..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

ركائز الخروج من الأزمة

عطية عدلان

25 ديسمبر 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 555

ركائز الخروج من الأزمة

شـــــارك المادة

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لا يختلف عاقلان في أنّ الأمة الإسلامية تمر بأزمة كبيرة وخطيرة عقب الانقلاب العسكريّ الذي وقع في مصر مؤخراً؛ فأطاح بأحلام الشعوب العربية والإسلامية في التغيير، ولا يجادل أحد في أنّ تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر على المصريين وحدهم وإن كانوا هم أشد شعوب الأمة تضرراً منها.

وطبيعيّ أن يفكر المسلمون في كيفية الخروج من هذه الأزمة، ولكن ليس طبيعياً ولا مقبولاً أن يظل التفكير بمنأى عن هدايات القرآن، وإذا كنّا مكلفين بالتفكير والتدبير ورسم الخطط ووضع الاستراتيجيات وغير ذلك بأسلوب علميّ يأخذ في الاعتبار معطيات الواقع مع استشراف المتوقع ومحاولة استكناه ما وراء الأحداث؛ فإننا - كذلك - مأمورون باستصحاب هدايات القرآن ومنهيون عن مجافاتها، " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب".

ونحن إن ألقينا نظرة سريعة، تستصحب الماضي القريب من لدن موجة يناير 2011م، وتستشرف المستقبل القريب الذي سيأتي فيه النصر ويتحقق فيه العزّ والتمكين إن شاء الله، وتمرّ بتؤدة وأناة وتدقيق على أحداث الانقلاب وما قبله؛ فلن نتردد في تشبيهها في بعض جوانبها بما جرى في أحد وما قبلها وما بعدها.

ففي بدر تحقق للمسلمين نصر هزّ عرش الباطل وخلخل دعامات الجاهلية، هذا النصر المفاجيء للجميع أحدث عند المسلمين حالة من ضعف الحسّ بخطورة العدو، وحالة من الترهل الاجتماعي والسياسي تجاه أقوام كان من الأولى أن يعاملوا بحزم وأن يوضعوا في موضعهم الصحيح؛ فجاءت أحداث أحد صفعة مدوية لتممهد لمراجعة حقيقية لابدّ منها لمواصلة النضال الذي أوصل بعد ذلك إلى تمام العزّ وغاية التمكين " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين".

   كذلك – بصورة ما – جرت الأحداث في مصر، ثورة أطاحت برأس النظام وأبهرت العالم، بعدها حالة من الغرور الثوري والاسترخاء والغفلة، تخللتها أخطاء منهجية وقعت في غيبة الحسّ الإسلاميّ الواعي، ثم انقلاب أطاح بكل المكتسبات الظاهرة، وإن بقي المكتسب الأكبر وهو وجود الحالة الثورية، فكان الانقلاب صفعة عنيفة تهدف إلى الإفاقة والمراجعة وتصحيح المسار بغية الخروج من الأزمة والانطلاق إلى آفاق التمكين على متن ثورة أشمل وأوسع وأكثر وعياً ورشداً وسداداً.

   من هنا تكون الدروس القرآنية التي عقبت غزوة أحد دروساً لنا، ونكون نحن مستهدفين بها مثل الأوائل سواء بسواء، ونحن إن تأملنا تلك التعقيبات القرآنية فسنجدها تدور حول محاور أربعة، هي على وجه الدقة محاور الخروج من الأزمة.

  • المحور الأول: استعادة الثقة بالنفس، واسترداد حالة استعلاء الإيمان
  • المحور الثاني: المكاشفة والمصارحة
  • المحور الثالث: التقويم المستوعب للمرحلة بكل مكوناتها
  • المحور الرابع: التمسك بثلاثية إعادة الانبعاث (التغافر – التشاور – التوكل)

هذه هي محاور الخروج من الأزمة، ومنطلقات التجديد للانبعاث الكبير، وجميع ما جاء في سياق التعقيب على أحداث أحد يدور حول هذه المحاور الأربعة، فلنتصفح الآيات لنرى إلى أيّ مدى بلغت أهمية هذه المنطلقات.

   في بداية التعقيب الفعليّ على الأحداث وجدنا الآيات تربّت على قلوب المؤمنين، وتهدئ من فوران الحزن والهمّ، فالمؤمنون هم الأعلون، والهزيمة لم ترفع الكافر ولم تخفض المؤمن، وهي ليست النهاية، فالأيام دول، وما أصابهم من ألم ومصاب فقد أصاب المشركين مثله، ولهم فوق ذلك أنّ الله اصطفى منهم شهداء ومحصهم بهذا الابتلاء؛ ليكون هذا التمحيص وهذا الاجتباء مقدمة لمحق الكافرين: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين . إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين . وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ".

   ولقد تناغم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع هذا السياق؛ إذ إنّه عندما سمع أبا سفيان يصيح: اعل هبل. قال لأصحابه: «أجيبوه» قالوا: ما نقول قال: «قولوا: الله أعلى وأجل» . قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أجيبوه» قالوا: ما نقول؟ قال «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» . فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فقال لأصحابه قولوا لهم: لسنا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

   فأهل الحق هم أهل الحق، وأهل الباطل هم أهل الباطل، والانقلاب لم يقلب الحق باطلاً ولا الباطل حقاً، وأهل الحق هم الأعلون بما معهم من حق وخير ومنهاج قويم، والباطل منسحق وإن بدا منتفشاً، وسيسقط حتماً، وما الأيام إلا كحبات مسبحة في يد القدرة الإلهية، فلا شك أنّ يوم النصر آت وكل آت قريب، وإذا كان الشهداء قد صعدوا إلى ربهم، وإذا كان القرح قد ألم بإخوانهم؛ فإنما ذلك ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

   لذلك يجب - قبل أيّ أمر آخر - من استعادة الثقة واسترداد حالة الاستعلاء الإيمانيّ على الجاهلية، ذلكم هو المحور الأول من محاور الخروج من الأزممة.

   ويأتي المحور الثاني - وهو المكاشفة والمصارحة - ليزن المعادلة، فالثقة بالنفس وحالة الاستعلاء بالإيمان ليست غروراً، وليست تجاهلاً للأخطاء، ولا إهالة للتراب على الزلات، وإنما هي لردّ الأمر إلى نصابه، وإرجاع الاوضاع إلى ما كانت عليه؛ ليأتي التقويم على وضع قائم لا على وضع منهار.

ولقد صارحت الآيات المؤمنين بمكمن الهزيمة: "قل هو من عند أنفسكم" بل واستطردت تتجول بهم في ذكريات ما وقع: "ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين . إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون "، ليس هذا وحسب، بل استطردت الآيات لتغوص في الأعماق ولتستخرج مكنون النفوس: " ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور".

   ولقد تلقى الصحابة هذا الوحي، يتلى عليهم بما وقعوا فيه من أخطاء، بل ويتلى على الناس إلى يوم الدين؛ لتتعلم الأجيال أنّ التصحيح لا يمكن أن يأتي على أرض تضطرب بما في جوفها مما يجب أن تلفظه، فهل نحن قادرون على مكاشفة ومصارحة كهذه ؟ هذا سؤال له ما بعده.

   وبعد المصارحة تكون النفوس قد تهيأت لتقويم الأوضاع تقويماً متجرداً من الانحياز إلى النفس، سالماً من تهمة التبرير والتسويغ، وعندئذ فلابدّ من أن يكون مستوعباً للمرحلة كلها وليس قاصراً على الحدث وآماده القريبة، ولا مختزلاً في زاوية من زوايا الأحداث ودلالاتها، وهذا هو المحور الثالث.

   فعندما ننظر فنرى الآيات تفتتح بالحديث عن بدر "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة " ندرك أنّ المرحلة كلها مستهدفة بالتقويم، أجل .. وندرك أيضاً أنّ هذا التقويم الذي لم يوقف امتداده اتساع النطاق الزمانيّ لن تندّ عنه زاوية من زوايا الحياة، فها هو - على سبيل المثال- يتطرق إلى مسألة الخلل في النضج الاجتماعيّ وفي الوعي السياسيّ: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون . ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور . إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ".

   وكأنّ الآيات تتنزل اليوم مندّدة بتلك الحالة من السيولة - بله الميوعة - في التعامل مع الدولة العميقة والإعلام (الفلوليّ) الفاسد ومجرمي العسكر وكلاب الداخلية وحثالة قضاة مبارك، الأمر الذي نتج عنه الانقلاب من هؤلاء جميعاً على وضع لأهل الحق هو في حقيقته منقلب على رأسه، ولو أنّ المؤمنين انساقوا وراء ما يُلَوّح به دجاجلة المبادرات والمصالحات مع العسكر لكانوا جديرين بأن تتخلي العناية الإلهية عنهم، ويكلهم الله إلى أنفسهم.

   ويأتي المحور الرابع والأخير ليضع مثلثاً تبنى عليه حركة الاستنهاض، وغياب ضلع من أضلاع هذا المثلث يعني غيابه وذهابه، ويعني غياب وذهاب حركة الاستنهاض والانبعاث، قال الله تعالى في سياق التعقيب على أحداث احد: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" .

   (التغافر - التشاور - التوكل) هذه هي الثلاثة التي تمثل دائرة استنهاض وبعث للأمة، فالتلاوم وتقاذف التهم وجلد الذات يعيق الانطلاق، ويوقف الجميع على أول درجة في سلم الطائرة فتقلع وتفوت الكل، "فاعف عنهم واستغفر لهم" ، ويقترن بهذه الحالة ولا شك عدم الثقة برأي الغير، ومن ثم عدم المشاورة، أو حصر المشاورة في دائرة ضيقة لا تستوعب خبرات الأمة، ومن هنا كان الأمر المباشر: "وشاورهم في الأمر " هذا برغم أن مشورتهم بالخروج للقاء العدو خارج المدينة كانت من أسباب الهزيمة؛ ولا تعتبر مشورةً تلك التي يمزقها الشركاء المتشاكسون من الجماعات والأحزاب المتحالفة المتخالفة؛ فيذهب كل فصيل بمزعة منها وينكب عليها وكأنها استحقاق وليست واجباً شرعياً، وليست شورى تلك التي يستقل بها فريق يرى نفسه صاحب القضية والمعني بها وحده، ولا تكون شورى تلك التي تجري بين (لوبيات) يتناصر أعضاء كل لوبي منها ويتواصىون باستخراج القرار على النحو الموافق لاستراتيجيتهم ورؤيتهم هم، الشورى لها شروطها ولها آلياتها التي إن لم تتوافر لها كانت ممارسة مقنّعة للاستبداد بالرأي، ثم يأتي التوكل ليغلق الدائرة فتيضيء مصابيح الأمل، وتنطلق (ماكينات) العمل، " فإذا عزمت فتوكل على الله".

   إنّنا بحاجة إلى استلهام درس أحد، واستدعاء محاور هذه الدرس؛ لعلنا نصيب بعد ذلك في كل ما سينبني على هذه المحاور من استراتيجيات عامة في التغيير.

والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل

 

 

الإسلاميون

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع