..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


ابحاث ودراسات

الرقة ما بعد التنظيم.. قراءة تحليلية في المآلات وإعادة الإعمار

مركز عمران للدراسات الاستراتيجية

5 ديسمبر 2017 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 135

الرقة ما بعد التنظيم.. قراءة تحليلية في المآلات وإعادة الإعمار

شـــــارك المادة

 

ملخص تنفيذي

لا تقتصر أهمية تحرير الرقة على أنه شكّلَ بداية النهاية الفعلية لتنظيم الدولة بسقوط "عاصمته"، وإنما تمتد أهميته لتشمل تحديد مصير طموحات حزب "الاتحاد الديمقراطي" (PYD) في سورية.

الإدانة الأمريكية لرفع صورة أوجلان في الرقة وما تلاها من تصريحات، بدت وكأنها رسائل بأن تحالف الولايات المتحدة مع قوة يشكل عمادها حزب تصنفه هي إرهابياً (العمال الكردستاني) بات يثقل كاهلها، ويؤثر بشكل أعمق على علاقاتها مع تركيا الشريك الناتوي، ما يعزز احتمالات تكرار سيناريو كركوك في الرقة وغيرها من المناطق العربية الواقعة تحت سيطرة قوات "سوريا الديمقراطية".

 

تبدو عملية إعادة إعمار الرقة أبعد ما تكون عن الواقع من قبل الدول المشاركة في التحالف الدولي المسؤول عن جزء كبير من دمار المدينة، وأقرب ما تكون لفرصة مناسبة لإرسال رسائل سياسية والضغط على أنقرة وموسكو.

إن استمرار سيطرة حزب "الاتحاد الديمقراطي" على المناطق العربية التي حازها بدعم التحالف الدولي تبدو أمراً صعباً، ومسألة استعادة النظام وحلفائه لها أو تسليمها لفصائل عربية قد تكون مسألة وقتٍ ورهنٌ بأمرين، هما: ترتيب أولويات النظام وحلفاؤه العسكرية أو صفقة أمريكية روسية تركية يكون الحزب ضحيتها.

قياساً على النموذج العراقي فمن المستبعد بعد انتهاء عمليات التحالف ضد "تنظيم الدولة" في سورية أن يكون هناك غطاء أمريكي أو أوروبي لتحقيق مشروع الـ "PYD" في سورية، أما فيما يخص الوضع الداخلي السوري فهناك أيضاً العديد من العوامل التي تحول دون استمرار سيطرته على مدينة الرقة.

 

مدخل

في تاريخ 16 تشرين الأول/أكتوبر الفائت أعلنت قوات "سورية الديمقراطية" تحريرها مدينة الرقة بالكامل من تنظيم الدولة، بعد ما يقارب 120 يوماً على القتال، الإعلان الذي أثار عدة هواجس وتساؤلات بما احتواه من رفع لصورة عبد الله أوجلان في ساحة الرقة الرئيسية، وما تلاها من زيارة لوزير الدولة السعودية لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، والحديث عن إمكانية إطلاق عملية إعادة إعمار للمدينة. الأمر الذي أثار حفيظة العديد من الأطراف وعلى رأسها تركيا ذات الحساسية من حزب العمال الكردستاني والذي يشكل العمود الفقري لـ "قسد"، وأيضاً بالنسبة للنظام السوري وحلفائه اللذين أطلقوا تصريحاتٍ تشدد على عزمهم استعادة السيطرة على الرقة، مما يجعل مصير المدينة من حيث إعادة إعمارها وعودة أهلها النازحين نتيجة المعارك معلقاً بطبيعة الجهة التي ستؤول إليها إدارة المدينة في النهاية. الأمر الذي يرتبط بالتوافقات الأمريكية الروسية الراعيتان للطرفين المتصارعين على المدينة، وقدرتهما على إنتاج صيغة حكم مرضية بالنسبة لحليفهما المشترك تركيا. ويزيد من تعقيد المشهد في المدينة ارتباط مآلاتها بمستقبل مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" في سورية بعد انحساره إلى الشمال الشرقي فقط وإحباط تركيا وروسيا احتمالات تمدده إلى الشمال الغربي وربط الكانتونات الكردية الثلاثة. وعليه تسعى هذه الورقة التحليلية إلى تفكيك المشهد السياسي والعسكري في الرقة بعد تنظيم الدولة، من خلال فهم مصالح الأطراف المتدافعة للاستئثار والسيطرة على المدينة، من فاعليين محليين وداعميهم الدوليين والإقليمين، إضافة لاستشراف مآلات إدارتها واحتمالات إطلاق عملية إعادة إعمار فيها.

 

أولاً: التحرير (أوجلان إلى الواجهة)

يبدو أن طرفي الصراع في الرقة(داعش، قسد) كانا الأقل خسارةً بموجب الاتفاق الذي عقداه في نهاية المطاف، والذي قضى بخروج 4000 من مقاتلي تنظيم الدولة المحليين من المدينة إلى باقي مناطق سيطرة التنظيم، وهو ما كشفه تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC"، حيث بلغت تكلفة تحرير الرقة من تنظيم الدولة مقتل 1172 مدنياً على الأقل بغارات التحالف، بمن فيهم 276 طفلاً و203 نساء، ولقي 161 آخرون (بينهم 37 طفلاً و10 نساء) مصرعهم جراء انفجار ألغام أثناء محاولتهم الفرار من المدينة، علاوة على مئات المصابين بجروح متفاوتة الخطورة، في حين بلغ عدد مسلحي "داعش" الذين تمت تصفيتهم جراء عملية تحرير المدينة (1371 مقاتلاً) وهو رقم يكاد لا يزيد عن حصيلة القتلى بين المدنيين، بينما خسرت قوات "سوريا الديمقراطية" 655 من مقاتليها، حسب معطيات رسمية، في حين بلغت نسبة التدمير في المدينة 80% بحسب تقديرات الأمم المتحدة وشهادات أبناء المدينة.

 

وعلى الرغم من حجم الدمار الهائل في الرقة؛ إلا أن قوات حزب "الاتحاد الديمقراطي" العمود الفقري لـ"قسد" أقامت احتفالاً بالنصر على أنقاض دوار النعيم وسط الرقة، غطت فيه أعلامها الحزبية وصورة ضخمة لعبدالله أوجلان الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني على أعلام "سورية الديمقراطية" والفصائل العربية المنضوية تحت لوائها، في إشارة واضحة بأن الرقة ستكون جزءاً من مشروع الفيدرالية التي يسعى حزب "الاتحاد الديمقراطي" لتحقيقها في سورية، بشكل يتوافق مع تصريحات قيادة "سوريا الديمقراطية" إبان انطلاق معركة تحرير المدينة، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الأتراك، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية لإدانة رفع صورة أوجلان في الرقة معتبرةً إياه "شخصية غير جديرة بالاحترام" وشددت على أن الرقة هي مكسب لجميع السوريين، الإدانة التي بدت وكأنها رسالة بأن تحالف الولايات المتحدة مع قوة يشكل عمادها حزب تصنفه هي إرهابياً (العمال الكردستاني) بات يثقل كاهلها، ويؤثر بشكل أعمق على علاقاتها مع تركيا الشريك الناتوي، الأمر الذي يعزز احتمالات تكرار سيناريو كركوك في الرقة وغيرها من المناطق العربية الواقعة تحت سيطرة قوات "سوريا الديمقراطية"، وخصوصاً بعد سقوط البوكمال آخر معاقل التنظيم في سورية.

 

ثانياً: إعادة الإعمار (رسائلٌ لأنقرة)

ما إن انتهت العمليات العسكرية في مدينة الرقة حتى بدء الحديث عن إمكانيةٍ لإطلاق عملية إعادة إعمارها، وهي العملية التي عُقد مؤتمر روما لبحثها في سبتمبر/ أيلول أي قبل شهر من تحرير المدينة، حيث أعلنت العديد من الدول الأوروبية استعدادها للتبرع بمبالغ مالية للمشاركة في إعادة إعمار المدينة، وكان على رأسها بريطانيا التي أعلنت عن نيتها التبرع بمبلغ 13 مليون دولار، وألمانيا 10 مليون يورو، فرنسا 15 مليون يورو، هولندا 1.5 مليون لإزالة الألغام و2 مليون من الاتحاد الأوروبي لذات السبب، ثم جاءت زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان برفقة ممثل الرئيس الأمريكي في التحالف الدولي ضد "داعش"، بريت مكغورك، إلى المدينة لتزيد من احتمالات دعم السعودية المادي لإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي العملية التي يبدو أنها أبعد ما تكون عن الواقع من قبل الدول المشاركة في التحالف الدولي المسؤول عن جزء كبير من دمار المدينة، وأقرب ما تكون لفرصة مناسبة لإرسال رسائل سياسية والضغط على تركيا وموسكو من جهة ثانية، وهناك عدة عوامل ترجح صوابية هذه القراءة لما يشاع حول إعادة إعمار الرقة، وأبرز تلك العوامل:

 

طبيعة عملية إعادة الإعمار: والتي تحتاج بالدرجة الأولى إلى بيئة آمنة غير متوفرة في سورية التي لاتزال تشهد صراعاً، بالإضافة إلى أن الدول المانحة المفترضة لتمويل إعادة الإعمار (الولايات المتحدة-الاتحاد الأوروبي) هي ذاتها من ربطت مشاركتها بتلك العملية بوجود حل سياسي للأزمة السورية، وكذلك الأمر بالنسبة للسعودية التي ربطت مشاركتها بخروج المليشيات الإيرانية من سورية.

حجم الدمار في مدينة الرقة: والذي بلغ 80%، لا يتناسب مطلقاً مع حجم المبالغ الهزيلة التي أعلنت عنها الدول المفترضة لرعاية العملية، والتي حددت هدف تلك المبالغ بإزالة الألغام وتنفيذ مشاريع في قطاع المساعدات الغذائية والمياه والصحة ومساعدة اللاجئين فقط.

 

غياب الشريك "الحكومي": والذي يمثل الطرف الضروري لإطلاق عملية إعادة الإعمار وإبرام العقود بشكل رسمي مع الشركات المنفذة للعملية، فقوات "سوريا الديمقراطية" تُعدُ مليشيا مقاتلة لا تحمل أي صفة رسمية تخولها التعاقد، كما أن مجلسها المدني لا يبدو وأنه يحظى بقبول وإجماع من الأهالي، ناهيك عن وجود مجلس آخر لتمثيل المدينة هو مجلس محافظة الرقة الحرة، والذي يعتبر؛ "مجلس "قسد" مشكلاً من قوى الأمر الواقع العسكرية، والأعضاء العرب المشاركون في المجلس من أزلام النظام وأصحاب السوابق، والعناصر الكردية فيه هم أعضاء في حزب "الاتحاد الديمقراطي" وذراعه العسكري.

ووفقاً للعوامل السابقة فإن إطلاق عملية إعادة إعمار للرقة في الوقت الحالي يبدو شبه مستحيلٍ، ومع إدراك الدول المعلنة لذلك يتبدى سؤالٌ؛ إذاً لماذا هذا الإعلان أساساً؟ وماهي دوافع الدول المعلنة من التلويح بهذه الورقة ضمن هذا الظرف بالذات، فبالإضافة لمسؤوليتها عن الدمار الحاصل في الرقة، تتجلى مجموعة دوافع للدول العازمة على الاشتراك في عملية إعادة الإعمار من إعلانها هذا، ولعل أبرز تلك الدوافع المشتركة بين الدول المعلنة:

الضغط على أنقرة: فإذا بحثنا عن القاسم المشترك الأكبر بين الدول المعلنة عن نيتها بإعادة إعمار الرقة (الاتحاد الأوربي، أمريكا، السعودية) سنجد أنها تشترك في الظرف الحالي بعلاقاتها المتوترة مع تركيا ذات الحساسية الخاصة من أي دعم يقدم لقوات "سوريا الديمقراطية" وعمادها الرئيس الـ PYD، وهنا يبدو أن إعلان عملية إعادة الإعمار لمنطقة خاضعة لسيطرة الـ PYD جاء أيضاً رسالة ضغط على أنقرة من شركائها في الناتو حول سياستها المغردة خارج سرب الناتو والمتقاربة مع موسكو، خصوصاً بعد صفقة صواريخ S400. ورسالة أُخرى من منافسيها الإقليميين حول تنسيقها مع إيران في الملفين السوري والعراقي.

 

رسالة إلى موسكو: من المشتركات أيضاً بين تلك الدول هو ضرورة وقف السعي الروسي لإطلاق عملية إعادة إعمار في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، حيث لوحَ النظام وحلفائه عن احتمالية إطلاق عملية إعادة إعمار جزئي للمناطق الخاضعة تحت سيطرتهم، مما يعني استئثار موسكو منفردة بالجزء الأكبر من العملية، لذا يبدو أن الإعلان عن عملية إعادة إعمار في الرقة وهي المحافظة الوحيدة التي تخضع لسيطرة التحالف، جاء بجزء منه رسالة هامة لموسكو في هذا الإطار. مفادها: بأن "أي عملية إعادة إعمار جزئي سيقابلها عملية أخرى، كما أن هذه العملية بالذات لابد وأن ترتبط بالحل السياسي وتوافق الفاعليين دون أن تنفرد بها أي قوى."

استعادة المقاتلين الأجانب: قد يرتبط سياق الإعلان عن عملية إعادة إعمار في الرقة وما سيتطلبه ذلك من تحويلات مالية تحت هذا العنوان، مقابل زيارات بعض المسؤولين الدوليين إليها، ببعدٍ أمني تمثل في حرص بعض الدول على استعادة مواطنيها من المقاتلين في "داعش" ممن بقوا في الرقة وكانوا جزءاً من الصفقة التي لم تتضح معالمها مع "سوريا الديمقراطية" لتسليمهم لدولهم، فقد تكون بعض المبالغ والزيارات هي ثمن تدفعه كل دولة لاستعادة أو "شراء" مواطنيها المقاتلين في التنظيم. والذين يمثل استعادة من تبقى منهم إجراءاً أمنياً ضرورياً لاستكمال التحقيقات معهم والكشف عن الخلايا النائمة في كل دولة أو من ساعد في تجنيدهم ضمن كل دولة، خصوصاً مع الموجة التي تخشاها أوربا من الإرهاب وتتوقعها على أراضيها بعد نهاية تنظيم الدولة في سورية والعراق. ولعل زيارة أغلب المسؤولين الدوليين إلى الرقة إثر تحريرها جاء بجزء منه ضمن هذا السياق، ومنهم نائب الرئيس الشيشاني، زياد سبسبي.

 

ثالثاً: النظام وحلفاؤه: (قطع شعرة معاوية)

بعد نجاح تركيا في قطع الطريق على مشروع حزب "الاتحاد الديمقراطي" في وصل الكانتونات الكردية في الشمال السوري، يبدو أن الحزب تحول باتجاه توسيع سيطرته شرق الفرات كخيار بديل لفيدراليته المنشودة، والتي تشكل مدينة الرقة جائزتها الكبرى، فهي المدينة الأكبر بين المدن الواقعة تحت سيطرته، وفي إطار هذا السعي للتمدد وقضم المزيد من الأراضي العربية الغنية بالموارد في شرق سورية، لم يعد من الممكن للـ PYD"" الاستمرار في حالة التخادم مع النظام وإيران، لذا يبدو أن الحزب اختار الجانب الأمريكي كحليف وحيد، ودخل في مواجهة مباشرة مع النظام وحلفاؤه من المليشيات الإيرانية والقوات الروسية على ضفاف الفرات في دير الزور، والتي أصبح يسابق النظام فيها للسيطرة على الموارد النفطية.

 

بالمقابل تغيرت لهجة النظام وحليفه الإيراني المهادنة للأكراد على خلفية هذا التصعيد في دير الزور والرقة، بين تصريحات وليد المعلم حول إمكانية التفاوض مع الأكراد حول حكم ذاتي، وبين تصريحات بشار الأسد الرافضة للتخلي عن السلطة المركزية ولو بشكل مؤقت، كما سبق تصريحات الأسد بأيام زيارة الأمين القطري المساعد لحزب البعث، هلال هلال، لريف الرقة الجنوبي الواقع تحت سيطرة النظام؛ أطلق فيها تصريحات عن عزم النظام استعادة كامل الرقة. فيما جاءت تصريحات الحليفين الإيراني والروسي أكثر شدة، حيث أعلن مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، من بيروت عزم قوات النظام على التقدم إلى الرقة قريباً، كما صرحت القناة المركزية لقاعدة حميميم الروسية بأن الحل العسكري هو الخيار الوحيد للتعامل مع المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد.

ويبدو أن سلوك حزب "الاتحاد الديمقراطي" ساهم في جعله إحدى نقاط التقارب الروسي التركي الإيراني في سورية، هذا بالإضافة إلى عدائه للقوى الثورية السورية وانعدام حاضنته الشعبية خارج المناطق الكردية ومنها الرقة، باعتباره يحمل مشروعاً خاصاً تجلت إحدى ملامحه برفع صورة عبد الله أوجلان في دوار النعيم بالرقة، في إشارة واضحة لهيمنة مليشيا الحزب على باقي المكونات الديكورية لقوات "سوريا الديمقراطية". الأمر الذي يجعل استمرار سيطرة حزب "الاتحاد الديمقراطي" على المناطق العربية التي حازها بدعم التحالف الدولي أمراً صعباً، ومسألة استعادة النظام وحلفائه لها قد تكون مسألة وقتٍ ورهنٌ بأمرين، هما: ترتيب أولويات النظام وحلفاؤه العسكرية، مقابل صفقة أمريكية روسية تركية يكون الحزب ضحيتها.

 

رابعاً: المآلات (دروس من العراق)

عند الحديث عن أي استشراف لمآلات الوضع في الرقة، لابد وأن يؤخذ بعين الاعتبار المؤشر العراقي وما حدث في كركوك وباقي المناطق العراقية المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان، وذلك لما له من أهمية كبرى في فهم آلية تفكير الولايات المتحدة الأمريكية وباقي شركائها في التحالف الدولي في تعاطيهم مع مطالب الكرد في المنطقة. ففي الحالة العراقية هناك فيدرالية كردية ناجزة تمتلك كل مقومات الانفصال وضعت كامل طاقاتها في خدمة الولايات المتحدة في "حرب الإرهاب"، وبالرغم من ذلك لم تمنحها الولايات المتحدة أي مكاسب فيما يخص مشروعها للاستفتاء على الانفصال أو على الأقل تمددها نحو المناطق غير الكردية وضمها للإقليم، وبدلاً من ذلك تركتهم بعد انتهاء حرب التنظيم لقمةً سائغةً للحشد الشعبي المدعوم من إيران،  فإذا كان هذا الحال مع حكومة الإقليم الرسمية!، فكيف ستتعاطى الولايات المتحدة مع مليشيا تتبع حزباً تصنفه هي بنفسها إرهابي كوحدات "الحماية الكردية" في سورية؟، خصوصاً في ظل ضعف تأييدها في الشارع الكردي المنقسم بينها وبين المجلس الوطني الكردي، ناهيك عن انعدام أي حاضنة لها في المناطق غير الكردية الواقعة تحت سيطرتها، واعتبارها طرفاً معادياً من قبل الأطراف الإقليمية والمحلية المنخرطة في الصراع السوري، وعلى رأسها موسكو.

 

 إذاً وقياساً على النموذج العراقي فمن المستبعد بعد انتهاء عمليات التحالف ضد "تنظيم الدولة" في سورية أن يكون هناك غطاء أمريكي أو أوروبي لتحقيق مشروع الـ PYD المنشود، أما فيما يخص الوضع الداخلي السوري فهناك أيضاً العديد من العوامل التي تحول دون استمرار سيطرة قوات "سوريا الديمقراطية" على مدينة الرقة، ولعل أبرزها:

تراخي أمريكي: استعادة النظام وحلفاؤه لمساحات واسعة من الأراضي في سورية، وعقد اتفاقات خفض التصعيد، التي خلقت للنظام فائض قوة قد يقوم بتوجيهه لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، وبخاصة الغنية بالموارد في ريف دير الزور ومدينة الطبقة (سد الفرات)، هذا بالإضافة لرغبة تركيا المعلنة بإبعاد قوات سوريا الديمقراطية من ريف الرقة المحاذي لحدودها (تل أبيض)، الأمر الذي يجعل "قسد" بين فكي كماشة ويضعها أمام احتمال مواجهة خاسرة تفوق إمكاناتها، خصوصاً في ظل ما تبديه الولايات المتحدة من رغبة في تجنب أي اشتباك مع موسكو أو أنقرة، والتصريحات المكررة حول إدارة الرقة من قبل أهلها، وهو ما تمت ترجمته فعلاً في سحب العناصر الكردية ضمن قوات "سوريا الديمقراطية" من المدينة إلى أطرافها ونشر قوات عربية من أهل الرقة داخلها، إضافة للتصريحات الأمريكية الأخيرة التي قُدمت كضمانات لتركيا، والمتعلقة بإعادة النظر بالدعم العسكري الأمريكي للقوات الكردية في سورية.

 

نقمة شعبية: يشكل العرب الأغلبية الساحقة من سكان مدينة الرقة مع انعدام شبه كامل للأكراد فيها، لذلك من الصعب أن تكون المدينة ضمن مشروع حزب "الاتحاد الديمقراطي"، خصوصاً مع ميل الأخير لتكريد بعض المناطق العربية الواقعة تحت سيطرته إما بمحاولات التغيير الديمغرافي كما حدث في ريف الرقة (تل أبيض وسلوك)، أو عبر المناهج التعليمية التي تُدرّس اللغة الكردية وأفكار عبدالله أوجلان، كما أن قيام قوات "سوريا الديمقراطية" بنهب المنازل والمحال التجارية في الرقة بعد تحريرها، ومنع أهالي الأحياء الواقعة على أطراف المدينة (المشلب والدرعية) من العودة إلى منازلهم بعد أربعة أشهر من تحريرها أدى إلى مواجهات بين الأهالي وقوات "سوريا الديمقراطية" سقط فيها جرحى من الأهالي نتيجة إطلاق النار عليهم. لذلك يبدو أن تفاعل تلك الممارسات والهواجس مع الظروف الكارثية التي يعيشها أهالي المدينة والبالغ عددهم 270 ألفاً في مخيمات بريف المدينة قد يؤدي؛ إلى تحرك شعبي على نطاق واسع ضد سيطرة "قسد" على المدينة، ما قد يوفر فرصة مهمة قد يستغلها النظام لدعم توجهه في استعادتها.

 

أزمة إدارة: تمثل مدينة الرقة مركزاً لمحافظة الرقة، وبذلك فإن إدارتها تختلف عن المدن التي تديرها "قسد"، خصوصاً مع حجم الدمار الهائل فيها، وعدم امتلاك مجلس المدينة التابع لـ"قسد" الخبرات الكافية والمؤهلة لإدارتها أو القبول و الإجماع الشعبي، لذا فمن المتوقع أن تنشأ في مدينة الرقة أزمة إدارة تتعلق بتسيير الشؤون العامة للمحافظة بكاملها من الناحية المالية المتعلقة برواتب الموظفين والتعليم بمختلف مستوياته، حيث تحوي الرقة بعض الكليات التابعة لجامعة الفرات، وتأمين الكوادر اللازمة لإدارة مرافق المدينة عموماً، هذا بالإضافة إلى انعدام الصفة الرسمية لـ"قسد" ومجلسها المدني والتي تخولها إصدار الأوراق الرسمية أو تسجيل المواليد وغيرها من المعاملات القانونية على مستوى محافظة الرقة، إذ تبدو المدينة أكبر من إمكانات مؤسسات الإدارة الذاتية التابعة لـ"قسد"، الأمر الذي سيزيد من نقمة أهالي الرقة ويدعم ميلاً ما نحو عودة مؤسسات النظام إليها إدارياً.

 

لا تقتصر أهمية تحرير الرقة على أنه شكّلَ بداية النهاية الفعلية لتنظيم الدولة بسقوط "عاصمته"، وإنما تمتد أهميته لتشمل تحديد مصير طموحات حزب "الاتحاد الديمقراطي" (PYD) في سورية، فعلى الرغم من تعدد الأطراف ذات المصالح في المدينة وضبابية المستقبل حول الجهة التي ستؤول إليها إدارتها؛ إلا أن المعطيات التي تمت مناقشتها سالفاً تشير بوضوح إلى أن صورة عبد الله أوجلان لن تبقى طويلاً في ساحة المدينة.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع