..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الجمعة الحزينة...لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

مجاهد مأمون ديرانية

9 أغسطس 2017 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1555

الجمعة الحزينة...لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

شـــــارك المادة

الجزء الأول من هذه المقالة أجاب عن سؤال: ماذا جرى في سوريا قبل أسبوعين، ولماذا انهارت حركة أحرار الشام في المعركة؟ هذا الجزء الثاني والأخير يجيب عن السؤال الأهم: لماذا انتصرت جبهة النصرة؟

انتصرت النصرة في حربها الأخيرة لأن القوة الدولية التي تسيطر على الملف السوري وتتحكم به أرادت لها أن تنتصر، انتصرت لكي تكمل مسلسل تدمير وإنهاء الثورة الذي بدأت به أختُها الكبرى داعش قبل ثلاث سنين. هذه هي الخلاصة، وما يأتي في هذه المقالة الطويلة ليس سوى شرح وتفصيل.

-1-

كان النصف الأول من عام 2013 عصرَ الثورة الذهبي، حينما بسطت الثورة سيطرتها على ثلثَي مساحة سوريا وعاش في نعمة الحرية نصفُ السوريين، وكان النصف الثاني من تلك السنة هو بداية المأساة التي نعيش اليوم فصولها الأخيرة.

لم يستطع العدو وحلفاؤه وأصدقاؤه الأبيِناء والاخفياء إنهاء الثورة، فقد صمد حصنُها المنيع صموداً أسطورياً واستعصى على السقوط، فما لبثوا أن جاؤوا بحصان طروادة فزيّنوه بالأعلام السود ووضعوه أمام باب الحصن، فلما بَصُر به "بعض" أهل الحصن حسبوه صديقاً ففتحوا الباب وأدخلوه، فثَمّ اخترق العدو الحصن، وثَمّ بدأت المأساة، وثَمّ بدأ الانهيار. ما بقي من الحكاية بعد ذلك مجرد تفاصيل يعرفها الجميع.

-2-

عندما قاتلت الفصائل الثورية داعش في بداية عام 2014 تراجعت داعش إلى الرقة التي لم يبقَ لها في سوريا كلها غيرُها. كان ينبغي يومها أن يتم القضاء على تلك العصابة إلى الأبد، وهذا ما كاد يحصل فعلاً لولا أن "قوّة ما" تدخلت لتوقف الهجوم على داعش، قوة ما زالت تعبث بثورتنا منذ يومها الأول وتكيد لها المكائد وتسعى إلى تفكيكها وإجهاضها بكل سبيل. أما عرفتموها؟ إنها عدو الأمة الألدّ منذ سبعين سنة، العدو الذي صنع نظامَ الأسد وربّاه على عينه ووفر له أسباب البقاء مذ كان، إنها الولايات المتحدة الأمريكية.

في الأشهر الثلاثة التالية نسي الناس داعش وعادوا للانشغال بثورتهم ومعركتهم مع النظام، ثم وقعت حادثة مفاجئة أعادت تذكيرهم بالخطر المَنسيّ. في العاشر من نيسان 2014 هاجمت داعش البوكمال، بعد ذلك بأسبوعين نشرتُ سلسلة من أربع مقالات بعنوان "داعش تضرب من جديد"، قلت في الأولى منها:

"لماذا هاجمت داعش البوكمال؟ الذين بحثوا عن جواب السؤال في البوكمال ذاتها أغلقوا ملف القضية بعد تحريرها من الغزاة مساء ذلك اليوم، ولكن الملف ما كان له أن يُغلَق لأن الجواب ليس فيها؛ إنه في كباجب والشولا وفي القورية والطيانة والموحسن وذيبان وفي مركدة والحصين والصّوَر والبصيرة، أو بتعبير أشمل: إنه في الجزيرة السورية كلها. إنها بداية العلوّ الثاني لداعش في سوريا، ولئن علت الثانيةَ لَتُفسدَنّ فساداً عظيماً كما صنعت أول مرة".

ثم قلت: "عندما يُكتَب تاريخ الثورة السورية سوف يخصَّص فصل للحرب الأولى مع داعش التي بدأت في الأتارب في الثلاثين من كانون الأول 2013، وسيخصص فصل آخر للحرب الثانية التي بدأت في مركدة في الثلاثين من آذار 2014، والتي ما تزال تجري أحداثها بعيداً عن الضوء الإعلامي الساطع حتى الآن، غير أنها لن تلبث أن تصبح في عمق اهتمام الثورة عما قريب إذا لم توضَع نهايةٌ حاسمة لها قبل فوات الأوان".

بعد نشر المقالات بأسبوعين كانت داعش ما تزال تتقدم جنوباً على الخابور باتجاه الميادين، وكنت يومها في تركيا فالتقيت بعدد من قادة فصائل الشمال. حذرتهم من التمدد الداعشي الجديد وشرحت لهم أخطاره وآثاره، قلت لهم: إنّ وَقْفَ الهجوم اليوم ممكن وإنّ عكسه يسير، فإذا تركتموه سيصبح وقفه وعكسه أقربَ إلى الاستحالة، وسوف تخرج هذه المناطق من أراضي الثورة إلى الأبد.

لقيتهم فرادى، لم ألقَهم جملة ولم يتواطؤوا على الجواب، إلا أنه كان واحداً من الجميع: لقد مُنع عنّا الدعم العسكري بعد قتال داعش الأخير، لا نملك ذخائر وأسلحة تكفي لوقف العدوان الجديد.

-3-

بقية القصة معروفة، وما كان خفياً من دعم أمريكا لداعش صار اليوم معروفاً مكشوفاً للجميع. بغَضّ النظر عن نشأة داعش الأولى وبعيداً عن نظريات لا يمكن إثباتها، ما يهمنا هو الحقيقة الثابتة التي تدعمها الأدلة والشواهد والشهود.

لقد ساهمت أمريكا في حماية ودعم وتقوية داعش لأنها كانت بحاجة إليها لتنفيذ السياسة الأمريكية في سوريا والعراق. ولعل كثيرين من قراء هذه المقالة سمعوا طويلاً تلك الجملة الغريبة: ليس لأمريكا سياسة في سوريا. وما أعجبَه من قول! بلى، لأمريكا سياسة في سوريا لا تخطئها العين، خلاصتها إجهاض الثورة والمحافظة على النظام الذي كان خادماً للمصالح الدولية (الشرقية والغربية والإسرائيلية) وكان جزءاً من المنظومة الدولية الصُّلبة لعدة عقود (أما الأسد نفسه وعائلته فأهون من أن ينشغل بهما أحد، لا أمريكا ولا روسيا ولا غيرهما، ما خلا إيران).
استطاعت داعش أن تقوم بجزء كبير من المهمة بنجاح، وكان يمكن أن تقوم بها كاملة (كما صنعت في العراق) لولا "انفجار الوعي" الذي تميزت به الثورة السورية عن كل الساحات التي غزتها القاعدة من قبل، فسرعان ما بدأت حملة هائلة على داعش شارك فيها آلافُ العلماء والدعاة والإعلاميين والمفكرين والكتّاب، وصدرت الفتاوى بقتال داعش من عشرات المؤسسات والروابط والمجالس الشرعية، فتوقف المدّ الداعشي وبقيت في يد الثورة بقية صالحة لاستئناف الثورة من جديد.

مضت ثلاث سنوات، سنوات عُسْرة وضغط عسكري وسياسي أوشك أن ينهي الثورة غيرَ مرة، إلا أنها صمدت وبقيت عصيّة على الأعداء. عندئذ تحرك حصان طروادة مرة أخرى، وبدأت الحكاية نفسها من جديد.

-4-

ماذا صنعت داعش في العراق؟ اجتاحت مناطق السنّة التي عجزت حكومة المالكي الطائفية عن إخماد ثورتها وفشلت في فَضّ اعتصاماتها التي استمرت لأكثر من عام، وكان أول ما صنعته داعش بعد اجتياح مناطق السنة واحتلالها هو تجريد أهل السنة من الأسلحة التي كانوا يملكونها وتدمير مؤسساتهم العسكرية والمدنية، ولم تلبث أن أدخلتهم في حرب مفتوحة مع إيران والمليشيات العراقية الطائفية ومع العالم كله أو أكثره، ثم تخلّت عنهم وانسحبت من مناطقهم لتتركها نهباً للحشد الطائفي. النتيجة هي هذه المأساة المروّعة التي يعيشها إخواننا من سُنّة العراق اليوم بعد انهيار "دولة الخرافة" واجتياح حشد المغول، إنها جريمة داعش الكبرى وأكبر كوارث الأمة في العصر الحاضر.

وماذا صنعت في سوريا؟ قاتلت الفصائل فدمرتها وفكّكتها وقَتّلت وهَجّرت مقاتليها، ثم احتكرت السلاح وحكمت المناطق المحتلة بالحديد والنار في محاكاة سيئة لنظام الأسد، وكما صنعت في العراق صنعت في سوريا: دمرت مؤسسات الثورة العسكرية والمدنية ودخلت في حرب مع العالم كله أو أكثره، وها هي اليوم تتخلى عن المناطق التي احتلتها وتتركها نهباً للنظام والأكراد الانفصاليين.

باختصار: سطت داعش على نصف الأرض التي حررناها بالدماء الزكية والتضحيات الجِسام، قاتلت الفصائل واحتلت المُحرَّر، ثم أعادتها لأعداء الثورة. كل الأرض السوداء التي سرقتها منا داعش فقدناها إلى الأبد، إلا أن يشاء الله، فالهدف الذي من أجله سُمح لداعش بالانتصار في حربها مع الثورة هو نزع الأرض من الثورة وإعادتها للنظام (بعد اقتطاع جزء كبير منها للأكراد الانفصاليين).

هذا الهدف هو نفسه الذي سُمِحَ من أجله لجبهة النصرة بالانتصار في الحرب الأخيرة. إنها بداية العلوّ الكبير الأخير للجولاني وجبهته الملعونة، وهو بداية تحقيق المؤامرة ذاتها، نزع الأرض من الثورة وإعادتها للنظام.

-5-

كان يوم الجمعة الحادي والعشرين من تموز يوماً كارثياً على الشمال وعلى الثورة السورية، ففيه بدأ الفصل الأخير من فصول المؤامرة الكبرى على الثورة السورية. في ذلك اليوم كانت الأحداث صاخبة والشمال يغلي كالمِرجَل، وقد تحركت بعض وحدات "درع الفرات" باتجاه باب الهوى قُبيل الفجر فوصلت طلائعها إلى المعبر ضُحىً، فيما تحركت الأرتال في أرياف إدلب، وتحركت دول كبيرة وراء الستار.

في ساعة متأخرة من الليل في نهاية ذلك اليوم الطويل كتب أحد قادة درع الفرات في مجموعة ثورية: "ثبت أن إسقاط الجولاني أصعب من إسقاط الأسد". كانت تلك هي خلاصة الخلاصة؛ لقد بُذل جهد خارق لإفشال كل محاولات الإنقاذ، وسُلِّم الشمال المحرر للنصرة في استنساخ فَجّ مكشوف لمؤامرة داعش الأولى.

كان ذلك تتويجاً لجهود خبيثة بُذلت على مدى عامين تقريباً. خلال تلك الفترة الطويلة دأبت جبهة النصرة على مصادرة نصف السلاح الذي استلمته فصائل الشمال من غرفة التسليح (الموم) التي تشرف عليها وتتحكم فيها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. وأكثر من ذلك، شكّل الجولاني فصيلاً وهمياً باسم الجيش الحر وكان مندوبه يشارك في اجتماعات غرفة التسليح ويستلم حصته من الأسلحة، وعندما حاول أحد مندوبي الفصائل تنبيه الأمريكيين لتلك المهزلة أُسكِت بفظاظة ومُنع من فتح الموضوع مرة أخرى! هذا عدا عن عشرات الملايين التي وصلت للنصرة مقابل الإفراج عن رهائن مختطَفين، بعلم ومباركة الإدارة الأمريكية والمخابرات الأمريكية.

على مدى سنتين جرى تذخير النصرة وإمدادها بالمال والسلاح وغَضّ الطرف عن اعتدائها المتكرر على فصائل الجيش الحر "المعتدلة" التي زعمت أمريكا أنها تدعمها، بل وأكثر من ذلك وكما حصل قديماً مع داعش: كل فصيل قاتل النصرة قُطع عنه الدعم، واستمر لكل الفصائل التي تشاطر النصرة ما يصلها من سلاح. وأخيراً كان لا بد من تدخل مباشر لإنفاذ الخطة إلى آخرها: في اللحظة الحرجة تدخلت أمريكا بقوة لمنع درع الفرات من التقدم والإنقاذ.

* * *
لا يُلدَغ المؤمن من الجحر الواحد مرتين، ونحن ما نزال نُلدغ من الجحر نفسه مرة بعد مرة وما نزال نَمُدّ إليه أيدينا غافلين. لم تعلمنا كارثة داعش ولن تعلمنا كارثة النصرة، لأننا نأبى أن نتعلم، لأننا نُصِرّ على المحافظة على الغباء والسذاجة وحسن الظن "بإخواننا المجاهدين".

يقولون إن القانون لا يحمي المغفلين، وأجدر بهم أن يقولوا إن التاريخ لا يرحم المغفلين.


من حساب الكاتب على فايس بوك

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع