..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


نجاح الثورة

سيكولوجية الجماهير

أنس الصافي

23 أغسطس 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4302

سيكولوجية الجماهير

شـــــارك المادة

إن تجمع الجماهير له قوة جبارة لكنه في الغالب ما يكون مؤقتاً، الانقلابات الكبرى التي حدثت للشعوب على مدار التاريخ إنما هي في حقيقتها بسبب تغير وعي الشعوب، التغير الهائل الذي حدث للشعوب الغربية إنما نتج عن أمرين:

الأول: التخلص من عبء التصورات والعقائد الدينية والسياسية والاجتماعية التي اشتقت منها كل الحضارة الغربية.

والثاني: إنشاء تصورات جديدة كلياً تحل محل التصورات الأولى مما أدى إلى التطور العلمي والصناعي الهائل وغالباً تكون مرحلة الانتقال مرحلة فوضوية.

إن الجماهير لا تملك القدرة على التفكير والتأمل ولكنها تملك قدرة هائلة على العمل من خلال تنظيم وهي في هذه الحال قوة جبارة ومؤثرة، وفي الغالب يكون قادة المجتمع والموجهون ومؤسسو الإمبراطوريات علماء نفس على غير وعي منهم فهم يستطيعون دائماً تحريك الجماهير إلى الطريق التي يرونها مناسبة لمآربهم.

عامة الناس لا يتصرفون من منطلق العقل والنظر، بل العاطفة، فمجرد فرض ضريبة جديدة ملحوظة يدفعهم إلى الغضب بينما رفع سعر المواد الأولية التي يحتاجونها ارتفاعاً طفيفاً على كل وحدة بحيث لا يشعرون به ويكون في مجموعه أكبر بكثير من الضريبة الأولى لا يدفعهم إلى الغضب ولا التظاهر.

العقل الموحد للجماهير يتشكل عندما يغيب العقل العيني لكل فرد منهم لصالح التوجه العام لهذا الجمهور، مثل حالة الثورة الأولى في يناير 2011م، بالرغم من الاختلافات الكبيرة التي قد تكون بين الأفراد المكونين لهذا العقل الجمعي في هذه اللحظة التاريخية، ولكن ما إن تمر هذه اللحظة أو تحقق هذه الجماهير مآربها المشتركة تلبث في العودة مرة أخرى إلى طبيعتها العينية واختلافاتها الظاهرة وقد يستغل أصحاب النفوذ في النظام السابق بعضهم في الانقلاب على الأكثرية إذا رأت هذه الأقلية أنها لن تحقق مآربها الشخصية من خلال التجمع الكبير فتنفصل عنه وتبدأ التحرك منفردة ضد ما تجمعت عليه مع الأكثرية من قبل.

الجمهور النفسي ما هو إلا كائن مؤقت مؤلف من عناصر متنافرة ولكنهم متراصو الصفوف للحظة من الزمن.

دائما ما تذوب العقلية الفردية المكونة للجمهور في التحرك العام الذي يمضي في طريق معين وبالتالي من الصعب عليه جداً تغييره لمساره الشخصي إلا أن يكون فرداً في جماعة موجهة داخل الجمهور توجهه وتشكل أفكاره فيكون هذا الفرد ترساً عاملاً على توجيه الجمهور لتنفيذ أفكاره العينية المتمثلة في أفكار جماعته وهنا يبرز دور القادة العظام الذين يستطيعون توجيه حركة الجمهور اللاواعية وتنظيمها للوصول لمخططاتهم التي أعدت سلفاً والتي لا يمكن أن تكون وليدة لحظة التحرك الجماهيري وهنا تبرز أهمية القيادة الملهمة التي يخلع عليها الجمهور ثقته ويتخلى عن عبء التفكير لها لأن الجمهور في غالبه لا يفكر في المآلات والتوجيه لأنه تجمع همجي مكون من أفراد متنافرة على مستواها العيني.

خصائص الفرد المنخرط في الجمهور: تلاشي الشخصية الواعية، والتوجه نحو تحويل الأفكار التي يتم التحريض عليها إلى ممارسات واقعية.

الجمهور هو دائماً أدنى مرتبة من الإنسان المفرد من الناحية العقلية والفكرية، الجمهور سريع الانفعال مقود دائماً ومن الصعب عليه أن يتحكم في تصرفاته، الجماهير سريعة التأثر وسريعة تصديق الشائعات وغالباً ما تتسم بالسذاجة، الجمهور يعتمد في تفكيره على الصور ويربط بها الأحداث مما تعطي انطباعها المباشر على العاطفة التي تعد من أهم أسس تحرك الجماهير جمعياً، مثل حادثة ظهور القديس جورج على جدران القدس بالنسبة للمسيحيين فما أن ادعى أحد الحاضرين رؤيته حتى سرت العدوى وانتشر الوباء في كل الحضور وشاهده الجميع وهذه الهلوسات متكررة كثيراً على مدار التايخ – ومثل حادث رؤية عبد الناصر للسيدة مريم العذراء واجتماع الصحف المصرية كلها على نشر الخبر مما شكل وعي الجماهير آنذاك ووجهه باتجاه معين.

إن ما سبق هو ملخص لكتاب ” سيكولوجية الجماهير ” للكاتب الفرنسي ” جوستاف لوبون ” وهو أحد المفكرين الذين عاصروا أحداث ما بعد الثورة الفرنسية والتي امتدت إلى ما يقارب المائة عام بين جذب الثورة والثورة المضادة كما يصفها هو في كتابه حتى استقرت الأوضاع على ما هي عليه قبل الحرب العالمية الأولى .

على الحركة الإسلامية وقادتها أن يتحولوا من العمل الارتجالي الوقتي كحالة رد فعل إلى دراسة المجتمعات ومشاكلها دراسة حقيقية لتنتقل الحركة من رد الفعل إلى الفعل فكل عمل غير منظم فاشل، وكل عمل منظم على غير دراسة فاشل أيضاً.
 

 

ساسة بوست

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع