها.

أين العالم العربي من التغيرات الجديدة؟

ما في شك أنه يقع في قلب المخاض، هناك خمس دول تقف في طابور التغيير تنتظر معرفة حدود وإمكانيات التغيير، سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان، جميع هذه الدول تقع تحت سؤال كيف سيكون التشكّل النهائي لها، بعد أن أنهت مرحلة التحضّر، ولا شك أنها لن تكون الوحيدة التي ستسير على سكة التغيير طالما بقيت محركات التغيير الدولية تشتغل على راحتها، وطالما لم ينتج العالم العربي استجابة توازي هذه التحديات.

 

 

عربى21

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تعتقد أن مفاوضات جنيف القادمة ستحرز تقدماً في المسألة السورية؟
نعم (صوتأ 10) 18%
لا (صوتأ 40) 71%
ربما (صوتأ 6) 11%
تاريخ البداية : 8 فبراير 2017 م عدد الأصوات الكلي : 56