..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

نداء عاجل إلى الإخوة في المؤسسات والفصائل

علي الكيلاني

17 ديسمبر 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1688

نداء عاجل إلى الإخوة في المؤسسات والفصائل

شـــــارك المادة

التّشبهُ بالعدو في القول والفعل والفكر والمعتقد، والمظهر والمخبر في حالة السلم أمرٌ خطير يهدُّ كيان الأمة ويفتت جسدها، ويُنبئ عن التبعية والضعف والخور والتآكل والعجز في الأمة، والأخطر منه أن يقع التشبه من أبناء الأمة وقادتها بأعداء الأمة حالة الحرب، في حالٍ يوجب التمايز والعزة والظهور لا التبعية ولا التشبه بالعدو المتربص، فهذا هو الشر المستطير، والخسران الكبير.
وقد أخبر رسولنا الكريم صلى الله عليه  وسلم –محذراً– عن وقوع الأمة في وَحَلِ التشبه بأعداء الأمة، ففي  الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذة بالقذة، حتى لو دخلوا حُجر ضَبٍّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:  فَمَن!.
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ (وفي رواية: بأخذ) القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ قال: ومَنْ الناس إلا أولئك).
فـ"أعلم صلى الله عليه و سلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم... وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه و سلم وسيقع بقية ذلك".
وفي سنن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم".
ومن  الأمور التي يفعلها أهل الكتاب -اليهود والنصارى- والأعاجم والتي ابُتليت بها الأمة السورية -عوامها وقادتها- وتلبست بها -إلا من رحم الله- ما ذكره  سبحانه عن اليهود والنصارى بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة:113].
فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما عليه الأخرى من الحق، واختلاف بعض المؤسسات والفصائل وأجنادها في سوريا، وكلامها في بعضها البعض هو من هذا النمط، وهذه النقطة محور حديثنا هنا.
ولأنْ يقع التشبه بالعدو من عوام الناس أمرٌ في غاية الخطر، فماذا يكون حين يقع التشبه من بعض كبار القادة والموجهين والشرعيين والرؤوس الكبار، الذين بيدهم الحل والعقد، والذين وضعت الأمة آمالها بعد الله في أعناقهم، فتجدهم على أرض الواقع وفي مواقع التواصل الاجتماعية يذمون غيرهم ذماً مبالغاً فيه بأكثر مما يستحقونه، افتراءً وبهتاناً، وينكرون عليهم إنكاراً مطلقاً كلياً، ويُحمّلون خطأ الفرد على الجماعة والفصيل، ويدّعون لأنفسهم الإيمان والجهاد والحق دون غيرهم، وينسبون لأنفسهم الانتصارات والفتوحات، ويزعمون أنهم أحق بالقيادة والإفتاء من غيرهم، وأنهم أهل التجربة والريادة والسيادة.
بل يصل الأمر عند بعضهم إلى أنهم يلمزون ويغمزون، ويطعنون ويحتقرون ويستهزؤون، ويدخلون في النوايا والمقاصد، وبعضهم يتهمون ويَصِمون غيرهم بالردة والكفر وموالاة الأعداء، وغير ذلك، بل إنهم ليعملون أعمالاً  يجعلونها حلالاً لهم ويتأولون مشروعيتها، ولو عمل غيرُهم نفسَ الأعمال لأصبحت حراماً، فيحرمون ويحللون على حسب أهوائهم ويكيلون بمكاييل حسب رغباتهم، ودأبهم وقاعدتهم: نحن على الصواب ومنهجنا هو الصواب لايتطرقه الخطأ، وغيرنا منهجهم على خطأ يحتمل الصواب، أو حتى عند بعضهم: وغيرنا منهجه خطأ لا يحتمل إلا الخطأ.
فيقابلهم الآخرون بِشرٍّ من ذلك   فيردون عليهم   بالحق والباطل،  بِشرِّ قول يتبعه شَرُّ فعلٍ وقبيحُ خُلقٍ.
  فكل فريق وفصيل يزعم أن الحق والهدى معه، وأنهم هم الناجون وهم قادة الفرقة الناجية،  وأن الباطل والضلال مع غيرهم، وغيرهم هم الهالكون الخاسرون في الدنيا والآخرة،  فصار كل حزب بما لديهم فرحون. ضمن مهاترات  وافتراءات  لا  تزيد الأمةَ إلا تفرقاً وتمزقاً  واختلافاً،  ولا  تزيد الأمرَ إلا تعقيداً ، ولا  النصرَ إلا  تأخيراً ،  ولا النفوس إلا كراهية وشحناء وبغضاء، ولا الشعبَ اللاجئ والنازح  والمظلوم  المقهور إلا تذمراً وكرهاً  وبُغضاً. ولا الفصائل إلا تقاطعاً  وتدابراً.
بل قد يحل الويل والدمار وسفك الدماء وتشريد الأبرياء وقتل الشيوخ والصغار والنساء، وتشتعل فتنة عمياء صماء، من وراء كلمة قائد أو شرعي أو موجهٍ أو تابع لا يلقي لها بالاً، ولا يقّدر عواقبها الوخيمة، يقولها في  فصيل آخر، أو أحد كبرائه وقادته، ولسان الحال:

عجباً لقوم ظالمين تستَّروا  *** بالعدل ما فيهم لعمري معرفهْ
وتلقَّبوا الناجين كلاَّ إنهم إن *** لم يكونوا في لظى فَعلَى شفَهْ

وبالنظر في ما يجري ويصدر من هؤلاء وهؤلاء جميعاً يُرجِع المتأمل في ذلك كله إلى أمور وأسباب عدة أهمها:
أولاً: حبُّ الذات والأنا والتسلط وحب السيادة والرياسة، وحبّ المال والجاه والشهرة والظهور والمناطقية، ونحو ذلك من أمراض النفوس، أوقع بعضهم -هداه الله- في التشبه بالأعداء، وطعن بعضهم في بعض، فأوقعهم مرة أخرى في التشبه في الخصلة الثانية من خصال اليهود والنصارى في قولهم: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } [سورة البقرة:111]، فكفّروا من سواهم واعتبروهم مرتدين مستحقين للعذاب محرومين من الثواب، فاستباحوا حرماتهم وأموالهم وأعراضهم.. ورد عليهم الآخرون بنفس كلامهم فكفروهم وردوا عليهم بالباطل.
"فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون فهم كما قال الإمام أحمد: مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب".
وغفلوا عن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم.
ثانياً: الهوى والعناد والجهل بطريق الحق الواضح المبين، فأكثر الكلام والقول الحاصل من قبل بعض الفصائل وأتباعها في بعضهم  البعض مبني على ذلك، كما قال سبحانه وتعالى في سياق ذم منهج أهل الكتاب من اليهود والنصارى: {كذلك قال الذين لا يعلمون} فالجاهلون قالوا مثل ما قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ومثل ما قالت النصارى: ليست اليهود على شيء.
فالجهل بصراط الله المستقيم، وبنصوص الشرع القويم وبرحمة الله جل وعلا الرحمن الرحيم، وبسيرة وهدي رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعدم الدراية بمنهج صحابته الكرام الطيبين في تعاملهم مع المخالفين،  هو  آفة من الآفات وبلية من أكبر البليات  ومصيبة من أعظم المصيبات توقع المرء في الضلال والعدوان والقتل الحرام، وعدم قبول الحق وعدم تحكيم الشرع وقد قال: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم ويُبقي في الناس رؤوساً جُهّالاً يفتون بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون».
قال ابن القيم رحمه الله: "والأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدا فمنها: الجهل به وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس؛ فإن من جهل شيئاً عاداه وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من القبول أقوى، فإن انضاف إلى ذلك أُلفُه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظمه قويَ المانع، فإن انضاف إلى ذلك توهمه أن الحق الذي دعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه قوى المانع من القبول".
"فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول والخروج عنه".
ورحم الله القرافي إذ يقول: "وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل، فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أن أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله".
كما وأن اتباع الهوى آفة كبرى وطامة عظمى، وقد بيّن بعض العلماء خطر اتباع الهوى وضرره على الدنيا والدين.
فقال ابن القيم رحمه الله: "فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصداً".
وقال أيضاً رحمه الله: "فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب فلا يميز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة والسنة بدعة، فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدنيا واتبعوا الرياسات والشهوات".

يأبى الفتى إلا اتّباعَ الهوى***ومَنْهَجُ الحقِّ له واضِحُ

وما أكثر ما يقع فيه من العداوة بين الفصائل بسبب اتباع الهوى، نسأل الله السلامة والعافية.
ثالثاً: وبعضهم يتكلم في بعض بغياً وبُغضاً وكراهية وعدواناً وظلماً وحسداً من بعد ما جاءه الحق كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة:213]
وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران : 19] .
وقال: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الشورى : 14]
وقال: {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية : 17] .
قال ابن كثير رحمه الله: "أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر  على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذه المواضع من القرآن تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات فاختلفوا للبغي والظلم، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل عليهم، وهذ حال أهل الاختلاف المذموم من أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر لهم الحق ويجيئهم العلم فيبغي بعضهم على بعض، ثم المختلفون المذمومون كل منهم يبغي على الآخر فيكذِّب بما معه من الحق مع علمه أنه حق، ويصدِّق بما مع نفسه من الباطل مع العلم أنه باطل، وهؤلاء كلهم مذمومون ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومين في الكتاب والسنة فإنه ما منهم إلا من خالف حقا واتبع باطلا ، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعوا إلى دين واحد وهو دين الإسلام ولا يتفرقوا فيه وهو دين الأولين والآخرين من الرسل وأتباعهم قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} (سورة الشورى:13). وقال في الآية الأخرى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون:51-52]"().
وقد جر ّالبغيُ أقواماً وبعض الفصائل إلى قبول كلام قادتهم وشرعييهم ولو كان باطلاً ومخالفاً للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ورفض كلام القادة والشرعيين الآخرين ولو كان حقاً وموافقاً للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وقد قال ابن القيم رحمه الله: "وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه، ويقبله إذا قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة: إقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا.
"فعلى المسلم أن يتبع هدى النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الحق ممن جاء به من ولي وعدو وحبيب وبغيض وبرٍّ  وفاجر ويرد الباطل على من قاله كائنا من كان".
ومصداق ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان، (صدقك وهو كذوب) وغيره من الأحاديث النبوية والنصوص الشرعية الكثيرة.
ومن أجمل ما قال ابن تيمية رحمه الله في هذا الباب: "والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلا عن الرافضي قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق، ولهذا جعل هذا الكتاب منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، فإن كثيرا من المنتسبين إلى السنة ردوا ما تقوله المعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع بكلام فيه أيضا بدعة وباطل، وهذه طريقة يستجيزها كثير من أهل الكلام ويرون أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد لكن أئمة السنة والسلف على خلاف هذا،  وهم يذمون أهل الكلام المبتدع الذين يردون باطلا ً  بباطل وبدعة ببدعة، ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق لا يخرج عن السنة  في حال من الأحوال وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله ولهذا لم نرد ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق بل قبلناه لكن بينا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك".

رابعاً: التعصب لرجل معين أو راية معينة أو عصبية لقومه أو طائفة معينة-لشهوة في النفس - والولاء والبراء على ذلك، دون التعصب للحق أو لإظهار الدين وإعلاء كلمة التوحيد، وإن كانت الشعارات الظاهرة تنادي بها، لكن الواقع مختلف، وقد جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه".
فقوله: (تحت راية عمية) قال أحمد بن حنبل رحمه الله: هو الأمر الأعمى كالعصبية لا يستبين ما وجهه، وقيل: هو في تخارج القوم، وقتلِ بعضهم بعضاً، وأصله من التعمية، وهو التلبيس. أو قتال على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل. أو أنه يقاتل لشهوة نفسه وغضبه لها ويؤيد رواية "يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة" ومعناه: إنما يقاتل عصبية لقومه وهواه.
فهذا حال بعض الأخوة -هداهم الله- يتعصب لقائده وفصيله ولو  كان على الباطل، ويدور في فلكه حيث دار،  وينتصر لرأيه، وكأنه معصوم،  ويترك قول  الشرع الحكيم وراءه ظهريا.
يقول ابن تيمية رحمه الله: "والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وطاعة رسوله يدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا للصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط بخلاف أصحاب عالم من العلماء  فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قول قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ؛ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم".
خامساً: مقابلة الظلم بالظلم، والفساد بالفساد، والباطل بباطل، والبدعة بالبدعة، والشر بأعظم منه، وسبق بيان أن هذا المنهج مخالف لسلف الأمة من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
سادساً: من الأسباب التي  تثير الفتن والمشاكل وكلام الفصائل بعضهم ببعض وتناحرهم وتقاتلهم ، أسبابٌ خارجية، وأهمها أن بعض الأخوة –هداهم الله- الذين هم خارج  البلاد نصب نفسه حاكماً على الناس من بعيد، ومعه ميزان يزين به الناس بالحق والباطل ،  فيلقي بالكلمة  وهو مستلقٍ  على أريكته، ولا يعلم مقاصد الأمور ومآلاتها، ولا يظن أن ميزانه طائش  يؤخر النصر ويشتت الشمل، ومنهم صنفٌ وهم الذين يحاولون تكميم أفواه أهل الحق المجاهدين وتكسير أقلامهم وخمد أصواتهم؛ وهؤلاء هم المخذِّلون.
ولقد صدق ابن القيم رحمه الله حين قال: "فإن كنت من أبناء الطعن والضرب فقد التقى الزحفان وتقابل الصفان، وإن كنت من أصحاب التلول فالزم مقامك ولا تدن من الوطيس فإنه قد حمى وإن كنت من أهل الأسراب الذين يسألون عن الأنباء ولا يثبتون عند اللقاء
فدع الحروب لأقوام لها خلقوا*** ومالها من سوى أجسامهم جنن
ولا تلمهم على ما فيك من جبن *** فبئست الحلتان اللؤم والجبن.

سابعاً: عدم التثبت من الأخبار، والتحدث بكل ما يُسمع ويُقال من غير معرفة صدق الأخبار من كذبها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".
وقد أرشدنا ربنا في سورة الحجرات إلى آداب سماع الحديث والتثبت والتحري في قبول الأخبار، وخاصة مع كثرة الشائعات والكذب في مواقع التواصل الاجتماعي ممن ينتحلون أسماء وهمية لا يعرف دينهم ولا منهجهم.
فهذه بعض الأمور  والأسباب التي  يغلب على ظني أنها أوقعت الإخوة في القول في بعضهم البعض بالباطل،  ونتائجها لا تخفى على أحد، حيث  أدت إلى الفرقة والمهاترات وتبادل الشتم والسب والتقزيم والتعصب والغلو  بين هؤلا ء وهؤلاء.
وما ذكرتها إلا لنتجنبها  ويتجنبها الإخوة لتجتمع  الأمة على الحق وتحقق أهدافها.
وإنما قامت السموات والأرض على ساق العدل وقدم الصدق: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلاً} [الأنعام : 115].
فالله الله يا أيتها المؤسسات و الفصائل جميعها في سوريا عليكم بكلمة الحق والعدل في الآخرين، فقد أمرنا الله جل جلاله بالعدل والقسط مع جميع الخلق  المخالفين والموافقين في الدين، وأن لا يحملنا بغض قوم على عدم العدل معهم أو ظلمهم ، فهذه طريق التقوى فقال الحق جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة: 8].
قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة".
واستعمال العدل إن كان مأموراً مع المخالفين من أهل الكتاب ومطلوب التزامه في جميع الأحوال؛ فهو ولا شك من باب أولى أن يكون مطلوبا استعماله مع المؤمنين وإن حصل خلاف بينهم.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقرر هذا الأمر العظيم في كثير من كتبه:
فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى: "ومعلوم أنا إذا تكلمنا فيمن هو دون الصحابة مثل الملوك المختلفين على المُلك، والعلماء والمشايخ المختلفين في العلم والدين،  وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال،  والظلم محرم مطلقا لا يباح قط بحال، قال تعالى: { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب  للتقوى}، وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغضٌ مأمور به، فإن كان البغض الذي أمر الله به قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه".
وقال رحمه الله أيضاً: وَقَالَ تَعَالَى: {لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِن تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور} [سُورَة آل عمرَان 186] فَأمر سُبْحَانَهُ بِالصبرِ على أَذَى الْمُشْركين وَأهل الْكتاب مَعَ التَّقْوَى وَذَلِكَ تَنْبِيه على الصَّبْر على أَذَى الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض متأولين كَانُوا أَو غير متأولين.
وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَا يجرمنكم شنئان قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} [سُورَة الْمَائِدَة 8] فَنهى أَن يحمل الْمُؤمنِينَ بغضهم للْكفَّار على أَلا يعدلُوا عَلَيْهِم فَكيف إِذا كَانَ البغض لفَاسِق أَو مُبْتَدع متأول من أهل الْإِيمَان فَهُوَ أولى أَن يجب عَلَيْهِ أَلا يحملهُ ذَلِك على أَلا يعدل على مُؤمن وَإِن كَانَ ظَالِما لَهُ.
فَهَذَا مَوضِع عَظِيم الْمَنْفَعَة فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَإِن الشَّيْطَان مُوكل ببني آدم وَهُوَ يعرض للْجَمِيع ولا يسلم أحد من مثل هَذِه الْأُمُور دع ماسواها من نوع تَقْصِير فِي مَأْمُور أَو فعل مَحْظُور بِاجْتِهَاد أَو غير اجْتِهَاد وَإِن كَانَ هُوَ الْحق".
وقال أيضاً : بَلْ الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَالِ، حَتَّى إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْدِلُوا عَلَى الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .

وَالْمُؤْمِنُونَ كَانُوا يُعَادُونَ الْكَفَّارَ بِأَمْرِ اللَّهِ فَقَالَ تَعَالَى مُبَيِّنًا: لَا يَحْمِلُكُمْ بُغْضُكُمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ بَلْ اعْدِلُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى".
وقال أيضاً: "وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَصْدَقُ وَلَا أَعْبَدُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَمَعَ هَذَا فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مَعَهُمُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَلَا يَظْلِمُونَهُمْ; فَإِنَّ الظُّلْمَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، بَلْ هُمْ لِلرَّافِضَةِ خَيْرٌ وَأَعْدَلُ مِنْ بَعْضِ الرَّافِضَةِ لِبَعْضٍ.وهذا مما يعترفون هم به ويقولون أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضا".
وقد سار العلامة ابن القيم رحمه الله على تقرير هذا الأمر اتباعاً للدليل، واسترشادا بمنهج شيخه رحمه الله.
ومن أقواله في ذلك قوله عن أهل الإيمان: "بل هم إلى الله تعالى ورسوله متحيزون وإلى محض سنته منتسبون يدينون دين الحق أنى توجهت ركائبه ويستقرون معه حيث استقرت مضاربه لا تستفزهم بدوات آراء المختلفين ولا تزلزلهم شبهات المبطلين فهم الحكام على أرباب المقالات والمميزون لما فيها من الحق والشبهات يردون على كل باطلة ويوافقونه فيما معه في الحق فهم في الحق سلمه وفي الباطل حربه لا يميلون مع طائفة على طائفة ولا يجحدون حقها لما قالته من باطل سواه بل هم ممتثلون قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة 8) فإذا كان قد نهى عباده أن يحملهم بغضهم لأعدائه أن لا يعدلوا عليهم مع ظهور عداوتهم ومخالفتهم وتكذيبهم لله ورسوله فكيف يسوغ لمن يدعي الإيمان أن يحمله بغضه لطائفة منتسبة إلى الرسول تصيب وتخطيء على أن لا يعدل فيهم بل يجرد لهم العداوة وأنواع الأذى ولعله لا يدري أنهم أولى بالله ورسوله وما جاء به منه علما وعملا ودعوة إلى الله على بصيرة وصبرا من قومهم على الأذى في الله وإقامة لحجة الله ومعذرة لمن خالفهم بالجهل،لا كمن نصب معالمه صادرة عن آراء الرجال فدعا إليها وعاقب عليها وعادى من خالفها بالعصبية وحمية الجاهلية والله المستعان"().
وقال رحمه الله أيضاً: من قواعد الشرع والحكمة أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه ما لا يعفى من غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.. وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أن من له ألوف الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين وكما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد *** جاءت محاسنه بألف شفيع .
وقال آخر:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا *** فأفعاله اللاتي سررن كثير.
  فالحاصل أيها العقلاء أن تقرير مبدأ العدل مع الموافق والمخالف أمر تشهد له الأدلة الصحيحة، والفطر السليمة، ومنطوق الآية السالفة أصرح دليل في ذلك.
وأما ظلم العباد بحجة رد الباطل فهو من أشبه الصور بفعل من احتال على المحرم بفعل المباح، وهو من الحيل المحرمة.
فمتى كان دماء المسلمين أو أعراضهم أو أموالهم وهم لا يزالون مسلمين تكون حِلاً ونهباً بحجة أنهم مخالفين، وأي حجة تكون لمرتكب ذلك؛ والأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة تثبت بحجة قاطعة حرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
و الأعجب من هذا كله وما سبق ذكره  أن المهاترات والكلام في بعضهم البعض بالباطل إنما وقعوا فيها،  وحالهم هو حال من قبلنا  كما وصفهم الله  بقوله: {وهم يتلون الكتاب}، يقرؤون جميعهم القرآن الكريم و مع هذا يرمي بعضهم بعضا بالكفر والفسوق والضلال.
"فها هنا تسكب العبرات بما جناه التعصب في الدين على غالب المسلمين من الترامي بالكفر، لا بسنة ولا قرآن، ولا لبيان من الله ولا لبرهان، بل لمّا غلت مراحل العصبية في الدين، تمكن الشيطان من تفريق كلمة المسلمين.
  فأين أنتم يا أولي الألباب من كل الفصائل والمؤسسات والهيئات: أليس فيكم ومنكم رجل رشيد ألستم تتلون كتاباً واحداً هو القرآن الكريم وتتبعون رسولاً واحداً هو محمد  رسول الله ، وكتاب ربكم وسنة نبيكم  يأمرانكم بالاعتصام وعدم الخلاف والفرقة ، ويحذرانكم من النزاع  فهو سبب الفشل {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}[الأنفال : 46] .
ألم تتلوا كتاب ربكم  وتعلموا أن الله تعالى أمر المؤمنين بالجماعة والائتلاف  وأوجب الاعتصام بهما، فهما من أصول الدين ودعائمه وركائز النصر وأسسه،  ونهى عن الفرقة والاختلاف ونفّر منهما وأوضح أن فساد الأمة يكون بهما وهما سبب لهدم الدين وفساد الدنيا. فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عِمْرَان: 103 ]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء} [الأنعام: 159]. وقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عِمْرَان: 105]. وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [ الأنعام : 153 ] .
ألم تسمعوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله و مناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". 
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إلزموا هذه الطاعة والجماعة فإنه حبل الله الذي أمر به، وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة".   
وفي حديث أبي هريرة المحفوظ عنه صلى الله عليه وسلم : { إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم}. فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث ؛ إخلاص العمل لله ومناصحة أولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين ، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التي لله ولعباده ، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة وَقَدْ ذَمَّ أَهْلَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ}، وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}.
وَكَذَلِكَ ما ورد في سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَنَاظَرُونَ فِي الْقَدَرِ؛ وَرَجُلٌ يَقُولُ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا، وَرَجُلٌ يَقُولُ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ كَذَا، فَكَأَنَّمَا فُقِأَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ: أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ، إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا لَا لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، اُنْظُرُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ، وَمَا نُهِيتُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ}.
وإن الناظر في تاريخ المسلمين يجد أن "بِلَادُ الشَّرْقِ مِنْ أَسْبَابِ تَسْلِيطِ اللَّهِ التَّتَرَ عَلَيْهَا كَثْرَةُ التَّفَرُّقِ وَالْفِتَنِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَذَاهِبِ وَغَيْرِهَا". 
  فليتقِ الله كل من يتكلم بكلام ، وليزنه بميزان الشرع، وليعلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأنه قد يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً قد تهوي به في نار جهنم سبعين خريفاً، وليشهد لله ويقوم بالقسط، فستكتب شهادته في إخوانه، وسيسأل عنها، ولينظر المصالح المرجوة من كلامه والمفاسد المترتبة التي قد تحصل، ولا يقول إلا صدقاً وعدلاً ، ولا يجرمنّه شنآن قوم وبغضهم أن يحيف بالقول والفعل عليهم فيظلم ويعتدي. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
  ولنحرص جميعنا وليحرص أهل الحل والعقد جميعهم على وحدة الصف واجتماع الكلمة، وعلى اتخاذ أسباب  النصر لينقذ الله بنا الأمة مما  وقع وألمّ بها من مصائب، ولنراعي أهم أسباب النصر الاجتماع والاتفاق وعدم النزاع والافتراق، كما بين الله لنا أسباب النصر في كتابه، وأجملها في خمسة أسباب التي عليها تجتمع قبة النصر، واجتمعت للصحابة ففتحوا البلاد، وأرشدوا العباد، وكسروا أعداء الله، ونشروا التوحيد، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) [الأنفال :45- 46]
قال ابن القيم رحمه الله:" فهذه خمسة أشياء تبتنى عليها قبة النصر ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها وإذا اجتمعت قوى بعضها بعضا وصار لها أثر عظيم في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم وفتحوا الدنيا ودانت لهم العباد و البلاد، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر إلى ما آل ،  ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل".
فـ"اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها".
وإن حصل أي نزاع فلنحرص على إخماده لئلا يفرح  ويتسلط علينا عدونا بفرقتنا، ويجعلها سلاحاً لينتصر به علينا.
فالله الله، بقطع التدابر والبغضاء  والتحاسد ولنكن عباد الله إخوانا متحابين، ولنحرص على إصلاح ذات البين ولمّ الشمل، ورأب الصدع، فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: (صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)
ومتى حصل الخلاف والنزاع  فلا بد من الاعتصام بالكتاب والسنة، فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزل من السماء كما قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [ البقرة : 213 ]
"فالله الله عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله والجهاد فى سبيله يجمع الله قلوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم ويحصل لكم خير الدنيا والآخرة أعاننا الله وإياكم على طاعته وعبادته وصرف عنا وعنكم سبيل معصيته وآتانا وإياكم فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقانا عذاب النار وجعلنا وإياكم ممن رضى الله عنه وأعد له جنات النعيم إنه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله وصحبه وسلم"

 

نور سورية

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع