الجمعة 22 ربيع الآخر 1438 هـ الموافق 20 يناير 2017 م
هل تعتقد أن مؤتمر الأستانة سيشكل مفتاحاً لحل القضية السورية؟
كيف فشلت الكثير من المنظمات والحركات الاجتماعية التطوعية؟
الأربعاء 7 يناير 2015 م
عدد الزيارات : 688

عايشت في السنوات الثلاثة الماضية نشوء منظمات تطوعية ذات أهداف سامية بعضها نجح وبعضها فشل وبعضها اختفى وبعضها تعثر. كنت جزءاً فاعلاً في بعضها ومراقباً لبعضها الآخر.

تعلمت (وتعلم الكثير مثلي) الكثير من الدروس عن نشوء هذه التجمعات من خلال أسلوب التجربة والخطأ. وكنت دائماً عندما أكتشف الحقائق وأتعلم من الفشل أتمنى لو أن أحداً دلني أو علمني قبل الوقوع في الأخطاء. كنت أكتشف بعض الأخطاء بالخبرة وبالمطالعة ولكن الكثير مما تعلمت كان جراء الوقوع بالخطأ.

أعتقد أن الوقت الآن مناسب جداً لأذكر لكم بعضاً من الدروس التي تعلمتها.

الكثير من أسباب الفشل والتعثر هو بسبب نشوء الخلافات داخل هذه المنظمات حول آلية العمل أو اتخاذ القرار. وذلك على الرغم من أن الكثير من هذه المنظمات تطبق الانتخابات وتتخذ القرار بالإجماع وتفتح المجال لكل شخص أن يصدر الفيتو الخاص به على أي قرار. ولكن للأسف تفشل في النهاية. لماذا؟

يحتار الناس عجباً في سبب فشل هذه المنظمات الناشئة التي غالباً ما تتمتع بكل مقومات المنظمات الكبيرة والناجحة بدءاً من لجنة عامة منتخبة، ومجلس تنفيذي منتخب وهيكل إداري ونظام داخلي وغيرها من المقومات التي يؤمن معظم الناس أنها ضرورة لنجاح المنظمات.

أضف إلى أن الكثير من هذه المنظمات والحركات الاجتماعية جاء بالاستشاريين ليطبقوا على منظماتهم الناشئة أفضل نظريات الإدارة والتنظيم الإداري.

للأسف لا يعلم الناس أن سبب تعثر وفشل المنظمات الناشئة هو كل ما ذكرت لكم أعلاه. نعم كل ما ذكرت لكم.

القاعدة وربما السر الذي لا يعرفه الناس أن ما ينطبق على المنظمات الكبيرة لا ينطبق على المنظمات الناشئة والصغيرة. وهذا المبدأ أصبح معروفاً مؤخراً في أدبيات ريادة الأعمال وللأسف مازال القليل من الناس من يعرف هذا الأمر.

المنظمات الناشئة تحتاج إلى المرونة والسرعة والكلفة الأقل لأداء عملها وكل ما ذكرت لكم من ضوابط (مثل لجنة عامة منتخبة، ومجلس تنفيذي منتخب وهيكل إداري ونظام داخلي وغيرها.) هي أشياء تقيد عمل المنظمة الناشئة وتزيد من أعبائها بل وتقضي عليها في المهد. نعم ستقضي عليها بالفشل بكل معنى الكلمة!!!

كنت كلما سمعت عن منظمة جديدة ستنشأ ويقولون لي أنهم مشغولين في إجراء انتخابات ونظام داخلي وكنت أقول لهم أبشروا بالفشل نعم وكانت كل توقعاتي مصيبة. من أراد الاطلاع على المقالات العلمية التي تثبت ذلك فسأرسلها له.

الكثير من الاستشاريين الذين جاؤوا بهم طبقوا علوماً ونظريات بالية لا فائدة منها سوى تشويش المنظمات وإشغالها بمهام لا فائدة منها. ذاكرتي مليئة بقصص عن دور هؤلاء الاستشاريين في التنظير على هذه المنظمات الناشئة (أغلبهم كان بحسن نية ودون قصد) وإشغالها بأمور لا فائدة منها.

سأذكر لكم حقيقتين صادمتين ولكنهما ضروريتين لكل من أراد أن يؤسس حركة أو منظمة تطوعية ناجحة.

الحقيقة 1: إياك وآلية الانتخابات أو التصويت. لا تلجأ لها إلا عند الحاجة الماسة وعند الاضطرار. لماذا؟ لأن مبدأ الانتخابات في المؤسسات التطوعية والحركات الثورية يعني بالضرورة خلق فئة خاسرة وغير راضية ضمن منظمتك.

عندما تتخذ قرارك بإجماع 51% فهذا يعني أن لديك 49% من الأعضاء خاسرين وغير راضين. ومن شأن ذلك أن يخلق في منظمتك سلوكاً يتسم بالرفض والعداوة بين الفائزين والخاسرين بالانتخابات أو التصويت.

Voting creates losers, and losers are unhappy activists who disengage. Don't vote.

القيم التي عليك أن تعززها عوضاً عن الفوز والخسارة هي قيم المشاركة والتنوع والتمكين. لا أن نعزز قيم الربح والخسارة.

فكرة الانتخاب قد تنفع لإكساب الشرعية في البلدان والحكومات ولكن ليس في المنظمات والحركات الاجتماعية التي ينطوي تحتها أناس متطوعون أصلاً والشرعية تكسبها من انضمام الناس لها، لا من خلال التصويت والانتخاب فيها.

ما البديل إذا؟

البديل هو اتباع أساليب أخرى. إحدى الأساليب التي يقترحها كتاب السرب هي أن تفرض قواعد مغايرة مثل: "لا أحد يقرر عن الآخر ما يجب أن يفعله" ويسمونها ثقافة “do-ocracy.”

الأسلوب الثاني هو الإجماع consensus-making decision process.

طبعا هذا الأسلوب صعب ومكلف ولهذا أستخدمه في الحالات الاضطرارية و مع عدد أقل من 30 شخصاً عند الضرورة القصوى.

في المنظمات والحركات الاجتماعية لا شرعية لفرض الرأي بالقانون أو بالنظام الداخلي أو بالانتخاب وإنما بالتأثير. نعم بالتأثير الذي يقوم به الأشخاص القياديون الذين يكتسبون الشرعية من قوة أفكاره ومن خلال ما يقدمونه في سبيل تحقيق أهداف المنظمة أو الحركة الاجتماعية.

في هذه المنظمات والحركات عليك أن تكون مبادراً وإذا اقتنع الناس بفكرتك أو حلك سيتبعوك. وإلا سيتبعون صاحب الفكرة أو الحل الأجدر منك. إنه نوع من الاصطفاء الطبيعي للفكرة والحل الأفضل وليس للشخص المنتخب!!

قد يقول أحدهم وماذا لو أخطأ صاحب الفكرة التي اجتمع الناس حولها؟

الجواب الصادم هو أنه يجب أن نسمح بحدوث الخطأ بل وأن نشجع على المبادرات دون الخوف من الفشل.

لم لا يخطئ الناس وهم أصلاً مغامرون بانضمامهم لحركة ومنظمة اجتماعية تهدف بطريقة أو بأخرى لتغيير الواقع المحيط الذي يعتبر مشروعاً ذو نتائج غير محددة. الفشل جزء من آليات التعلم.

الحقيقة 2: إياك وإشغال المنظمة بمهام بعيدة عن الهدف الأصلي الذي وجدت المنظمة من أجله مثل إحداث الهيكل التنظيمي والنظام الداخلي والسياسات والإجراءات وما إلى ذلك. هذه الضوابط مفيدة فقط في المنظمات الكبيرة التي مرت بمرحلة التأسيس بسلام وأصبحت كبيرة جداً.

المنظمة الناشئة لا يجب أن يشغلها شيء عن هدفها الرئيسي. عندما تنجح ويزيد عدد أعضاء المنظمة لديك بشكل كبير عنده ستجد نفسك بحاجة إلى هذه الضوابط.

أنصح من أراد الاطلاع على أن يقرأ كتاب حكمة السرب swarmwise ل "ريك فولغفاينج" الذي يتحدث عن تجربته في تأسيس وقيادة حركة وحزب سياسي يعتبر من الأحزاب الأسرع نمواً في العالم والذي يشرح الكثير من الدروس أعلاه.

 

 

صفحة الكاتب على فيسبوك

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
هل تعتقد أن مؤتمر الأستانة سيشكل مفتاحاً لحل القضية السورية؟
نعم (صوتأ 3) 19%
لا (صوتأ 10) 63%
ربما (صوتأ 3) 19%
تاريخ البداية : 19 يناير 2017 م عدد الأصوات الكلي : 16