..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


سوريا المعاصرة

العلاقة بين علماء السلطان و طغاة النظام في الشام -الجزء الرابع-

محمد حمادة

28 إبريل 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1725

العلاقة بين علماء السلطان و طغاة النظام في الشام -الجزء الرابع-

شـــــارك المادة

بسم الله الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أما بعد، فقد تناولت في الحلقة الماضية بعض أسباب انجرار وانحراف دعاة و علماء لمستنقع طغاة الإنس والجان مما أدرجهم تحت عنوان: "علماء السلطان"، وقد وصلنا في الحلقة السابقة إلى رابط المصالح الدنيوية القذرة التي يبيع بها أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل!

 

 

وفي هذا وأمثاله يتحدث خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والسلام في زمانه عن زماننا في معرض استشرافه لأيام الفتن في أمته حتى لكأنّه يعيش بيننا اليوم حين تناول الرويبضة في قوله: "ويتكلم الرويبضة”!  -بضم الراء و تشديدها، وفتح الواو، وتسكين الياء، وكسر الباء، وفتح الضاد- قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"، تفاهته قد تكون بسبب جهله، وخبث طويته، وفساد أفعاله -وما أكثر هؤلاء في ظل تخريب المؤسسة الدينية الرسمية في سوريا الشام!!!!!-
هذا الرويبضة ليس بالضرورة أن يكون عالما من علماء الإسلام يتقن اللغة العربية وعلوم الأصول والفقه والتفسير والحديث، أو يتقن تلاوة القرآن الكريم إجازة عن أهل هذا الفن!!! إذ يكفي فيه عند علمانيي النظام عمامة وجبة تدخله في سلك العلماء في ظاهره لينال القبول عند العامة، لكن بالرغم من تراجعه في التلقي بين العلماء فإن المناصب الدينية الرسمية تشرع أبوابها أمام ناظريه له وحده حتى و إن كان في القوم من هو أعلم و أسلم، بل حتى ولو لم يكن لذلك المنصب أهلا!!!
هذا الرويبضة ليس بالضرورة أن يكون ورعا تقيا بل على العكس تماما فالمطلوب أن لا ينال قسطا من التقوى لكي يكون في كل وقت حاضرا لتقديم فتاوى جاهزة وتنازلات مشينة حتى وإن ضربت ثوابت العقيدة والشريعة في مقتل! وألقت الشعب والأمة في مهب الريح! كل ما هو مطلوب منه مزيج من الخبث والمكر والنفاق مع امتلاك موهبة الخطابة كي يخدع الجماهير، ويبرر بين أيديها مراد أسيادها الذي تضيع به مصالحهم! هذا الرويبضة تقدم له مساحة إعلامية واسعة للتواصل مع الناس ليعرض الغثّ من أفكار رديئة، ويركب بها الأدلة الخادعة التي تتلاعب بالحقيقة لتصرف وجوه الناس عنها، وتزين الباطل وتجمّله لجعله مقبولا في القاعدة الجماهيرية ليتحقق في هؤلاء الفاسدين من علماء السلاطين ومن سار على شاكلتهم من رجال الإعلام المضلين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم المعجز: "ستكون سنوات خداعات، يؤتمن فيها الخائن، ويخوّن الأمين، ويتكلم الرويبضة .................". 
تلك الفرص الذهبية  تقدّم إلى تلك الحثالة من أدعياء العلم لإفساد ما لم عجز عن إفساده الإعلام! في حين يحرم الرجال الراسخون في العلم، الرافعون به رأسا، من كافة حقوق التواصل الرسمي مع شرائح المجتمع و عرض أفكارهم المفيدة و الغيورة في جو من الحرية والتلاقح الفكري، والبيان العلمي، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويأبى الحق إلا أن يكون أبلجا بالرغم من كيد الكائدين، وتلبيس المبطلين، وخداع علماء السلاطين!
أيضا تفاهة الرويبضة قد تكون بسبب جهله بربه، وغفلته عن مقام العبودية بين يديه بالرغم من تخصصه في علوم شرعه، مما جعله في عداد العصاة الّلاهين الذين يصدق فيهم نص الحديث الشريف الذي يرويه البخاري في صحيحه أنه قال: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فتندلق أقتابه فيدور حولها كما يدور حمار الرّحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: ألست فلانا الذي كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه! وأنهاكم عن المنكر وآتيه" !!!
لذا لا عجب أن ينقاد من هذا شأنه تمام الانقياد لأسياد طغاة اتخذ منهم قدوة معرضا عن القدوة التي اختارها الباري عز وجل للمسلمين و ذلك في صريح كتابه الكريم: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".

لقد سلم لهم قياد أمره، ورضي أن يتنازل عن كل حرية و رقي و خير جاء به الإسلام في سبيل عرض حقير من دنيا فانية ألقاها له أسياده على طريقة صاحب الكلب حين يلقي فتات الطعام لكلبه، أو على أسلوب راعي البقر الأمريكي حين يقذف بحبله  لثوره  ليجذبه إليه بهوان!
فهذا وأمثاله لا دواء لهم ،فقد ضرب عليهم الرق أحياء و ميتين!و الأخطر من ذلك أن يكون أحدهم قد جمع في صك عبوديته المشين هذا أسيادا متشاكسين يجذبه كل واحد بقوة إليه، فيمزقونه تمزيقا إثر وقوعه تحت تأثير قوى شد متناقضة، بينما يخيل إليك و أنت تنظر إليه أن الدنيا قد سيقت إليه بحذافيرها  قد سيقت إليه مع أنه  في حقيقته ليس أكثر من عبد ذليل تتجاذبه قوى مدمرة تطلب منه ثمن ما وصل إليه من مال و جاه و شهرة و منصب و مجد، بين ماسونية عالمية انسلخ بها عن أمته!
إلى بعثية حزبية انخرط من خلالها في دولته!
إلى التزامات أمنية قدمها للاستخبارات بوقاحة في مسيرته! إلى ولاء لنظام طاغية الشام الدموي والقصر الجمهموري كبله وقيده وسلب منه حريته وكرامته في ليله ونهاره ونهضته وقعدته!
إلى ارتباطات بالصهيوصليبية العالمية في تل أبيب وواشنطن، ومراكز القرار الاستعمارية في عالم الدمى الذي يدغدغ بما يقدمه من عروض شهوات ومراكز الحس من نزوته!
إلى مصير ربط به مستقبله عندما ألزم نفسه باستحقاقات الحركة الصفوية العالمية في طهران حتى عقّ بها أمه أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال بها معرضا:"اتق الله يا عائشة"!!!
يخاطبها هكذا بكل صفاقة وبصوت عال ودون أن يترضى عنها!!!
ولا أدري من الأولى بالدعوة إلى تقوى الله عز و جل؟ هل السيدة عائشة التي قال الله تعالى فيها وفي سائر الزوجات:"وأزواجه أمهاتهم"، أو هذا المعتوه المأجور العاق الذي سلك طريق المنحرفين المفسدين من المغضوب عليهم والضالين مبتعدا عن سبيل المؤمنين؟!!!
و ضمن ذات الاستحقاق المخجل رمى هذا الصنف المنتسب إلى العلم وأهله الصفوة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من مؤازريه و ناصري دعوته.
ومن الآلهة التي استعبدت أدعياء العلم أولئكم حب الظهور الذي أثقل كاهل أحدهم حتى جعله يترنح ترنح السكران في مشيته!
ومنها انتماؤه ظاهرا لأمة الإسلام في نسبه وعناوينه ومشروعه ولباسه وما يترتب على ذلك من مواقف إيمانية ثابتة تتعارض تعارضا تاما مع ما يملي عليه به أسياده المتشاكسون مذكرين له دائما بأن عليه أن يقوم بتسديد فاتورته! وصدق الله -جل وعلا-  في سورة الزمر إذ قال: "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون، ورجلا سلما لرجل، هل يستويان مثلا؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون" الآية:29.
ووالله لو أن هؤلاء تذوقوا طعم الإسلام يوما لما رضي أحدهم بأن يكون عبدا منقادا لغير الله تعالى ويصدق فيه المثل القرآني: "ورجلا سلما لرجل"، ذلك أن الإسلام  تنفرد فيه العبودية لسيد واحد هو الله عز وجل، فهو الدين الذي يخرج الباري عز و جل به العباد من ذل عبودية العباد للعباد إلى عز العبودية بين يدي رب العباد،  ومن عبودية البشر إلى عبودية خالق البشر، فيتحررون بذلك من استرقاق ما سوى الله جل جلاله، فيصبحون سادة حقيقيين يتقلبون في فراش الحرية الوثير التي لا يعرفها الضالون المكذبون المتشدقون بالحرية وشعاراتها، لكن بالرغم من ذلك فإن هذا الصنف من الدعاة، الموالي للنظام ما زال يلقلق بمعاني الإسلام بلسانه دون أن يستشعر بها قلبه، ودون أن يتذوق معاني العبودية بين يدي مولاه الخالق الحكيم ثم يستغرقون في الحديث عن الرقائق من كلام الصالحين!
لقد عانت الأمة من ظاهرة نفاق أدعياء الزهد على مر التاريخ والعصور، ولقد فجر ذلك صورا لتوصيفهم انقدحت في مخيلة العلماء والشعراء الغيورين ومن هؤلاء واحد ذكره لنا في معرض دروسه الصباحية أستاذنا فضيلة الشيخ كريم راجح -حفظه الله، حيث نقل عن ابن همام السلولي شعره في هجاء هذا الصنف من علماء الدنيا من أدعياء الصلاح والزهد:

إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا *** لكن حسن القول خالفه الفعل!
ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها *** أفاويق حتى ما يدر لها ثعل!

ما أبلغه من وصف عراهم و كشف سترهم! إنهم إذا قدموا للكلام زهدوك بالدنيا حتى لكأنهم من أزهد الزاهدين بها! أما إذا نزلوا إلى ساحة من ساحات الحياة الدنيا فإنهم لا يكتفون بما يحتاجونه منها لكنهم يرضعون حليبها رضاعا بنهم دون توقف!
انظر إلى الصورة التمثيلية المعبرة لدى الشاعر:
أولا:ذم للدنيا من قبلهم في الوقت الذي يرضعونها فيه!!!
ثانيا:لا يكتفون بالرضاع في وقت الرضاع المعتاد وإنما يقبلون على هذه العملية قي غير أوقاتها الطبيعية أيضا!
ذلك أن الفواق هو الحلبة بين الحلبتين، وهي لا تكاد تدر حليبا وبالرغم من ذلك فإنهم لا يوفرونها!
إن جشعهم الذي أرداهم في عشق هذه الدنيا الفانية لم يجعلهم يدورون في فلكها فحسب، يحصلون حاجتهم وكفايتهم فقط وإنما أحالهم إلى سكارى يريدون كل شيء فيها لأنفسهم مما أقصاهم عن سنة المصطفى عليه السلام في الإيثار وأوقعهم فيما نهى عنه من الأثرة، ومن ثم استدرجوا إلى نزاعات مع المحيط من حولهم طالت الأحقاد فيها كل شيء مما أغرقهم في بحر متلاطم الأمواج من الغفلة و العصيان!
إن الهيام الذي حل بهم في قلوبهم جعلهم لا يقفون عند عتبة استحلاب المتع الدنيوية لأنفسهم فحسب، وإنما تجاوزوا ذلك إلى ما لا يدر عادة مندفعين إليه بسائق:(أن لعله يدر)!
وهو ما عبر عنه شاعرنا بالثعل -بضم الثاء وتسكين العين- و هو خلف زائد -بكسر الخاء- يطلق عليه الناس الحلمة الزائدة التي تنمو قريبا من الحلمة الطبيعية وهي لا تعطي لبنا في العادة، أو أن ما يخرج منها -إن خرج- فإنه لا قيمة له، لكن لما أشبهت الحقيقية فقد انقضوا عليها كما انقضوا على سابقتها لعل شيئا ما يخرج  منها فيدخل في حيازتهم!
إذن لشدة حرصهم على الدنيا لم يكتفوا  بالموضع الطبيعي من الارتضاع و إنما انتقلوا إلى الموضع غير الطبيعي منه فهل بعد هذا من إقبال على الدنيا وحرص على ما فيها؟!

وهل بعد هذا التوصيف الموفّق من توصيف؟!
ثم بعد ذلك يتحدثون عن الزهد ويزاودون علينا فيه، زاعمين أنهم من أهله! ووالله ما كانوا من أهله يوما، وإنما هم مشعوذون يوظفون الدين للحصول على ما يستطيعون من تلك الدنيا بعد أن باعوا دينهم في مزادات الماسونية العالمية، وتاجروا به و تآمروا على أهله في أروقة الاستخبارات الإرهابية، فعاشوا أذنابا يتقلبون في هوان الذيل وأهله الغارقين في المذلة والتبعية!
لهذا كان أستاذنا فضيلة الشيخ كريم راجح_ شيخ قراء دمشق، وأحد كبار شيوخ الثورة المجاهدين العاملين حفظه الله- يكرر علينا مقولته التي ربانا عليها: "يا بني، إن لم تكن رأسا فإياك أن تكون ذنبا"!
أجل إنها تربية السادة الأحرار التي ربى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الأبرار الذين قال الله عز و جل فيهم: "محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"
ومن هذا المنطلق قال الحسن البصري واعظا: (يا هذا لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولا مصيبة كموت القلب، ولا نذير أبلغ من الشيب)، وإنها لأمارة فارقة بين علماء الرحمن الذين منهم جمّ غفير من علماء الشام داخل الحدود وخارجها، وبين علماء الشيطان الذين يناصرون النظام الدموي الحاقد الجاسم بقسوة وعناد وإرهاب فوق ربا وذرا الشام!
ويا لبؤس هؤلاء يوم جمعوا الشر من أطرافه حين ضرب عليهم رق الأهواء و الشهوات، فانزلقوا إلى مرحلة توقف دقات الخشية في سويداء قلوبهم! دون أن ينبههم إلى خطر ما آل أمرهم إليه شيب علا رؤوسهم، فكان أدنى ما سجله الباري عليهم نوم ثقيل شغلوا به عن حمى أمة مستهدفة مضيعة بأمثال هؤلاء الأموات الواعظين، وحاجتهم للوعظ و التزكية والتربية والتنبيه أولى ثم أولى ثم أولى!!!!!!!
أخيرا:
فقد ينقاد الإنسان للظلم خشية من سطوة الجلاد فيغدو كالببغاء يردد ما يقوله السلطان حتى وإن خالف كلامه إيمانه وقتاعته، وهذا الصنف من الناس أقلهم سوءا، لكنه في الشكل والمظهر والنتيجة مع قطاع طريق الآخرة سواء بسواء، بيد أنّ أمرهم بين يدي جبار الأرض والسماء ليس واحدا حين يقوم الناس جميعا ليوم المرجع والمآب، وهي نقطة سنتناولها في معرض هذا المبحث بالتفصيل في موضعها إن شاء الله تعالى.
إذن ليس من وقف على منبر في الشام ذاما علماء ودعاة الإسلام من رجال الثورة والهيئات والروابط الشرعية كان عالما، وليس كل من انتقدهم كان عالما صادقا أو خطيبا مقتنعا بما يقول، أو حرا فيما يفعل، أو أمينا على دينه، أو غيورا على أمته و بلده، لأن الذي انسلخ من عمره خمسة عقود ثم لم ير حقيقة هذا النظام في فجوره وبغيه وحقده على الإسلام وحربه لأمة الإسلام فهذا مريض مرضا مزمنا بذهاب عقله، مجنون جنونا مطبقا، مكانه الطبيعي في مستشفى الأمراض العقلية، أو عميل تافه خائن لن يفلت من عقاب العزيز الذي لا يغلب وذلك في الدنيا قبل الآخرة، أو جبان رعديد في ظل نظام لا يعرف الخطوط الحمراء في تعامله، وهذا الأخير مصيره أن يعود إليه تماسكه وينطق بكلمة الحق يوما، لكن ليس من هذا الصنف رجل لا يدع فرصة إلا ويدافع فيها عن هذا النظام، لأن درء المفسدة الشخصية قد يكفي فيها موقف واحد يقي سوء غضبة الطغاة، أما التسبيح بحمد النظام وجرائمه بكرة وعشيا فذاك صنيع المنافقين المحترفين الذين هم جزء من طغيان النظام وليسوا جزءا من دعاة و علماء الإسلام، ولن يكونوا. وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى في الجزء الخامس من هذا الموضوع.

 

كتبه خادم العلم الشريف ، و نزيل المدينة المنورة

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع