..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الذكر والاستغفار وأثرهما في النصر والانتصار

علي الكيلاني

14 مايو 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4164

الذكر والاستغفار وأثرهما في النصر والانتصار

شـــــارك المادة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإنه مما لا شك فيه أن لتحقيق أي أمر من الأمور والوصول إليه أسبابٌ يجب بذلها والقيام بها، حتى يتحقق المطلوب، ويسعد العبد بالمرغوب، فاتخاذ الأسباب أمر شرعي مطلوب وتركها مخالف للشرع والعقل، والاعتماد عليها شرك، والتوحيدُ الاعتمادُ على مسبب الأسباب ورب الأرباب مع اتخاذ الأسباب.

 


والنصر على الأعداء، وإعلاء كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- فوق جميع الدعوات مطلبٌ من أعظم المطالب التي يسعى لتحقيقها كل مسلم.
هذا؛ وإن أسباب النصر كثيرة جاءت النصوص الشرعية بتجليتها وإيضاحها، ومن أعظم الأسباب الجالبة للنصر نصرةُ الله - تعالى - كما قال - تعالى -: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ}، وقال -جل شأنه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، فـ"هذا أمر منه - تعالى -للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره"[تفسير السعدي (785)].
ومن الأقوال والعبادات اللسانية والقلبية التي ينصر العبد ربه والتي جعلها الله -تعالى- سبباً من أسباب النصر لعباده الموحدين ذكر الله فقال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}، وفي هذا تعليم الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، قال الشيخ الشنقيطي - رحمه الله -: "وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله - تعالى - في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ ولاسيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد.
قال عنترة في معلقته:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل  *** مني وبيض الهند تقطر من دمي

وقال الآخر:

ذكرتك والخطى يخطر بيننا *** وقد نهلت فينا المثقفة السمر" [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (9 / 95).

ويقول ابن القيم - رحمه الله -: "فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره بقلبه ولسانه، ولهذا أمر الله - سبحانه - عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون، فقال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}، والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء، وفي بعض الآثار الإلهية: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه. فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب، وقال بعض المحبين في محبوبه:

يذكرنيك الخير والشر والذي *** أخاف وأرجو والذي أتوقع"[روضة المحبين: 264].

وللعلماء في هذا الذكر، أعني قوله - تعالى -: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، ثلاثة أقوال:
الأول: اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد.
الثاني: اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250]. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس.
الثالث: اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم.
قال القرطبي - رحمه الله -: "قلت: والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان. قال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا، يقول الله - عز وجل -: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ} [آل عمران: 41]. ولرخص للرجل يكون في الحرب، يقول الله - عز وجل -: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً}. وقال قتادة: افترض الله -جل وعز ذكره- على عباده، أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. وحكم هذا الذكر أن يكون خفياً، لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحداً. فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن، لأنه يفت في أعضاد العدو". [الجامع لأحكام القرآن (8 / 24)].
فارفعوا يا أخوتي المجاهدين في أرضنا الحبيبة أصواتكم بالتكبير والأذان، فإن شياطين الجن يهربون من سماع الأذان وذكر الله، وإخوانهم شياطين الإنس تترعد فرائصهم وترتعب قلوبهم وتخور عزائمهم وتزلزل الأرض من تحتهم عند سماع ذكر الله، فهل شيء أكبر من الله؟ فالله أكبر من كل كبير ومن كل ملك ورئيس وأكبر من هؤلاء الذين تسلطوا على رقاب الناس،، والأمر صار متواتراً لدى القاصي والداني والصغير والكبير أنهم إذا ذكر الله بالتكبير اشمأزت قلوبهم وولوا مدبرين، واستبدلوا إخواني الأغاني والطبول والتصفيق بذكر الله والتضرع إليه وسؤاله ومناجاته.
ويقول ابن القيم - رحمه الله - في آخر كتابه (الفروسية) منبهاً على أمر مهم مستفاد من هاتين الآيتين الكريمتين في سورة الأنفال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين}، ومنوهاً على أهمية الذكر في تحقيق النصر على العدو إذا اجتمع مع الأسباب الأخرى: "فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء ما اجتمعت في فئة قط إلا نصرت وإن قلت وكثر عدوها:
أحدها: الثبات.
الثاني: كثرة ذكره - سبحانه وتعالى -.
الثالث: طاعته وطاعة رسوله.
الرابع: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن وهو جند يقوي به المتنازعون عدوهم عليهم فإنهم في اجتماعهم، كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها.
الخامس: ملاك ذلك كله وقوامه وأساسه وهو الصبر.
فهذه خمسة أشياء تبتنى عليها قبة النصر ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسب ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوى بعضها بعضاً وصار لها أثر عظيم في النصر، ولما اجتمعت في الصحابة لم تقم لهم أمة من الأمم وفتحوا الدنيا ودانت لهم العباد والبلاد، ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر إلى ما آل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل".
فالله الله يا أخوتي بتحقيق هذه الأسباب الخمسة مجتمعة وعدم التفريط بأحدها فكلها غاية في الأهمية، "وأنت أخي المسلم إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم" [تفسير السعدي].
وينوه الشيخ رشيد رضا - رحمه الله - على مفعول الذكر وأثره في نصر المسلمين فيقول عند تفسيره لآيتي الأنفال:
"{وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا} أَيْ: وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ فِي أَثْنَاءِ الْقِتَالِ وَتَضَاعِيفِهِ، اذْكُرُوهُ فِي قُلُوبِكُمْ بِذِكْرِ قُدْرَتِهِ، وَوَعْدِهِ بِنَصْرِ رُسُلِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَنَصْرِ كُلِّ مَنْ يَتَّبِعُ سُنَنَهُمْ بِنَصْرِ دِينِهِ، وَإِقَامَةِ سُنَنِهِ، وَبِذِكْرِ نَهْيِهِ لَكُمْ عَنِ الْيَأْسِ مَهْمَا اشْتَدَّ الْبَأْسُ، وَبِأَنَّ النَّصْرَ بِيَدِهِ وَمِنْ عِنْدِهِ، يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، فَمَنْ ذَكَرَ هَذَا، وَتَأَمَّلَ فِيهِ لَا تَهُولُهُ قُوَّةُ عَدُوِّهِ وَاسْتِعْدَادُهُ، لِإِيمَانِهِ بِأَنَّ اللهَ - تعالى - أَقْوَى مِنْهُ،  وَاذْكُرُوهُ أَيْضًا بِأَلْسِنَتِكُمْ مُوَافَقَةً لِقُلُوبِكُمْ بِمِثْلِ التَّكْبِيرِ الَّذِي تَسْتَصْغِرُونَ بِمُلَاحَظَةِ مَعْنَاهُ كُلَّ مَا عَدَاهُ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ - عز وجل - مَعَ الْيَقِينِ بِأَنْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} هَذَا الرَّجَاءُ مَنُوطٌ بِالْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، أَيْ: إِنَّ الثَّبَاتَ وَذِكْرَ اللهِ - تعالى - هُمَا السَّبَبَانِ الْمَعْنَوِيَّانِ لِلْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ فِي الْقِتَالِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِثَالَهُ مِنَ الْوَقَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَأَمْثِلَتُهُ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ، وَمِنْ أَظْهَرِهَا مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سِيَاقِهِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ بِجُمْلَتِهَا فِي بَيَانِ حُكْمِهِ وَأَحْكَامِهِ وَسُنَنِ اللهِ فِيهِ وَهُوَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى....... وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ انْتِصَارِ الْجَيْشِ الْبُلْغَارِيِّ عَلَى الْجَيْشِ التُّرْكِيِّ فِي حَرْبِ الْبَلْقَانِ الْمَشْهُورَةِ، مَا كَانَ مِنْ إِبْطَالِ الْقُوَّادِ وَالضُّبَّاطِ مِنَ التَّرْكِ لِلْآذَانِ وَالصَّلَاةِ مِنَ الْجَيْشِ، وَالدَّعَايَةِ الَّتِي بَثُّوهَا فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الْحَرْبِ لِلْوَطَنِ، وَبِاسْمِ الْوَطَنِ، وَلِشَرَفِ الْوَطَنِ، فَلَمَّا عَلِمُوا بِهَذَا أَعَادُوا الْمُؤَذِّنِينَ وَالْأَئِمَّةَ بِعَمَائِمِهِمْ إِلَى كُلِّ تَابُورٍ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ فِيهِمْ. وَقَدْ رَوَتِ الْجَرَائِدُ أَنَّ الْعَسَاكِرَ لَمَّا سَمِعَتِ الْأَذَانِ صَارَتْ تَبْكِي بُكَاءً بِنَشِيجٍ عَالٍ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ بِعَوْدِ الْكَرَّةِ لَهُمْ عَلَى الْبُلْغَارِ ظَاهِرًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَنَارِ كُلَّ وَاحِدٍ فِي وَقْتِهِ، وَسَوْفَ يَرَى التُّرْكُ سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِ حُكُومَتِهِمْ، وَمُحَاوَلَتِهَا إِفْسَادَ دِينِ شَعْبِهَا عَلَيْهِ " [تفسير المنار (10/ 20)].
والصحابة –رضوان الله عنهم وأرضاهم- ببركة اتباعهم لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وثباتهم على ذلك وكثرة ذكرهم لله وتضرعهم إليه واعتمادهم عليه وحده دون سواه من الأكاسرة وهيئة الأمم الفارسية والرومية، مع اتحادهم وعدم تفرقهم وصبرهم وعدم يأسهم كل هذا وبفضل الله أولاً وآخراً فتحوا الممالك قلباً وقالباً وقضوا على أعظم إمبراطورية في زمانهم وفتحوا المشرق والمغرب في مدة يسيرة جداً حتى علت كلمة التوحيد على كل الأديان، فإن حذونا حذوهم وسرنا سيرهم -فبإذن الله- النصر قادم وقريب.
وقبل الصحابة –رضوان الله عليهم- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث في غزوة بدر لهج بذكر الله وتضرع إليه واستغاث به فكتب الله له النصر المبين ودحر أعداءه الكافرين.
ومن الأدلة على أثر ذكر الله في تحقيق النصر على الأعداء وهزيمتهم، وفتح المدن الكبيرة به ما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن القسطنطينية في آخر الزمان ستفتح بالتكبير والتسبيح، فجاء في بعض الآثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي بن أبي طالب: ((ستقاتلون بني الأصفر في عصابة من المسلمين لا تأخذهم في الله لومة لائم حتى تستفتحون القسطنطينية بالتكبير والتسبيح)) [المعجم الكبير للطبراني (17 / 21)]، وفي رواية عند الحاكم في المستدرك (4 / 551): ((فيجيزون إلى المدينة حتى ينزلوا بها فيهدم الله جدرانهم بالتكبير ثم يدخلونها فيقسمون أموالهم بالأترسة)). وفي رواية: ((فيفتحها الله عليكم بالتكبير، فيخرب ثلثها، ويحرق الله ثلثها، وتقسمون الثلث الباقي)). وفي رواية: ((فيفتحون حصونها ومدائنها بالتكبير؛ يكبرون تكبيرة فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار، ثم يكبرون تكبيرة أخرى فيسقط جدار آخر، ويبقى جدارها البحري لا يسقط، ثم يستجيزون إلى رومية، فيفتحونها بالتكبير، ويتكايلون يومئذ غنائمهم كيلًا بالغرائز)). رواه نعيم بن حماد [وانظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للتويجري (1 / 394)].
ومن فوائد ذكر الله أنه تطمئن القلوب به وتسكن وتثبت وتهدأ، فالقلوب عند لقاء العدو تكون مضطربة خائفة، فإذا لزمت الذِّكْر اطمأنت وسكنت وأصبحت قوية ثابتة صامدة في وجه العدو حتى تكسره كما قال - تعالى -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وجاء النصر والفوز بعد الاطمئنان بذكر الله، كما قال - تعالى -: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[الجمعة: 10]، فرتب الفلاح على الذِّكْر، وهذه فائدة عظيمة يجنيها الذاكر حيث يكتب له الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة والنصر على الأعداء؛ إذ هو سبب من أسباب النصر.
ومما يدل على تأثير الذكر في نفوس المجاهدين وتثبيتهم وشحذ هممهم وتقوية عزائمهم، بالإضافة إلى تفتيت عضد عدوهم وزعزعة صفه وبث الرعب في نفوس جنوده ما حكاه ربنا - جل وعلا - عن موسى وهارون - عليهما السلام -، إذ قال مخاطباً لموسى - عليه السلام -: {اذهب أنت وأخوك وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي}، قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره هذه الآية الكريمة: "والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما، وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: ((إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مُناجز قِرْنه)) [تفسير ابن كثير 9: 339].
• ومن الأذكار التي تعين المسلم وتقويه وتثبته قول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، هذه الكلمة العظيمة المتضمنة على الاستعانة بالله والعلم بأنه لا تحول من الضعف إلى القوة ومن الذل إلى العزة ومن الهوان إلى العلو والتمكين ومن الهزيمة إلى النصر ومن الخسران إلى الفلاح والفوز ومن الضلال إلى الهدى إلا من الله وحده لا شريك له، لا أمم متحدة ولا مجلس أمن ولا غيرهم ممن هو دونهم أو فوقهم، فالأمر لله من قبل ومن بعد يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويؤتي الملك ممن يشاء وينزعه ممن يشاء، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، - سبحانه وتعالى - فعال لما يريد، وكل يوم هو في شأن.
ومن استعان بالله -جل جلاله-، فالله - سبحانه - يعينه على قضاء حوائجه، وجميع ما يصلحه. والاستعانة بالله من أفضل العبادات وأجلّها وتُعرف منزلتها وعظم شأنها من خلال سورة الفاتحة التي أمر الله - سبحانه - عباده أن يتعبدوه بتلاوتها يومياً مراراً.
وهذه الكلمة العظيمة كنز من كنوز الجنة، ووصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأحد أصحابه، فعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: لما غزا رسول -صلى الله عليه وسلم- خيبر أو قال لما توجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم))، وأنا خلف دابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: ((يا عبد الله ابن قيس))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة))، قلت: بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي. قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))(1).
وكذلك من فضائلها أنها غراس الجنة، فقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة أسرى به مر على إبراهيم - عليه السلام - فقال: ((من معك يا جبريل؟ قال هذا محمد، فقال له إبراهيم: مُرْ أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله))(2).
قال النووي - رحمه الله -: "قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة))، قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله - تعالى - واعتراف بالإذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئاً من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة، وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم.
قال أهل اللغة: الحول الحركة والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله - تعالى -.
وقيل: معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله.
وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونتة، وحُكي هذا عن ابن مسعود -رضي الله عنه- وكله متقارب"(3).
وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يؤكد أن معناها أوسع وأعم مما ذُكر، فيقول في تعليقه على حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - السابق: "فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول، فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك إلا بالله، ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول: لا حول من معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، والصواب الذي عليه الجمهور هو التفسير الأول، وهو الذي يدل عليه اللفظ، فإن الحول لا يختص بالحول عن المعصية، وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول... وكذلك لفظ القوة، "[مجموع الفتاوى (5/ 575)، وانظر بغية المرتاد (1/ 263)، وشـرح العـمدة لشـيخ الإسـلام أيـضاً (4/ 123)].
وقال ابن القيم - رحمه الله -: "فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فهو الذي بيده الحول كله والقوة كلها، فالحول والقوة التي يرجى لأجلهما المخلوق ويخاف إنما هما لله وبيده في الحقيقة فكيف يخاف ويرجى من لا حول له ولا قوة، بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه"[الفوائد  ص52].
وقال في موضع آخر مبيناً تأثير هذه الكلمة (الحوقلة) في دفع داء الهم والغم والحزن: "وأما تأثير لا حول ولا قوة إلا بالله في دفع هذا الداء -أي داء الهم والغم والحزن- فلِما فيها من كمال التفويض والتبرؤ من الحول والقوة إلا به وتسليم الأمر كله له وعدم منازعته في شيء منه، وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول، وأن ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمة شيء، وفي بعض الآثار أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله، ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان، والله المستعان"[زاد المعاد (4 /204)]..
ومن الأذكار التي تقال عند لقاء العدو قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، "أي: كافينا كل ما أهمنا، {ونعم الوكيل} المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم" [تفسير السعدي].
وهذه الكلمة العظيمة المتضمنة للتوكل على الله وتفويض الأمر إليه قالها إبراهيم - عليه السلام - لما ألقي في النار، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام لما قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله - تعالى -: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 176].
وأذكركم بما كان يقوله -صلى الله عليه وسلم- عند لقاء عدوه، ففي الحديث الصحيح عن أنس –رضي الله عنه- قال: كان إذا غزا -صلى الله عليه وسلم- قال: ((اللهم أنت عضدي وأنت نصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل)) (رواه أحمد وأبو داود ).
وهذا من تمام توكله -صلى الله عليه وسلم- على ربه واستعانته به وعدم اعتماده على الكثرة والعدة، وإنما هي أسباب والناصر والمعين هو الله وحده لا شريك له.
أحبتي الكرام:
وذكر الله عبادة جليلة لها من الفوائد أكثر مما ذكر، فقد أوصلها ابن القيم في كتابه "الوابل الصيب" إلى أكثر من سبعين فائدة، وفوائد الذكر شاملة للدين والدنيا والآخرة، وقد أمر الله بهذه العبادة، وحثَّ على الإكثار منها، بل لم يأمر بالإكثار من شيء مثل ما أمر بها، قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42].
- ففي المداومة على الذِّكْر امتثالٌ لأمر الله - سبحانه - ومدعاةٌ لمحبته ومعرفته، وعونٌ للعبد على فعل الخيرات، وكف اللسان عن الكلام القبيح والمنكرات.
والذِّكْر أصل الإيمان، وأفضل الأعمال وأكبر من كل شيء...؛ قال - تعالى -: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45].
وللذكر منزلة رفيعة، ودرجة سامية، وأهمية عظيمة، وهو أفضل من الصدقة بالمال والجهاد في سبيل الله، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله))(4).
ولما كان للذكر تلك المنزلة العالية والقدر العظيم؛ إذ هو متعلق بأعظم مذكور، وأجلِّ مقصود هو الله -تعالى-، شرع اللهُ - تعالى - على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- من الأذكار ما يجعل المسلم مرتبطاً بربه ليلاً ونهاراً، وعلى مدار الأزمان والأعمار في يومه وليلته، وقيامه ويقظته، وأكله وشربه، وذهابه وأوبه، وغير ذلك مما يجعله يوثق الصلة بربه، فلا يغفل عن ذكره أبداً، فتضعف الشهوات، وتسمو النفس، وتزكو بالقربات والطاعات لتنال بذلك ثواب الله ورضاه في الدنيا والآخرة.
ومما لا يخفى أن العبادات كلها شرعت لإقامة ذكر الله –تعالى-، فالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها ذكر لله –تعالى-.
ولهذا سأل موسى - عليه السلام - ربه أن يجعل أخاه هارون نبياً، ووزيراً له لفائدة وغرض مهم ألا وهو إقامة ذكر الله -تعالى، قال - تعالى - عن موسى - عليه السلام -: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه: 29 – 35]. فعلِمَ كليمُ الله –تعالى- أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله –تعالى-.
وللذكر فوائدُ كثيرة، ونتائج لا يعبر عنها لسان، ولا يحيط بها إنسان. وأعظم هذه الفوائد التي يجنيها الذاكر هي: ذكر الله له، فالله –تعالى- يذكر من ذكره كما قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}[البقرة: 152].
والذِّكْر حصنٌ حصين من عدو الإنسان الأول: الشيطان الرجيم وجنوده، وهو نجاة وسلامة من النفاق، فالمنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا.
وهو شجرة تثمر معرفة الله ومحبته، وكلما عظمت تـلك الشجرة ورسخ أصلها؛ كان أعظم لثمرتها، فهي تثمر أصل الأصول، وأعظم مأمول توحيد رب العالمين، الذي هو قاعدة يبنى عليها كل شيء، كما يبنى الحائط على أسه، فيكون أصلها ثابتاً، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين من أطايب الثمر.
ومما يقطفه الذاكر من شجرة الذِّكْر تمجيده لربه –تعالى-، وتقديسه ورقابته وخشيته والإنابة إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به، والاستعاذة به، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وبهذا يعلم الغرض والسبب الذي شرع من أجله تكرار الذِّكْر الواحد وهو ترسيخ العقيدة في نفوس العباد.
كما يجني الذاكر ثمرة أخرى وهي الرضا بقضاء الله وقدره، والتسليم والاطمئنان واليقين، فإذا ما نزل بالمرء مصيبة أو همٌّ أو حزن ذكر الله –تعالى- قائلاً: ((ماض في حكمك عدل في قضاؤك)). ((لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت))، ويتذكر أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار. فلا يجزع ولا يسخط، بل يرضى ويسلم.
ولو مضيت في تعداد ثمار شجرة الذِّكْر لطال بنا المقال، وأكتفي بما ذكرت وأترك التوسع في الكلام على ذلك في مظانه في الكتب التي توسعت في ذلك [انظر الوابل الصيب لابن القيم ، والمباحث العقدية المتعلقة بالأذكار د/علي الكيلاني ج1]، فكل هذا يدعو المسلم إلى البدار، والمسارعة في معرفة الأذكار الشرعية، والاعتناء في فهمها ومدلولاتها وكيفيتها، والتأثر بما فيها من عقائد ومعان وفوائد.
وليعلم المسلم أن شجرة الذِّكْر لا تؤتي أكلها إلا إن ارتوت بماء معين زلال لا كدر فيه ولا خبث، وذلك الماء يأتي من ينبوع الكتاب والسنة، فإذا تضلع الذاكر من معين هذا الينبوع الصافي سمت نفسه وزكت، وحصل مطلوبه ومناه، وجنا جناه، وذاق حلاوة الذِّكْر، وانشرح صدره وذهب غمه وحزنه، وثقل في الميزان عمله، وبذلك يذكر الذاكر ربه بذكرٍ مباركٍ فيه صفاء التوحيد، وبركة الإتباع، ونقاوة اللغة، وظهور معانيها في مفرداتها وتراكيبها.
وليترك المسلم ما ابتدع من أذكار فإن مشاربها مكدرة ومنجسة ولا تغني ولا تنفع العبد بل تزيده بعداً عن ربه.
• ومن الأمور التي هي مصدر القوة التي أمرنا الله بإعدادها في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]؛ الاستغفارُ والتوبةُ والإنابة، قال - تعالى -: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3]، وقال - تعالى -: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 50 - 52]. فقوم هود كانوا من أقوى الناس في زمانهم كما قال - تعالى -: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15]، وقال - تعالى – عنهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 123 - 130]، ومع ذلك كله أمرهم رسولهم بالاستغفار ليزدادوا قوة إلى قوتهم.
وقال - تعالى - مبيناً فوائد الاستغفار وثمراته في قصة نبي الله نوح - عليه السلام - مع قومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10، 12]، فلنرجع لربنا ونستغفر من ذنوبنا، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)) (أبو داود، وابن ماجه، والبيهقى عن ابن عباس –رضي الله عنهما-).
ولنتضرع إلى الله ولنصبر لينصرنا على عدونا؛ {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (الأنعام: 43 و44).
وأخيراً:
نداء للعجائز والشيوخ الكبار الذين قد كبروا وضعفوا ولا يستطيعون الحمل في سبيل الله أبشركم بما جاء في حديث أم هانئ بنت أبي طالب - رضي الله عنها - حيث قالت: "مرّ بي ذات يوم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله إني قد كبرت وضعفت، أو كما قالت، فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة قال: ((سبّحي الله مائة تسبيحة فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة تعدل لك مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبّري الله مائة تكبيرة فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله مائة تهليلة تملأ ما بين السماء والأرض ولا يرفع يومئذ لأحد عمل إلا أن يأتي بمثل ما أتيت به))"(5).
وأبشر إخواني بأن هذه الأمة أمة منصورة من ربها، موعودة بالتمكين والاستخلاف في الأرض بوعد الحق الذي لا يخلف، في آيات كثيرة من القرآن، كما قال الله - تعالى -: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ}(الروم: 47). وقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ}(الصافات: 171-173). وقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}(غافر: 51). وقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً}(النور: 55).
إن هذه النصوص المبشرة يجب أن نؤمن بها إيماناً تاماً لا تخالطه الشكوك ولا تساوره الظنون مهما طال ليل المحنة؛ فإن وعد الله آتٍ عما قريب؛ {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214)، وما على المسلمين سوى بذل الأسباب الجالبة للنصر والتوكل على الله مولاهم وناصرهم وحده لا شريك له. ومع بذل المسلم لهذه الأسباب يجب أن يتعلق قلبه بالله - تعالى -؛ فالأمور بيده يصرِّفها كيف يشاء؛ {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال: 10)، {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}(آل عمران: 160). فلعل من الحكمة أن يذكر الله عند لقاء العدو حتى يتعلق قلبه بالله وحده ولا يعتمد على غيره ولا على الأسباب.
وفي الختام:
أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعلي كلمة الحق والدين وأن يعجل النصر والتمكين لإخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، إنه سميع عليم، وأن يفرج همومنا ويزيل كربتنا ويدحض عدونا ويجعله في الأذلين..
هذا والله أعلم، وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
ــــــــــــــــــ
(1 ) أخرجه البخاري: في صحيحه كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (4 /1541)ح 3968، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله –تعالى-: {وكان الله سميعاً بصيراً}.  (6 /2690)ح6952، ومسلم في صحيحه باب استحباب خفض الصوت بالذكر ح2704 (4 /2076).
(2)   أخرجه أحمد في المسند  (5/ 418)، وابن حبان في صحيحه (3/ 103)  ح821، والطبراني في المعجم الكبير (4/ 132) ح3898، وقال الألباني: "صحيح لغيره". كما في  صحيح الترغيب (2/ برقم 1583).
(3)  شرح صحيح مسلم للنووي (17/ 26-27)، وانظر (4/ 87) منه، و تهذيب الأسماء واللغات للنووي أيضاً.
(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند (6/ 447)، والترمذي في سننه: كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر (5/ 459) ح3377، والحاكم في المستدرك (1/ 673)، وصحح إسناده، وحَسّن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 254). والهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 73)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2629).
(5) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (6/ 344)، والنسائي في عمل اليوم والليلة برقم 844، والحاكم في المستدرك (1/ 513) وقال: "صحيح الإسناد"، وقال المنذري في الترغيب والترهيب(2/ 277): "أخرجه أحمد بإسناد حسن"، وقال الهيثمي في المجمع (10/ 92) بعد أن ذكر من أخرجه: "وأسانيدهم حسنة"، وحسنه الألبـاني في السلسلة الصحيحة (3/ 303).

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع