..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الشام المباركة

داريَّا دمشق لمن لا يعرفها (1)

أيمن أحمد ذو الغنى

5 سبتمبر 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 11402

داريَّا دمشق لمن لا يعرفها (1)

شـــــارك المادة

(دارَيَّا) كبرى مدن غوطة دمشق الغربيَّة، يحدُّها من الشَّمال: المِزَّة ومعضميَّة الشام، ومن الغرب: معضميَّة الشام وجُديدة عَرطوز، ومن الجنوب: صَحنايا وأشرفيَّة صَحنايا، ومن الشرق: كَفْرسوسة. وتشتهر ببساتينها الغنَّاء وجَودة فاكهتها ولا سيَّما العِنَب الداراني الذي عُرفت به.
وفي الأسبوع الماضي كانت (داريَّا) حديثَ وسائل الإعلام؛ لما أصابها من حدَث مَهول مروِّع! أودى بحياة مئات الأبرياء من النساء والأطفال والشباب بَلهَ الرجال!

 


وعقِب وقوع هذا الحدث المؤسف نشرتُ في صفحتي بـ (تويتر) بعض (التغريدات) التعريفيَّة بهذه المدينة الوادعة الأصيلة؛ لتكون نافذةً يُطلُّ منها القارئ على أهمِّ ما يتصل بالمدينة المنكوبة من تاريخ وفضائل!
ثم أشار عليَّ أحد أساتذتي الكرام أن أجمعَ (التغريدات) في مقالة؛ ليُتاحَ الإفادة منها بأيسر سبيل.

معنى كلمة (داريَّا)

معنى (دارَيَّا): الدُّور - المساكن، والنسبة إليها: دارانيّ، على غير قياس.
وهي كلمة آراميَّة الأصل (أي من لهَجات العربيَّة القديمة).
وفي بلاد الشام عشَرات الأسماء (للمدن والقرى) على غِرارها، منها: قدسيَّا- حاصبيَّا- راشيَّا- كفريَّا- نحليَّا... وكلها آراميَّة، الياء المشدَّدة فيها علامةُ جمع المذكَّر، والألف بعدها هي أداة التعريف، فهذه الكلماتُ بصيغة جمع المذكَّر المعرَّف، وهي تعني:
قدسيَّا: الأماكن المقدَّسة. حاصبيَّا: الخوابي، جمع خابية. راشيَّا: الرؤوس أو القِمَم، وتعني الوجهاء أيضًا. كفريَّا: القرى. نحليَّا: الوُديان أو المجاري.

داريَّا في قوافي الشعراء

- قتل الصحابيُّ صفوان بن المعطِّل عام 14هـ يومَ حصار دمشق جنديًّا روميًّا في (داريَّا) فصاحت امرأةُ الروميِّ مستنكرةً قتلَ زوجها، فقال صفوانُ رضي الله عنه:

ولقد شهدتُّ الخيلَ يكثُر وقعُها ***** ما بين داريَّا دمشقَ إلى نَوى
فطعنتُ ذا حَليٍ فصاحَت عِرسُه *****  يا بنَ المعطِّل ما تريدُ لِما أرى؟
فأجبتُها إني سأتركُ بعلَها *****   بالدَّيرِ منعفرَ المناكبِ بالثَّرى

- شاعر الرسول حسانُ بن ثابت رضي الله عنه يقول يومَ اليرموك ذاكرًا (داريَّا) في ديار الغَساسنة ومغانيهم التي أقفرَت منهم:

لِمَن الدَّارُ أقفَرَت بمَغانِ *****   بين أعلى اليَرمُوكِ فالخَمَّانِ
فالقُريَّاتِ من بِلاسَ فداريَّا *****   فسكَّاءَ فالقصورِ الدَّواني

- في القرن الرابع الهجري يصفُ الشاعر أبو بكر الصَّنوبري دمشقَ ومتنزَّهاتها، فإذا عرَّج على (داريَّا) قال:

ونِعمَ الدارُ داريَّا ففيها *****   حَلا لي العَيشُ حتى صارَ أَرْيا.

وفي رواية: (حتى صار رِيَّا). والأَرْيُ: العسل.

- ومن أشهر من ذكر (داريَّا) من الشعراء: البحتريُّ، في قصيدته السائرة التي مطلعُها:

العَيشُ في ليل داريَّا إذا بَرَدا *****   والرَّاحُ نمزُجُها بالماء من بَرَدى

- وصدَّر عمِّي الأستاذ الأديب الباحث محمد حسام الدين الخطيب كتابه: (تاريخ دارَيَّا الكبرى) ببيتين قال فيهما:

قد باركَ الله دُورًا ضمَّها بَهوٌ *****  منذُ القديمِ فكانَ الإسمُ دارَيَّا
أرضٌ تفَجَّرُ خيرًا منذُ أن حُرثَت *****  أدامَ ربُّكَ فيها الخِصبَ والرِّيَّا

 

داريَّا في التاريخ

- كان فتح (داريَّا) على أيدي المسلمين عام (14هـ) قُبيل فتح دمشق، وكان فتحها عَنوةً بعد قتال، وكانت قبل الفتح مجمعًا لدور آل جَفنة الغسَّانيين ومنازلهم.

- أما قائد السرية التي فتحت (داريَّا) فهو الصَّحابي عِياضُ بن غَنْم الفِهْري رضي الله عنه، وكان على رأس الرُّوم حاكم داريَّا البيزنطي.

- وبعد دخول الإسلام بقيَ أهل داريَّا الأصليُّون - من عرب آراميِّين وغيرهم من نصارى العرب - فيها يعملون بالفِلاحَة. وعاشوا في أمان وسلام مقابل دفع الجِزية.

- وعلى تطاوُل الأيام دخل جميعُ أهالي (داريَّا) الإسلام؛ لِما رأوا من عدل هذا الدين وعظمَته، حتى لم يبقَ فيها نصرانيٌّ واحد!

- وكان في الجيش الذي أرسله أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه لفتح الشام عددٌ كبير من أهل اليمن، ونزلت قبائلُ اليمن (داريَّا) مع الفتح الإسلاميِّ، وبخاصَّة عَنْس وخَولان.

- حتى إن الحافظ ابن عساكر قال: (داريَّا) أعظمُ القرى اليمانيَّة في الغوطة (الغربيَّة)، ويبدو أن خَولان كانت أكثرَ عددًا فيها، إذ أُطلق على (داريَّا) وما حولها يومئذ: إقليم خَولان.

- ومن ثَم فإن جذور عائلات (داريَّا) الحاليَّة ترجع إلى: بطن من خَولان، وبطن من عَنْس، وبقايا من الغساسنة، فضلاً عن أهلها القُدماء الذين أسلموا فيما بعد جميعًا.

- ولم ينزل بطنا خَولان وعَنس بين ظَهرانَي أهالي (داريَّا)، ولكن نزلا إلى جانب داريَّا القديمة، وأنشأ قريتين لكلِّ بطن قريةٌ خاصَّة به سُمِّيت باسم قبيلته.

- وأشاد كلُّ بطن في قريته مسجدًا؛ مسجد خَولان ومسجد عَنس، عُدَّا أشهرَ معالم مدينة (داريَّا) في تاريخها القديم.

- قال المحدِّث الدارانيُّ عبد الرحمن بن يزيد: (من أراد العلمَ فلينزل بداريَّا بين عَنس وخَولان).

- أما مسجد خَولان فما يزال قائمًا في مكانه، فيما يسمَّى اليوم حيَّ الخَولاني، وما يزال مقام أبي مسلم الخَولاني يتوسَّط الحيَّ منذ إقامته، وهو مُلاصق للمسجد.

- وأما مسجد عَنس فامَّحى أثرُه، كما اندثرَ اسمُ عَنس قريةً وقبيلةً من (داريَّا)، بعد أن توزَّعت ذرِّيتها بأسماءٍ وألقابٍ مختلفة.

- ويُرجَّح أن يكونَ (جامع عمر بن الخطَّاب) اليوم هو مسجد عَنس القديم، وأن عائلة (العبَّار) هي التي تمثِّل معظم عَنس في (داريَّا) الآن.

- ومما يمكن أن يُذكر في تاريخ (داريَّا): أن الخليفة العباسيَّ المتوكِّل قرَّر عام 243هـ ترْكَ عاصمة خلافته (سُرَّ مَن رأى) سامرَّاء، والانتقالَ إلى دمشق، فنزل في قصر المأمون في (داريَّا) وكان أمرَ من قبلُ ببناء قصور فيها لنقل دواوين المُلك إليها، لتكونَ عاصمةً للخلافة، ولكنَّ مُكثه فيها لم يدُم سوى أشهرٍ قليلة..

 

من أعلام داريَّا

- آثر عددٌ كبير من الصَّحابة الإقامةَ في (داريَّا) بعد الفتح الإسلاميِّ لها، قال أبو القاسم البَلخيُّ في كتابه (مقالات الإسلاميين): (كانت داريَّا مقرًّا لأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم).

- ولكنَّ القاضيَ عبد الجبَّار الخَولاني لم يذكُر في كتابه (تاريخ داريَّا) سوى خمسةٍ من الصَّحابة وهم: بلال بن رَباح الحبشي، أبو ثعلبة الخُشَني، أبو راشد الخَولاني، قيس بن عَباية الخَولاني، أسود بن أصرَم المُحاربي. رضي الله عنهم جميعًا.

- ونزل المدينةَ عددٌ كبير من أعلام التابعين، من أشهرهم: أبو مسلم الخَولاني، وأبو قِلابة الجَرْمي، والقاضي أبو إدريس الخَولاني، والقاضي سليمان بن حبيب المُحاربي، وثابت بن معبَد، والمحدِّث عُمَير بن هانئ العَنسي، والزاهد عَمرو بن الأسود، والمحدِّث معاوية بن طويع، والمحدِّث أبو كثير المُحاربي، والمحدِّث بكر بن زُرعَة، والمحدِّث تميم بن عطيَّة.

- واشتَهرت (داريَّا) بالمحدِّثين من قديم وحتى عصرنا الحاضر، ومن أشهرهم فيها قديمًا: سليمان بن داود اللَّخْمي، وسالم بن عبد الله المُحاربي، وكُلثوم بن زياد المُحاربي، وسعيد بن عِكرِمَة، وعثمان بن مُرَّة، ومَسلَمة العَدْل، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ويزيد بن يزيد بن جابر، وعَمرو بن شَراحيل، ويزيد بن سعيد، والقاسم بن هِزَّان، وسليمان بن عُتبة، وأبو سليمان الداراني الكبير، وأحمد بن أبي الحَواري... هذا إلى نهاية القرن الهجريِّ الثاني.

- وقد استمرَّ المحدِّثون في داريَّا إلى عصرنا هذا، وأشهرُهم اليوم: شيخنا المحدِّث المحقِّق حسين سليم أسد الدَّاراني حفظه الله، وهو محقِّق: (مسند أبي يعلى المَوصلي)، و(سنن الدَّارمي)، و(مسند الحُمَيدي)، و(موارد الظَّمآن)، و(مجمع الزَّوائد) كلاهما للهيثمي.

- قال السمعانيُّ صاحب كتاب (الأنساب) عن (داريَّا) عندما زارها: وكان فيها جماعةٌ كثيرة من العلماء والمحدِّثين قديمًا وحديثًا.

 

كتُب عن داريَّا

- وفي (داريَّا) تخرَّج ودرَّس القاضي المحدِّث عبد الجبَّار الخَولاني وألَّف كتابه: (تاريخ داريَّا).

- وفيها تخرَّج ودرَّس الحافظُ ابن عساكر وألَّف كتابَيه: (روايات ساكني داريَّا)، و(مسند أهل داريَّا) في تراجم وروايات المحدِّثين الدارانيين حتى أيامه.

- وفيها تخرَّج الحافظ المِزِّي صاحب (تهذيب الكمال)، والحافظُ ابن طولون الصَّالحي وألَّف كتابه: (تبليغ البُشرى في أحاديث داريَّا الكبرى).

- وعنها ألَّف مفتي دمشق عبد الرحمن العِمادي كتابه: (الروضة الريَّا فيمن دُفن بداريَّا).

(تاريخ دارَيَّا الكبرى)

وآخر من ألَّف عن (داريَّا) خطيبُ جامعها الكبير قديمًا، وسليلُ الأسرة التي تتابعت على خطابة هذا الجامع الأديبُ الشاعر الباحث الأستاذ محمد حسام الدين الخطيب، وهو ابن داريَّا البارُّ، وكتابه جامعٌ لكلِّ ما كُتب من قبل عن المدينة، لم يترك شاردةً ولا واردةً إلا أتى بها، مع معارضة الحوادث وتحقيق كثير من الأخبار ونقد كثير من الروايات، فكان كتابه مجمعَ فوائد. وعنوانه: (تاريخ دارَيَّا الكبرى)، صدر عن دار النوادر بدمشق عام 1431هـ/ 2010م، وجاء في مجلَّدين كبيرين، عدد صفحات المجلَّد الأول (752) صفحة، وعدد صفحات المجلَّد الثاني (795) صفحة، وقد رجع في صَنعة كتابه إلى (602) من المصادر والمراجع، واستغرقَ عمله فيه سنوات ذوات عدد، وكان متئدًا في جمعه وتحريره، لم يدَع مصدرًا ذا صلة بموضوعه إلا طالعه.
وجعل كتابه في ثلاثة مباحثَ؛ أما الأوَّلان فمقدِّمة تمهِّد للكتاب، وأما الثالث فهو لبُّ الموضوع. وهذه المباحثُ هي:
1- تحقيق اسم داريَّا: في (55) صفحة.
2- تمهيد: في (88) صفحة.
3- داريَّا في التاريخ: وهو صُلب الكتاب وعُظمه، وقد جعله في قسمين:
أ- عهود ما قبل الإسلام: في (67) صفحة.
ب- العهود الإسلاميَّة: في (1245) صفحة.
وفي العهود الإسلاميَّة رتَّب الحديثَ عنها بحسَب القرون الهجرية؛ بدءًا بعهد الخلفاء الراشدين حتى نهاية القرن الرابع عشر الهجريِّ. مع ذكر تراجم الأعلام الدارانيين كافَّة عبر القرون، معتمدًا في إقرار دارانيَّة العلَم ما نقله الإمام النوويُّ في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات): (قال عبد الله بن المبارك وغيرُه: إذا أقام إنسانٌ في بلد أربع سنين نُسب إليه).

 

وبعد، فتلك نقول اختصرتُها من عشرات الصفحات،
قدَّمت بها خُلاصةً آمُل أن تكون نافعة،
لمن رام معرفةَ نبذة من تاريخ مدينة (داريَّا) العريقة ذات التاريخ المجيد
والتي كان لها قصَب السَّبق في الثورة الشعبيَّة المباركة في شام العزَّة
والحمد لله تعالى الذي بنعمته تتمُّ الصالحات

__________________

(1) اعتمدتُّ في إنشاء هذه المادَّة على كتاب عمِّي والد زوجتي الأستاذ الباحث الأديب محمد حسام الدين الخطيب: (تاريخ داريَّا الكبرى) وسأعرِّف به في آخر المقالة.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع