..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


سوريا المعاصرة

عن تاريخ الدولة السورية في أربع ثورات

طلال الميهني

14 أكتوبر 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4130

عن تاريخ الدولة السورية في أربع ثورات

شـــــارك المادة

تم إطلاق صفة «الثورة» على مجموعةٍ من الأحداث الكبرى التي شهدها التاريخ السوري الحديث، بدءاً من «الثورة العربية الكبرى» ضد العثمانيين، مروراً بـ «الثورة السورية الكبرى» عام 1925 ضد الفرنسيين، ثم ما يسمى بـ «ثورة الثامن من آذار/مارس» 1963، وانتهاءً بـ2011 حيث استخدمت كلمة «الثورة» على نطاق واسع لوصف الحراك الشعبي في سورية.وعلى رغم اختلاف الظروف والمراحل التاريخية، فإن ما يجمع هذه الثورات التي مرّت على سورية الحديثة هو إخفاقها في تحقيق الغاية المرجوة منها.

فـ «الثورة العربية الكبرى»، التي انطلقت من جزيرة العرب برعاية الحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى، لم تحقق أهدافها في بناء مملكةٍ عربيةٍ تشمل بلاد الشام والعراق والحجاز ويحكمها الشريف حسين، بل تحولت إلى أداةٍ ثانويةٍ مهّدت لدحر العثمانيين وتجزئة المنطقة. وقد كانت «المملكة السورية» في العهد الفيصلي أحد الكيانات السياسية المستحدثة على أنقاض «الكعكة» العثمانية، لكن ذلك العهد ما لبث أن انتهى في أقل من سنتين بعد وضع سورية السياسية تحت الانتداب الفرنسي، وتقسيمها إلى دويلات صغيرة.

وفي ظل الانتداب انطلقت شرارة «الثورة السورية الكبرى» في حوران الجبل، وشاركت فيها مناطق مختلفة من غوطة دمشق وريف إدلب، فقد كانت أشبه بردِّ فعلٍ أهليٍّ ممزوجٍ بحسٍّ وطنيٍّ حماسيٍّ على دخول الفرنسيين. ولم تتمكن هذه الثورة، التي تم قمعها عنفياً خلال سنوات، من دحر الفرنسيين أو استلام السلطة أو تحقيق استقلال سورية السياسية، لكنها ساعدت في إفراز عددٍ من النخب التي عملتْ، عبر نضال سياسي وديبلوماسي طويل، على انتزاع الاستقلال. بالنسبة الى ما يسمى بـ «ثورة الثامن من آذار» 1963 فلم تكن سوى انقلاب عسكري على السلطة قام به عدد من الضباط البعثيين، متذرعين بوعود دغدغتْ مشاعر الطبقات الوسطى والفقيرة في سورية. لكن هذه الوعود ما لبثتْ أن تبخرتْ بعد أن عملت «الشرعية الانقلابية» على مصادرة حكم القانون، وترسيخ حكم العسكر والاستبداد في سورية.

ومع انطلاق الحدث التونسي كان ثمة أمل كبير بتغيير حقيقي في المنطقة، فعاد مصطلح «الثورة» ليحتل موقع الصدارة في الفضاء العام العربي عموماً. ولم تكن الساحة السورية في معزلٍ عن ذلك، بخاصة مع توافر وسائل الاتصال الرقمية التي سهلت التواصل بين الناس. إلا أن التطورات المؤسفة التي طرأت على الوضع السوري خلال السنوات القليلة الماضية لم تسمح بتحقيق التغيير المنشود، وتركت آثاراً في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. وكما هي الحال في أي حدثٍ عام، فقد تباينت المواقف حول طبيعة ما تشهده البلاد منذ ربيع 2011، وانقسم السوريون إلى موالٍ أو معارضٍ أو واقفٍ على الحياد، من دون أن يتمكن الشعب السوري بأطيافه من استغلال فرصة التغيير وتقرير مصيره بما ينعكس إيجاباً على سورية.

في كل هذه «الثورات السورية» كانت هناك أسباب كثيرة للفشل: أطماع القوى الاستعمارية وعدم وفاء الحلفاء بالتزاماتهم، الاحتلال الأجنبي وعنف سلطات الانتداب الفرنسي، الحكم العسكري والفساد وتغييب القانون، وعنف النظام والعنف المضاد والطائفية والتدخلات الخارجية التي حوّلت سورية إلى ساحةٍ لسفك الدماء. لكن بغض النظر عن الأسباب والتبريرات لا يبدو أن المنطقة على وفاقٍ مع مفهوم «الثورة» على المستوى العملي، إذ لا يمكن القول إن الثورات المذكورة قد حققت تغييراً إيجابياً وقابلاً للديمومة.

فبالعودة إلى التاريخ فإن الفشل والإخفاق كانا القاسم المشترك لكل الثورات التي مرت على سورية في تاريخها الحديث، هذا فضلاً عن آثارها الجيوسياسية في منطقتنا المضطربة سياسياً. فإن كانت «الثورة العربية الكبرى» قد أدّت مصادفةً إلى ولادة «سورية السياسية»، و«الثورة السورية الكبرى» كانت سعياً حماسياً نحو استقلال «الدولة السورية»، فإن هذه الدولة التي بدأت انحدارها مع «الثورة الثالثة» عام 1963، قد وصلتْ الآن في خضم «ثورتها الرابعة» إلى حالةٍ أليمةٍ من التشظي والتفكك.

ولعله ليس من المستبعد أن تكون نتائج «الثورة» الرابعة عام 2011 تهديداً لما أنتجته «الثورة الأولى» عام 1918، أي أن تغدو «سورية السياسية» جزءاً من الماضي، وأن تشهد السنوات المقبلة نشوء دويلاتٍ هشةٍ وضعيفةٍ ومتناحرة، تحكمها ميليشياتٌ تتغذى من لعنة الدم والتاريخ في الشرق الأوسط.

يطرح ما سبق أسئلةً عامةً حول مفهوم «الثورة» وما يرتبط به من رومانسية التسمية وواقعية النتائج، وحول التلازم المفترض بين «الثورة» والتغيير.

لكن أسئلةً أكثر إلحاحاً تفرض نفسها:

ترى أهو مصير «سورية السياسية» التي ولدت بثورة أن ترحل بثورة؟

أم أن «سورية السياسية» يمكن أن تصمد وتنهض وتتعافى؟

وهل تملك «سورية السياسية»، التي تأسست قبل أقل من قرن، مقومات الصمود والنهوض والتعافي؟

وهل «سورية السياسية» حقيقةٌ مطلقةٌ لا تقبل الجدال في إطار وطنيةٍ سوريةٍ تتلاعب بها الهويات تحت الوطنية؟ أو أن على السوريين أن يقبلوا بخياراتٍ تمس التصورات والحدود المرسومة لـ «سورية السياسية»؟

تبقى الأجوبة مرهونةً بمستقبلٍ ما زال مجهولاً، ومعتمدةً على ظروف وتوافقات لا تزال ملتبسة.

 

 

الحياة اللندنية

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع