السبت 1 رمضان 1438 هـ الموافق 27 مايو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون
الجمعة 1 يناير 2016 م
عدد الزيارات : 3878

روى البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ للبخاري أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي في طلب شيء يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج. قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال: الآخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدَّ إلي أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون".
هذه القصة العظيمة فيها فوائد جليلة  لابد لنا نحن السوريين خاصة والمسلمين عامة أن نستلهم منها العبر والعظات:
فهي ترشدنا إلى سبيل الخلاص والنجاة  عند نزول المصائب وحلول الكربات، وتراكم البلاء والضراء، والهموم والغموم، ويصدق عليها ما أطلقه السوريون (ما لنا غيرك يا الله)، فحين تدْلَهِمُّ المصائب ويعظم الخَطْبُ وينقطع الرجاء من العباد، وتغلق الخلائق أبوابها، وييأس المظلوم من نصرة البشرية له، يبقى باب واحد مفتوحاً وهو باب الخالق الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الذي يسمع ويرى والذي يكشف البلوى ويزيل الهمّ، ويجلي الحزن والغم، ويجيب المضطر إذا دعاه، ويسمع أنين المريض والمظلوم والمكلوم إذا ناجاه.
فقد حوصر هؤلاء الثلاثة الصالحون، بعد أن انطبقت عليهم الصخرة في غار ضيق، فأحكمت الصخرة خناقها عليهم، وأحاطت جدران وصخور الغار الأصم بهم، واشتد الحصار عليهم، وانقطعت الحيل لديهم، فلا وسائل اتصال، ولا من يسمع استغاثاتهم وصراخاتهم ونداءاتهم أحدٌ من البشر، مع المطر والريح خارج الغار، ولا شك أن طعامهم سينفذ وشرابهم سينتهي، هذا إن كان معهم طعام وشراب، وشبح الجوع سيحاصرهم، وينهي حياتهم.
حالهم يذكرنا بأهالينا المحاصرين وفي الغوطتين وحمص وباقي البلدان المحاصرة. وحال المعتقلين القابعين في سجون الطغاة الظالمين في سوريا الجريحة، حصار وسجن كبير وصغير،وجوع أضف إلى ذلك الخوف والهلع والتشريد والتعذيب والنزوح والقتل والأشلاء والدماء.
في مثل هذا الظرف العصيب، والموقف الرهيب، والحال المخيف العجيب، يعلم المؤمن يقيناً أنه لا نجاة له إلا بالله ولا ملجأ له إلا الله، ولا مهرب ولا مغيث له إلا الله. ولا مخلص له إلا العليم الخبير الذي يعلم حاله ومكانه وحاجته، لا تخفى عليه خافية.
بل حتى  غير المؤمن في مثل هذه الأحوال يرجع إلى خالقه ومبدعه،  فقد ذكر الله تعالى حال الكفرة حين تحيط بسفنهم أمواج البحر والرياح العاصفة، فتضطرب سفنهم، فلا يسعهم إلا اللجوء بفطرتهم إلى خالقهم الذي لا ينجي إلا هو فيتضرعون ويلجؤون ويدعونه وحده دون آلهتهم، فقال سبحانه وتعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22]، وقال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان:31]
هذه القصة فيها عبر وعظات منها:
1- ضرورة الاتحاد والاجتماع وعدم الاختلاف والفرقة
وخاصة في وقت الأزمات وحلول المصائب، فالثلاثة همهم واحد ومصيبتهم واحدة وكلهم  مكلوم ومصاب ومهموم ، فاتحدوا كلهم وأخلصوا بالدعاء، ولم يقل واحد منهم أن هذا الأمر لا يخصني. وعلى السوريين أن يتحدوا  ويجمعوا أمرهم وتتفق كلمته للتخلص من الظلم والمصاب الذي حلّ بدارهم.
2- التفكير والتخطيط الجماعي وتحقيق مبدأ الشورى لإيجاد المخرج من المصائب والنوازل.
3- تقوى الله والصلاح:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2]
4- التوكل على الله وحده مع اتخاذ الأسباب للنجاة من الكربات: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3].
5- أهمية العمل الصالح، ويكون شاملاً متكاملاً بين أفراد الأمة المسلمة جميعها فكل فرد على ثغر، وهذا  هو السبيل الوحيد الذي سيزيل الصخرة الجاثمة على صدر الأمة.

ومن العمل الصالح برُّ الوالدين ومخافة الله والعفة عن الحرام في المطعم والمشرب والمنكح، وأداء الأمانة وحفظ  الحقوق والأموال كما ورد في القصة وغيرها من الأعمال الصالحة المعروفة، فالأعمال الصالحة وقت الرخاء يستفيد منها الإنسان وقت الشدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة) .
6- الإخلاص في العمل لوجه الله تعالى حيث قال كل واحد من الثلاثة: (اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) .
7- التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة.، فهو من التوسل المشروع،وهي نافعة ومفيدة، ولا سيما عند الشدة.
8- الصدقة على المحتاجين والفقراء والإحسان إليهم، وعدم استغلال حاجتهم وفاقتهم، سببٌ لتفريج الكربات، كحال الرجل الثاني في القصة الذي تصدق بالذهب على المرأة وترك الفاحشة . فترك الفواحش والمنكرات، وكثرة الصدقات وقت الأزمات وغيرها سبب لانفراجها. فكم من صدقة شفى الله صاحبها من مرض ووقاه مصارع السوء.
9- الدعاء والتضرع واللجوء إلى الله في السراء والضراء، وعند حلول الكرب والبلاء والاعتصام به والاحتماء بحمايته: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
فياأيها الصالحون من هذه الأمة الذين لهم خبايا من الأعمال الصالحة الخفية،  أكثروا من الدعاء وتوسلوا بها إلى  الباري رب الأرض والسماء ليكشف الهم ويزيل البلاء.
10- أن الابتلاء بالشدائد من سنة الله تعالى في عباده المؤمنين، وعلى قدر الإيمان يكون الأجر والابتلاء، فما يصيب إخواننا في سوريا من هم ولا غم ولا كرب ولا خوف إلا لهم به أجر بإذن الله، إن احتسبوا وصبروا ولم يجزعوا.
11- كم في ثنايا المحن من المنح، فهذه الكربة التي مرت بهؤلاء النفر صارت عظة للأمم من بعدهم، يقتدي بهم أهل الإيمان في صالح أعمالهم .
12-  طلب الفرج من الله وحده، وتعلق القلب به وحده سبحانه، دون غيره. وعدم اليأس والقنوط، فالنصر والفرج منه وحده، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف : 110] وقال سبحانه: {سيجعل الله بعد عسر يسر} [الطلاق : 7]
وقيل:
      ولَرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرج
    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكان يظنها لا تفرج

وقيل:
إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطئت المكاره واطمأنت *** وأرست في مكامنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضر وجهاً *** ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث *** يمن به اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت *** فمقرون بها فرج قريب

"وكم قصّ سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد صلى الله عليه و سلم مع أعدائه وإنجائه منهم كقصته في الغار ويوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب ويوم حنين وغير ذلك".
13- انتظار الفرج والصبر على المصائب أجرها عظيم، فإن مع العسر يسرا وإن مع العسر يسرا، والنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب. وفي وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)، وقيل: إذا اشتد الأمرُ هان.
إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

وعند تناهي الشدة تكون الفرجة، وعند تضايق حلق البلاء يكون الرخاء.
ضاقت ولو لم تضق لمّا انفرجت *** فالعسر مفتاح كل ميسور
وقيل:
اشتدي أزمة تنفرجي *** قد آذن ليلك بالبلج
فلا بد من التفاؤل والرجاء مع الصبر:
لا تيأسن من انفراج شديدة *** قد تنجلي الغمرات وهي شدائد

فمهما طال الألم لابد من اقتراب الأمل، ومهما طال الظلام فلا بد أن ينجلي، ويبزغ الفجر وتسطع الشمس، ومهما اشتد الحصار فلا بد للصخرة الصماء  أن تنفرج، والرجاء كبير في الله وأملنا عظيم  بأن تنجلي كربة أهلنا في الشام وتنفرج، حتى نخرج من ظلم الطغاة، ونمشي في عدل الأباة.

فالنفوس تواقة لزوال صخور  الظلم والخداع والغش والاعتداء والعداء ونهب الخيرات والفجور والشرك والبدع والخرافات، التي جثمت على صدور  أهل السنة في سوريا، طيلة خمسة عقود، وسدت أبواب الخير والمعروف، فآنَ لهذه الصخور أن تتحطم وتتكسر  على عبير الدماء الزاكية وأشلاء المظلومين، وهامات الأشاوس، لنخرج إلى عالم ومجتمع  عادل رحيم يحبه الله ورسوله، فنمشي ونحن مطمئنين نعبد الله كما أراد وشرع، وطريق الحرية مرسوم بين أعيننا.
ونكون كحال هؤلاء الثلاثة الصالحين، وتكون الخاتمة كخاتمتهم "فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون".
اللهم إنا نتوسل إليك بحبنا لك ولدينك ولكتابك و لنبيك ولصحابته الكرام أن تفرج الكرب وترفع البأس عن أهلنا في سوريا.

 

 

نور سورية

محمدالحريري | الاردن 03/01/2016
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع الهام الذي نحن بحاجه الى ان ندعوا الله بعمل
اخلصنا به الى الل.… اللهم اذا كنا عملنا عملا خالصا لوجهك الكريم فرج عن اهل سوريا اجمعين.. 
جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 15) 22%
لا (صوتأ 47) 70%
ربما (صوتأ 5) 7%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 67