الأحد 26 رجب 1438 هـ الموافق 23 أبريل 2017 م
هل تتوقع أن تسهم الضربات الأمريكية في إيقاف مجازر روسيا والنظام بحق الشعب السوري؟
بوابة العبور
الخميس 4 فبراير 2016 م
عدد الزيارات : 3346

المقدمة:

في ظل الوضع الراهن والخطير الذي تمر به ثورة الشام الكل يبحث عن حلول، الكل ينادي بوحدة الصف واجتماع الكلمة ولعل البعض لم يجد إلى الآن الباب الذي سيلج منه إلى تلك النتيجة.
1- النظر في تجارب الأمة

وإن مما يفيد في ذلك النظر في أحوال من سبقنا، فإن النظر في تاريخ وتجارب الأمة والأمم السابقة هي دعوة إلهية ربانية، وما أكثر أمثلتها في كتاب الله وسنة رسول الله الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الله تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )يوسف111. وقال جل جلاله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الروم9.

والآيات في هذا الباب أكثر من أن تحصى، ولقد جمعت سورة الذاريات أخبار أقوام بني إسرائيل، وعاد وثمود ونوح وإبراهيم وفي هذا ما فيه من الإرشاد الإلهي بأخذ العبرة والعظة ممن سبق.

وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لأصحابه أحوال الأمم الماضية فمن ذلك: "لقد كان فيمن كان قبلكم...". البخاري/3689

فهو في ذلك كله يوجه أصحابه وأمته للنظر وأخذ العبرة من تجارب من سبقهم.
2- أعداء الله عذاباً يعذب الله بهم من عصاه

إن أعداء الله من اليهود والنصارى عليهم لعائن الله المتتابعة لما عصوا الله وكذبوا المرسلين وافتروا على الله الكذب وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة ضربهم الله بالذلة إلى يوم الدين، فكانوا مشردين محتقرين أينما كانوا، لا يقوم لهم سلطان ولا دولة، ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، فجعلهم الله عذابًا يعذب به من عصاه، لأنهم لا رأفة لديهم ولا رحمة عندهم، أو بحبل من الناس ليضرموا فيهم نيران الحروب لمصالحهم الشخصية كما هو الواقع اليوم، وقد قضى الله سبحانه أن يمكنهم في الأرض فيفسدوا فيها مرتين وتكون لهم دولة تعلو علوًا كبيرًا، كما قال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) الإسراء:4

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي يتجبرون ويطغون ويتجرؤون على الناس" تفسير ابن كثير5/47، يسلطهم الله على من يشاء من عباده بلاء وامتحانًا ثم يسلط عليهم من عباده من يسومهم سوء العذاب، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله لأنهم يسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين، ولكنه يجعلهم عقوبة على من يستحق العقوبة، فهم دائما وأبدًا يحوكون المؤامرات ويعقدون الندوات العلنية والسرية لكيد المسلمين ويخططون للقضاء عليهم والاستيلاء على أنفسهم وأموالهم ويراقبون المسلمين مراقبة دقيقة لينتهزوا الفرص فيهم لينقضوا عليهم، وقد علموا من واقع التاريخ أنه لا قوة لهم على المسلمين ما داموا متمسكين بدينهم، ولكن لما رأوهم زاهدين في دينهم غير مهتدين بهديه وقد تمكنت منهم الدعايات المضللة حتى رموا الإسلام بالنقص، واستمدوا نظام حياتهم من القوانين الوضعية، شمروا عن ساق الجد وانقضوا عليهم كالأسد الصائل قد فطر الغيظ والحقد أكبادهم غير مبالين بكثرة عددهم.
أين الأندلس وخيراتها؟! أين فلسطين وجناتها؟ أتخلى عنها أهلها طائعين ورضوا بأن يكونوا لاجئين مقهورين، تؤخذ أموالهم، وتستباح دماؤهم؟ لا والذي فطر السموات والأرض ولكن حاقت بالأمة ذنوبها وغفلتها عن ربها، وتهاونت بأوامر الله حتى صارت إلى ما صارت إليه، يقول الله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) الفرقان77.

وإن ما أصابنا اليوم من تسلط الأعداء وتأخر النصر وتكالب الأمم هو بسبب ذنوبنا.

إن التهاون بأوامر الله والمداهنة في دين الله سبب للهلاك، وسبب لرد الدعوات وتسلط الأعداء..

أين نحن اليوم من الصلاة التي هي عمود الإسلام؟

أين نجد أبناءنا عند النداء بحي على الصلاة؟

أفي المساجد أم في الشوارع أم مع المخلفين في البيوت؟

كنا في زمن الراحة نشكو من قلة المصلين في صلاة الفجر، أما اليوم ونحن في زمن الشدة والحال أن يزيد الإقبال والاتصال بالله فصرنا نشكو من قلة المصلين في جميع الصلوات.

إذا كان هذا حالنا مع الصلاة التي هي أظهر وأعظم شعائر الإسلام، فكيف بما دونها من الفرائض؟!

إن حظ العبد من الإسلام بقدر حظه من الصلاة، هي صلاة لأنها صلة بين العبد وبين ربه في كل يوم وليلة يناجيه خمس مرات متطهرًا متوجهًا إليه خاضعًا بين يديه يمجده ويثني عليه ويستعينه ويستهديه في كل ركعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الفاتحة5. ويستغفره من ذنوبه ويعترف له بعيوبه مقرًا بألوهيته وعبوديته، شاكرًا له على سوابق نعمه ممتثلًا ما أمره بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر60، فيكون قد استحق من الله الإجابة لأنه لا يخلف المعاد.

أما إذا أعرض العبد عن الله وانغمس في شهواته واتخذ إلهه هواه وسخط على الله وسخط على الخلق ولم يقبل عن الله أمره ولا حكمه ولا بلاءه ولا نعماءه وكله الله إلى نفسه وخلى بينه وبين أعدائه..

نعوذ بالله من الخذلان والبعد من الرحمن..

فالحذر الحذر أن يكلكم الله إلى أنفسكم ويخلي بينكم وبين أعدائكم، فالله الله عباد الله،

اعتصموا بحبل الله واغضبوا لغضبه وارضوا لرضاه ولا تداهنوا في دينكم وتتقاعسوا عن واجبكم وجهادكم، ردوا المظالم إلى أهلها، وتضرعوا إلى الله بكشف البلاء فالمؤمن عند البأس يتضرع، ولا تكونوا ممن قست قلوبهم، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام43

إن كلًا منكم مسؤول أمام الله، واعلموا أن الذنب إذا خفي لا يضر إلا صاحبه، وإذا ظهر ولم يغير عم الجميع، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ الأنفال 25.

لقد تساهل كثير من شبابنا اليوم وجانبوا المساجد إلا من هدى الله، وتجرأت نساء كثير منا على التبرج ومخالطة الرجال، وهذا الذي يسبب مقت الله، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ولو قام كل فرد منا على من تحت يده لصلح وصلحوا، ولكن لما ترك الحبل على الغارب استهانوا به وزينت لهم أنفسهم ما صنعوا، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) ابن حبان/305 وغيرهوصححه الألباني.

يقول ابن تيمية رحمه الله: (فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت عليهم الأعداء، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة وأخذوا الثغور الشامية شيئا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس فى أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة إلى أن تولى نور الدين الشهيد وقام بما قام به من أمر الاسلام وإظهاره والجهاد لأعدائه، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى فأنجدهم، وجرت فصول كثيرة إلى أن أُخذِت مصر من بني عبيد، أخذها صلاح الدين يوسف بن سادي وخطب بها لبني العباس، فمن حينئذ ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين الإسلام مائة سنة.

إلى أن قال:
فلما ظهر فى الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط عليهم الكفار، ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين نصرهم الله على الكفار تحقيقا لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الصف 10-12.
وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام كانوا منصورين على الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم، فلما ظهر منهم ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سلط عليهم الكفار. الفتاوى 13/178

3- نقطة مشتركة بين كل مراحل انتكاس الأمة

فخذ على سبيل المثال الهجمة الصليبية على بلاد المسلمين، وكذا غزو التتار، وكذا الاستعمار الحديث لبلادنا، وكذا الإرهاب الأسدي على شعبنا، نقطة الارتكاز الأساسية فيها هي عامل الضعف الداخلي في المجتمعات، المريضة قلبيا.

فمن أعان التتار والإنكليز والفرنسيين...، إلا الخونة والجبناء.

من هم أعوان النظام المجرم اليوم إلا مرضى القلوب بل موتى القلوب من أبناء هذا البلد،كانوا في صفه وفي خط الدفاع عنه قبل الروافض وقبل الروس وقبل غيرهم.

إن الناظر في كل الانتكاسات الحادة التي مرت بها أمتنا وعلى مرّ التاريخ البعيد والقريب، القديم والحديث، ليجد أن النقطة المشتركة بين كل الأسباب هي الضعف الداخلي لأفراد الأمة وهو العلة الرئيسية، فالضعف الداخلي ناتج عن أمراض القلوب، فالذي يخون أمته ويعمل لصالح أعدائها، إنه لا بد ولا محالة مريضٌ قلبُه..

ومن مرض القلوب غياب فقه التعامل مع البلاء عن الناس، وغياب فقه الصبر، وفقه الجهاد، وفقه التضحية، وفقه البذل، وفقه الإيثار، وفقه تقديم مصلحة الإسلام على المصالح الشخصية، وفقه التعلق بالله وبقدرته وأنه على كلِّ قدير بدل التعلق بالأسباب المادية وحدها وترتيب النتائج عليها.

وإذا ما عرفنا أن القلوب المريضة هي نقطة الارتكاز في كل مصائب الأمة على مر تاريخها، أيقنا حينها أهمية قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). البخاري/52، ومسلم /1599

والصلاح والفساد لا يعم الفرد وحده بل يعم الأمة برمتها.

وصلاح القلوب بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه وعبادته وطاعته، ففي ذلك حياة القلب الحقيقية قال تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) التغابن11.

وقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال 24.

ومنطلق هذه الاستجابة هي القلب: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد16.

والقلوب كما هي بقية الأعضاء تمرض ومرضها الذنوب ودواؤها التوبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله، (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين14. الترمذي/3334 وحسنه الألباني.

فيا من تبحث عن الدواء لقلبك اسمع هذا النداء: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) يونس57.

إذا وصلنا بالنتيجة إلى أهمية القلب، وعظم شأنه، أدركنا لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن البغضاء وفساد ذات البين- ذلك المرض القلبي – أنها الحالقة.

روى الإمام الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة) الترمذي /2508 وحسنه الألباني.

وفي الأدب المفرد: "ألا أحدثكم بما هو خير لكم من الصدقة والصيام، صلاح ذات البين، ألا وإن البغضة هي الحالقة". الأدب المفرد/112، وصححه الألباني.

فما أحوجنا اليوم في الشام المباركة من صفاء القلوب وصلاح ما بيننا، فهذه هي بوابة العبور الأولى حتى نصل إلى وحدة الصف وجمع الكلمة وننقذ أمتنا من جحيم الفرقة وخطورة ذلك.

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تتوقع أن تسهم الضربات الأمريكية في إيقاف مجازر روسيا والنظام بحق الشعب السوري؟
نعم (صوتأ 8) 30%
لا (صوتأ 15) 56%
ربما (صوتأ 4) 15%
تاريخ البداية : 8 أبريل 2017 م عدد الأصوات الكلي : 27