..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


اضاءات

كي نفهم القرآن

محمد العبدة

29 يوليو 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4269

كي نفهم القرآن

شـــــارك المادة

يتحدث القرآن عن أناس ناعياً عليهم وموبخاً لهم لأنهم لايتدبرونه ويقفلون عقولهم وقلوبهم عن النظر في آياته وما فيها من الهدى والنور، وما فيها من خير لسعادة الإنسان.

قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (محمد / 24 ) ، وقال تعالى : (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء / 9)

وقد امتن الله سبحانه على العرب والناس أجمعين بأنه أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، لأن هذه اللغة الشريفة هي من الاتساع والدقة ما يؤهلها لتستوعب المضامين العقدية والأوامر الإلهية، قال تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) (يوسف / 2)
فهو شرف لمن نزل القرآن بلغتهم وهو مسؤولية أيضاً عليهم أن يحملوها، ولعل الناس بمجموعهم يعقلون أهمية هذه اللغة لمعرفة مقاصد القرآن لإصلاح البشر.

لاشك أن العرب يوم نزول هذا القرآن كانوا أقرب فطرة وأجود سليقة لفهم الآيات التي تتنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ومراد الله منها.

الأصل في ألفاظ القرآن أن تحمل على المعاني الشرعية ابتداء ثم العرفية ثم اللغوية.

فعندما تذكر الصلاة أو يذكر الصوم والحج فإنها تحمل على العبادات المعروفة، وإن كانت الصلاة في اللغة تعني الدعاء، والصيام يعني الإمساك، والحج يعني القصد، إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على المعنى اللغوي كقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم وصل عليهم) التوبة/103، فالصلاة هنا تعني الدعاء، والدليل ما جاء في الحديث (اللهم صل على آل أبي أوفى) صحيح البخاري

وكذلك يقال في الجهاد والهجرة، فالأصل هو المعنى الشرعي إلا إذا كان السياق يدل على شيء آخر، مثل قوله تعالى (وجاهدهم به) أي بالقرآن والدعوة إلى الإسلام.

وبعض المصطلحات يجب أن تحمل على معهود العرب من الخطاب، فقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) لايعني حل شحم الخنزير كما توهم بعض الناس، لأن اللحم إذا أطلق في اللغة فإنه يشمل الشحم أيضاً.

ومثال آخر: وهو أن العرب تقول: أحبك ما تعاقب الليل والنهار أي أبداً، فقوله تعالى (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) تعني الخلود الدائم أي التأبيد، فلا يعني إذا زالت السماوات والأرض أن ليس هناك خلود، بل هو التأبيد حسب لغة العرب.

ولا تفسر بعض الكلمات في القرآن على المصطلحات الحادثة، فالقرية تأتي في القرآن بمعنى المدينة ولكنها اليوم تعني البلدة الصغيرة، والصدقة في القرآن تعني الزكاة وأحياناً صدقة التطوع، ولكنها في العرف الفقهي تعني صدقة التطوع فقط، والولي في القرآن يعني الناصر والمساعد والمقرَب والمحب ولكنها في عرف الصوفية تعني صنفاً من الناس يعتقدون بظهور الخوارق على أيديهم وليس هذا مقصد القرآن.

ومن أساليب القرآن أنه يذكر شيئاً ولا يذكر المقابل له لوضوحه من خلال السياق.

فقوله تعالى (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) ولم يذكر البرد وذلك للعلم به من باب التنبيه، فإذا امتن على العباد بما يقي الحر فما يقي البرد أعظم، وهذا كما جاء في الحديث (من اغبرت قدماه في سبيل الله) البخاري, يقال: فالوحل والثلج أعظم (1).

وقد تفهم الآية من خلال ما يسمى مفهوم المخالفة كقوله تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (البقرة /2) أي أن غير المتقين ليس هدى لهم، كما صرح بذلك في آيات أخر (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمىً) (فصلت/ 44)

وقوله (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولايزيد الظالمين إلا خسارا) (الإسراء/82)، والخسار هو الهلاك، فالقرآن يوفر للإنسان ما يؤدي إلى نقيض الكفر، والظالم هو الذي يسمع القرآن ومع ذلك يستمر في كفره، وإذا كان الكفر خسارة فإن الاطلاع على القرآن مع الإصرار على الكفر يزيد تلك الخسارة.

والمقصود بالهدى هنا هو الهدى الخاص الذي هو التوفيق للإنسان لاتباع دين الحق، وليس الهدى العام الذي هو ايضاح الحق، فهذا مبذول لكل الناس كما قال تعالى (فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) فصلت / 17 أي بينا لهم طريق الهدى وطريق الضلال فاختاروا طريق الضلال.

وقد تأتي الكلمة في القرآن إلى جانب كلمة أخرى كأنها معها وهي غير متصلة بها، ومن لم يمعن النظر يحسب أن جزأي الكلام متصلان لفظاً ومعنى لشدة الانسجام بينهما، قال تعالى: (قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) - هذا من كلام امرأة العزيز - ثم أتى بعده (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) وهذا من كلام يوسف عليه السلام ،- هذا أحد أوجه التفسير (انظر تفسير ابن عطية)-.

وكذلك قوله تعالى حاكياً قول ملكة سبأ (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) - هذا من كلام ملكة سبأ - ثم تتمة الآية (وكذلك يفعلون) وهذا قول الله تعالى. (انظر أضواء البيان للشيخ الشنقيطي)

وقد تأتي إرشادات القرآن معتبرة الأعراف القائمة بين الناس ..

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "إن القرآن يجري في إرشاداته مع الزمان والمكان والأحوال الراجعة للعرف، فإن الله أمر عباده بالمعروف وهو ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً وعرفاً ، ونهاهم عن المنكر وهو ما ظهر قبحه شرعاً وعقلاً وعرفاً، وأمر بالإحسان إلى الوالدين ولم يعين لعباده نوعاً خاصاً من الإحسان ليعم كل ما تجدد من الأوصاف، وكذلك قوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) أي العرف المعتاد عند الناس في كل بلد وحسب أحوالهم المعيشية، وقال تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) الأعراف / 31، وقال: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشاً) الأعراف / 26 فقد أباح لعباده الأكل والشرب واللباس ولم يعين شيئاً من الطعام والشراب واللباس، وهو يعلم أن هذه الأمور تختلف باختلاف الأزمان والأمكنة

، فتتعلق بها الإباحة حيث كانت، وكذلك قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) فهذا يتناول كل قوة وفي كل وقت حسب ما يليق به"(2).

 

-----------------------
1-  انظر : ابن تيمية ، الفتاوى قسم التفسير 15 / 218
2-  القواعد الحسان لتفسير القرآن / 73
 


المسلم

اقرأ ايضاً

المصادر:

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع