الاثنين 26 شعبان 1438 هـ الموافق 22 مايو 2017 م
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
العودة إلى التربية القرآنية.. الإسلام والوثنية
الأحد 13 ديسمبر 2015 م
عدد الزيارات : 6637

اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتوضيح العقيدة وتحديد معانيها والحرص على تلقيها، وإقامة دلائلها، وذلك من خلال ايضاحها للمسلمين ومن خلال فضح الضالين المنحرفين عنها، وبيان سبب ضلالهم كما في أكثر سور القرآن، وحتى تبقى هذه العقيدة نقية واضحة قام الإسلام بسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه، وأبان بشكل جليّ الفصل بين الخالق والمخلوق، فلا يؤله الإنسان ولا يؤنس الإله، لا اتحاد ولا حلول بين الإنسان والإله الواحد الأحد، هو الخالق وهو الذي يستحق العبودية، وكل ما عداه عبيد له: الملائكة والنبيون وسائر الإنس والجن.

والله سبحانه يُعرف بآياته في الآفاق والأنفس، ولا يسأل عن كنهه، جاء في القرآن على لسان فرعون "قال فمن ربكما يا موسى، قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (طه / 49 ــ 50) وفي آيه أخرى: (قال فرعون وما رب العالمين قال: رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين) الشعراء/ 23 ـ 24 وقال تعالى: (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم) الأنعام/ 96

إنّ أعظم تربية للشعوب هي أن تُنْزع من نفوسهم (الوثنية) بشتى أشكالها وأنواعها، سواء تقديس الأشخاص أو الأشياء، فإذا أزيلت هذه الوثنية يصبح الإنسان حراً على الحقيقة لا تستعبده الأشياء (تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة...) "فالإنسان تفتنه الصورة ويتعلق بالأصوات والألوان وقد نقل الإسلام الأعياد من معناها الوثني إلى حقيقتها وهي الارتباط بنعمة الدين والاهتمام بالجانب الاجتماعي، وجعلها تدور مع فصول السنة، فالأعياد لا تأتي في فصل الربيع والمسلمون لا يحتفلون بمجيء الربيع كما تحتفل الأمم التي ورثت أعيادها من الوثنية (النيروز) مثلاً "(1)

إذا أزيلت هذه الوثنية فإن الإنسان لا يتشاءم من حوادث معينة، ولا يطلب المساعدة من الأموات، ولا يتوهم أشياء غير حقيقية، وعندما ينهى القرآن عن عبادة الأوثان فهو لا يقصد التماثيل فقط وإنما أيضاً ينهى عن عبادة الأشياء.

وتأتي ضرورة وأهمية هذه التربية لأن الوثنية قريبة من نفوس البشر، فهم يميلون إلى الأشياء المحسوسة المادية، هي أقرب إليهم من الأشياء المعنوية أو التي في عالم الغيب، فإذا جاء من يتلاعب بعقولهم سهل عليه الأمر، وذلك لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم، وهؤلاء قوم موسى عليه السلام، بعد أن أنجاهم الله من فرعون لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يقاوموا إغراء الوثنية فصنعوا العجل وعبدوه فالوثني يعبد منتوج يديه، وكأنه يعبد نفسه.

وقد نظر اليونانيون قديماً إلى الكواكب نظرة وجل ورهبة، فاتخذوها آلهة واعتبروا الكائنات العلوية مقدسة. وبسبب هذا النظر إلى المحسوس كثرت التصاوير والتماثيل في المعابد والكنائس، وفي الهند يدفع سدنة المعابد العوام للتهافت على الصور، وعلى إيذاء أنفسهم تقرباً إلى الأصنام.

أليس من العجب أن نرى رجلاً عاقلاً يسجد لحجر أو يقدس بقرة أو يظن أن نحسه وسعده معلق بشيء يضعه في عنقه؟!

إن غالب الأديان والمذاهب التي خالطها الشرك يتكون حولها طبقات من السدنة والدجالين لاستجلاب المنفعة المادية (صكوك الغفران) الذي كان في الكنيسة، وكذلك المال الكثير الذي يدفعه عوام الشيعة إلى آياتهم ومراقدهم، بل إن كثرة الانشقاقات في صفوف الشيعة وإبراز في كل عصر مهدي جديد أو حركة جديدة لا يخلو كل ذلك من المنفعة المادية. والدين الحق ليس هكذا، إنه دين التضحية بالمال والنفس والوقت، وليس التلاعب بعقول المغفلين.

إنّ من آثار الابتعاد عن الشرك والوثنية وتحقيق التوحيد الخالص في الحياة الدنيا أنه يحرر الإنسان من سيطرة الأوهام أو الخضوع لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله (أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه) ولا جرم أن العقيدة هي أساس التفكير، فإذا رُبيَّ العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة، وشبَّ على البحث عن الحقائق ولذلك فإنه عندما يضعف العلم بالكتاب والسنة يرجع بعض الناس لمشابهة المشركين، فينصبون (الأقطاب) (والأوتاد) الذين يتصرفون في الكون، يدعونهم من دون الله ويقدسونهم.

إنّ الخضوع لغير الله وعبادة غير الله هو تعطيل لمواهب الإنسان وإذلال لنفسه، وإفساد للقوى الإنسانية، فالقوى العقلية والنفسية تصبح مقيدة بالمعتقدات الباطلة، ففي جاهلية العرب قبل الإسلام، كان هناك شيء غامض مظلم يفرض سيطرته الغاشمة على صيرورة الحياة إنه يسبب المعاناة والبؤس للوجود الإنساني، إنه الدهر يقول شاعرهم امرؤ القيس:

أبعد الحارث الملك ابن عمرو ***  وبعد الخير حجر ذي القباب(2)
أرجي صروف الدهر ليناً *** ولم تغفل عن الصم الهضاب

هذه رؤية للحياة غاية في الكآبة، إنها سلسلة من الحوادث فاجعة، بينما يقدم القرآن الكريم صورة مختلفة تماماً للوضع الإنساني، إنه مشهد الحياة الأبدية، فالله سبحانه وتعالى هو المهيمن على شؤون الإنسان، وليس الدهر والله عادل لا يظلم أحداً، والموت وإن كان مقدراً، ولكنه مُستهل للمؤمنين بنوع مختلف من حياة الخلود وهي الحياة الحقيقية.

إنّ التوحيد الخالص والإيمان بإله واحد متصف بجميع صفات الكمال والحق والعدل والرحمة والقوة من شأنه أن يجعل قوى الإنسان لا تتقيد إلا بالحق والعدل والخير ، وهي عقيدة حافزة للإنسان على عدم الرضا بالظلم والقهر.

ليس في الإسلام كهنة أو قديسين هم واسطة بين العبد وربه، بل هي إرادة حرة كريمة (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال الذل والعبودية لغير الله، فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس كما يفعل الرؤساء والملوك ونهاهم عن الانحناء له، ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه: عبدي وأمتي، بل يقول: فتاي وفتاتي، كما أكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد.

ولهذا تكرر في القرآن ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون، لأن فرعون ادعى الربوبية، أي السيد الذي له حق الطاعة المطلقة، ولذلك قال: (أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي) وقال موسى (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل).

إنّ ميزة الاسلام الأساسية من بين الأديان والملل والنحل الموجودة اليوم هو هذا الصفاء في الاعتقاد، ومعرفة حقيقة الإنسان وما خُلق له (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) هذه الغاية من الخلق تتيه فيه البشرية اليوم، وهي تتخبط في وثنيات متعددة، سواء كان شركاً لله في الحكم والأمر أو عبادة لأوثان اختلقوها، سواء كانت مادية أومعنوية، وهذا كله معاند للفطرة المركوزة في الإنسان، لذلك هو يعيش في شقاق ويهرب البعض إلى الإلحاد أو الشك في الأديان والقيم، ويظهر هنا وهناك مذاهب فكرية وأزياء فكرية ربما يحاول بعضها الوصول إلى الحقيقة، وهذا قد يكون إيجابيا ويدل على حيوية أصحابه الذين يطرحون ما عندهم من أفكار ويأتي غيرهم فينقدها، وبعض هذه الأفكار هي أقرب إلى العدمية، وبعضها بحوث جادة في النفس الإنسانية ويكاد بعض من يكتب في هذا الاتجاه أن يقترب من الإسلام.

والسؤال هنا: كيف نعرض الإسلام في هذا الاضطراب وهذا الصراع الفكري، هل نحدثهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتحدث عنه كثيراً بعض الدعاة اليوم(3)

بينما في الثقافات الأخرى هم في الحقيقة يبحثون عن الغايات والأهداف في هذه الحياة، لا أظن أن موضوع الإعجاز سيبهرهم ولكن صفاء التوحيد وغايات الخلق كما تحدث عنها القرآن ومعنى الربوبية والألوهية ورأي الإسلام في الحلول الاجتماعية لمعاناة الإنسان، وتحرير الإنسان من الأوهام ومن الخضوع للأشياء، هذا هو الطريق الأنجع والأفضل لعرض الإسلام.
---------------------

1 ــ عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا في الإسلام / 28 .
2- يتحدث الشاعر عن أبيه حجر بن الحارث الذي كان ملكاً على قبيلتي أسد وغطفان ثم ثار بنو أسد وقتلوه ، والقباب ج قبة وهي الخيمة من الجلد وكثرتها تدل على الملك والكرم
3 ــ هذا إذا سلمنا لهم بكل ما يقولون .


المسلم

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل ترى أن اتفاق "خفض التوتر" سيسهم في حل الأزمة السورية؟
نعم (صوتأ 13) 22%
لا (صوتأ 41) 71%
ربما (صوتأ 4) 7%
تاريخ البداية : 5 مايو 2017 م عدد الأصوات الكلي : 58