..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


ابحاث ودراسات

نيو يورك تايمز «إيران تفصح عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأداة عربية: حزب الله»

مركز حرمون للدراسات المعاصرة

1 أكتوبر 2017 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 160

نيو يورك تايمز «إيران تفصح عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط بأداة عربية: حزب الله»

شـــــارك المادة

في مدى ثلاثة عقود، حافظ حزب الله على مركزه الوحيد بوصفه مجموعة عسكرية لبنانية تقاتل إسرائيل. وقد قام ببناء شبكةٍ من المخابئ والأنفاق بالقرب من الحدود الجنوبية اللبنانية، ودرَّبَ آلاف المقاتلين الملتزمين بمحاربة الجيش الإسرائيلي، وأقام ترسانةً من الصواريخ القادرة على الضرب عميقًا عبر الدولة اليهودية.
ولكنْ مع تغير الشرق الأوسط، ومع الصراعات المشتعلة في أنحاء المنطقة جميعها التي في كثيرٍ من الأحيان لا علاقة لها بإسرائيل، تغيّر حزب الله أيضًا.
فقد وسّع بسرعةٍ نطاق عملياته، وأرسل جحافل من المقاتلين إلى سورية. وأرسل المدربين إلى العراق، ودعم المتمردين في اليمن. وساعد في تنظيم كتيبةٍ من المسلحين من أفغانستان التي يمكن أنْ تقاتل في أيّ مكانٍ تقريبًا.
ونتيجةً لذلك، فإنَّ حزب الله ليس محض قوةٍ بحد ذاته، بل هو واحدٌ من أهم الأدوات في السعي للتفوق الإقليمي من داعمه: إيران.
إنَّ حزب الله متورطٌ في كل معركة تقريبًا تهمّ إيران، والأهم من ذلك أنَّه ساعد في تجنيد مجموعة من الجماعات المسلحة الجديدة التي تدافع أيضًا عن أجندة إيران، وتدريبها، وتسليحها.
إنَّ حزب الله الذي أسس بتوجيهٍ إيراني في الثمانينيات بوصفه قوة مقاومةٍ ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، أصبح النموذج الأوليّ لنوعٍ من الميليشيات التي تدعمها إيران الآن في المنطقة. وقد تطوَّر حزب الله إلى ذراعٍ فعليّ وصريح للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، لتوفير النسيج الرابط للشبكة المتنامية من الميليشيات القوية.
إنَّ أشهرًا من المقابلات مع المسؤولين والمقاتلين والقادة والمحللين من تسعة بلدان، ومع أعضاء حزب الله نفسه، لتسليط الضوء على منظمةٍ تتمتع بسلطة وامتدادٍ جديدين لم يكونا معروفين على نطاقٍ واسع. وعلى نحوٍ متزايد، يعتمد القادة الإيرانيون عليه لتحقيق أهدافهم.
يكمل كل من إيران وحزب الله أحدهما الآخر. كلاهما قوة شيعية في جزء من العالم الذي يغلب عليه الطابع السني. وبالنسبة إلى إيران، وهي دولةٌ فارسية في منطقةٍ عربية في معظمها، فإنَّ حزب الله لا يقتصر على القوة العسكرية، بل أيضًا على القادة، والناشطين الناطقين بالعربية الذين يمكنهم العمل بسهولةٍ أكبر في العالم العربي. وبالنسبة إلى حزب الله، فإنَّ التحالف يعني المال لتشغيل شبكةٍ واسعة من الخدمات الاجتماعية، وإدارتها في لبنان، من المدارس والمستشفيات وقوات الكشفية- وكذلك للأسلحة والتكنولوجيا والرواتب لعشرات الآلاف من مقاتليه.
لقد غيَّرتْ الشبكة التي ساعد حزب الله في بنائها الصراعات في المنطقة.
في سورية، أدّت الميليشيات دورًا رئيسًا في دعم الرئيس بشار الأسد، وهو حليفٌ إيراني مهم. وفي العراق، يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويعززون المصالح الإيرانية. وفي اليمن، استولوا على العاصمة، وورطوا المملكة العربية السعودية -وهي عدوٌ إيران- في مستنقعٍ مكلف. في لبنان، يبثون الأخبار الموالية لإيران، ويبنون القوات لمحاربة إسرائيل.
تتعاون الميليشيات المتحالفة تعاونًا متزايد عبر الحدود. وفي نيسان/ أبريل الماضي، أطلق سراح أعضاء فريق الصيد الملكي القطري الذي اختطفه مسلحون في العراق في إطار اتفاقٍ مع حزب الله في سورية. في جنوب سورية، تقاتل القوات المدعومة من إيران للتواصل مع نظيراتها من العراق. وفي معركة حلب في العام الماضي -التي شكلّت نقطة تحولٍ في الحرب السورية- أتت ميليشياتٌ مدعومة من إيران من عدد من البلدان، إذ أدهش تنوعهم حتى أولئك المشاركين.
وقال حمزة محمد، وهو مسلحٌ عراقي، تلقى تدريبًا لدى حزب الله، وقاتل في حلب: «على الخطوط الأمامية، كان هناك كثير من الجنسيات». وأضاف: «كان حزب الله هناك، وأفغانيون، وباكستانيون، وعراقيون- الجميع موجودون هناك بمشاركةٍ إيرانية لقيادة المعركة».
تعود جذور تلك الشبكة إلى الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، عندما دعت إيران حزب الله إلى المساعدة في تنظيم الميليشيات الشيعية العراقية التي قتلت في السنوات التاليات مئاتٍ من القوات الأميركية، وكثيرًا من العراقيين.
وقد سمحت الحروب الأخيرة لإيران بإحياء الشبكة وتوسيعها، وبعض المجموعات التي درَّبها حزب الله المدرّبة في العراق، ترّدُ الجميل الآن بإرسال مقاتلين إلى سورية.
أكثر من محض حليفٍ سياسي لحزب الله، باسمه العربي، ولحلفائه علاقاتٍ أيديولوجية عميقة مع إيران. يؤيدون معظمهم ولاية الفقيه vilayat-e-faqih، وهي فكرة أنَّ المرشد الأعلى الإيراني هو أعلى سلطة سياسيةٍ ودينية في البلاد. ثم إنَّهم يتباهون بهدفهم المتمثل في محاربة المصالح الأميركية والإسرائيلية، بينما يزعمون بأنهم يسدون الثغرات التي تتركها الحكومات الضعيفة، ويحاربون الجهاديين السنّة من مثل تنظيم القاعدة، والدولة الإسلامية (داعش).
ويتساءل كثيرون عما سيفعله عشرات الآلاف من المقاتلين ذوي الخبرة بعد أنْ تهدأ الحروب في سورية والعراق. وقال قادة حزب الله: يمكن نشرهم وتوظيفهم في حروبٍ مستقبلية ضد إسرائيل.
إلا أنَّ نفوذ طهران المتزايد جعل إيران وحلفاءها هدفًا ومركزًا للعمل العسكري والدبلوماسي الذي تقوم به السعودية، وإسرائيل، والولايات المتحدة، وكلها تعدّ حزب الله منظمةً إرهابية.
أما بالنسبة إلى حزب الله، فللتوسع ثمنٌ. وقد أرهقته الحرب الطاحنة في سورية بخسارات فادحةٍ، وتزايد الالتزامات المالية.
وفي مقابلةٍ أجراها الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله، اعترف بفخر بجهد منظمته لنقل تجربتها العسكرية الغنية للقوات الأخرى الموالية لإيران.
وقال: «إنَّ كلَّ مجموعةٍ في أيّ مكانٍ من العالم تتفق معنا ومع أفكارنا، هي مكسب للحزب»، وأضاف: «إنه أمر طبيعي: كل من يتفق معنا في أي مكان في العالم، هو فوزٌ لنا لأنّهم جزءٌ من محورنا، ومكسبٌ للجميع في محورنا».
حرب بلا حدود:
لقد أصبح حزب الله فاعلًا في كثير من الأماكن، وضدَّ عددٍ كبير من الأعداء الذين سخر النقاد منهم من مثل (بلاك ووتر في إيران)، بعد شركة المرتزقة الأميركية الشائنة.
إنَّ العواقب بعيدة تمامًا عن مجال حزب الله.
في مقبرةٍ واسعة في مدينة النجف العراقية، أشار مقاتلٌ من الميليشيات حسين علاوي إلى شواهد قبور الرفاق الذين قُتلوا في الخارج، إذ زُينت بعض القبور بالزهور البلاستيكية وصور الموتى.
وقال علاوي: «هذا القبر من سورية، وذلك من سورية – لدينا كثير من سورية».
وقد بدأ كثير منهم حياتهم المهنية كما فعل هو؛ بعد انضمامه إلى إحدى الميليشيات، تلقى تدريبًا عسكريًا في العراق. كان أكثر مدربيه خبرةً من حزب الله.
في السنوات الأخيرة، ركَّز جزءٌ كبير من العالم على الجهاديين السنّة، الذين سافروا إلى سورية والعراق للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). غير أنَّ الموضوع لم يُولَ اهتمامًا أكثر بينما عملت إيران على إنجاح عملياتها الخاصة، من تجنيد وتدريب ونشر المقاتلين من مختلف أنحاء العالم الشيعي.
في قلب هذا الجهد، أخذ حزب الله أدوارًا كبيرة على نحوٍ متزايد في مشروعات كانت محفوظةً لفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني- القوة التي ساعدت في إنشاء حزب الله نفسه.
في العراق، أعادت إيران نشر الميليشيات التي شُكلّت أصلًا لمحاربة القوات الأميركية، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وقامت بتجنيد اللاجئين الأفغان للقتال مع ميليشيا تُدعى (لواء فاطميون). وقد نظمت عملية نقل جوي ضخمة للمقاتلين للقتال لمصلحة الأسد في سورية. يوفر الحرس الثوري الإسلامي البنية التحتية، في حين يركز القادة من إيران وحزب الله على التدريب والخدمات اللوجستية.
ووصف رجال الميليشيات الذين جرتْ مقابلتهم في العراق كيف سجلوا في مكاتب تجنيد الميليشيات المدعومة من إيران لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ودُرِّب بعضهم في العراق، بينما ذهب آخرون إلى إيران مدة 15 يومًا للتدريب قبل أنْ يتوجهوا إلى سورية للقتال. وتلقى مقاتلون أكثر خبرة دوراتٍ متقدمة مع قادة إيرانيين، ومن حزب الله في إيران أو لبنان.
وقد حشدت إيران المقاتلين بالمال، وبالدعاوى الدينية، ما أدى إلى منافسة جهاد دولي ضد آخر.
بالنسبة إلى علي حسين، وهو متسربٌ من المدرسة الثانوية العراقية، فقد بدأت المعركة بعد أنْ اقتحم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شمالي العراق في عام 2014، فذهب إلى مكتب تجنيد إحدى الميليشيات التي تدعمها إيران للاشتراك في محاربة الجهاديين.
ولكن أولًا، أخبر السيد حسين بأنَّ عليه القتال في سورية المجاورة، ضدَّ المتمردين الذين يسعون لإطاحة الحكومة. وافق، وانضم سريعًا إلى شبكة واسعة من المسلحين الأوفياء المنتشرين في أنحاء الشرق الأوسط.
وكان يُنقل إلى إيران مع مجندين آخرين، وينقلون جوًا إلى سورية حيث تلقى تدريباتٍ عسكرية، ومحاضراتٍ حول الحرب المقدسة. وبعد شهرٍ انتقل إلى الخطوط الأمامية، عاد إلى العراق مع 1000 دولار، وحماسٍ أيديولوجي اكتشفه حديثًا. وأضاف: «أريد مواصلة الجهاد حتى النصر أو الشهادة».
وقال فيليب سميث الباحث في جامعة ميريلاند الذي يدرس الجماعات المسلحة، إنَّ أكثر من 10000 مقاتلٍ عراقي كانوا في سورية خلال معركة حلب في العام الماضي، إضافة إلى الآلاف من الدول الأخرى.
وقال المقاتلون: إنَّ ضابطِين من إيران نسقوا بين القوات البرية والجيش السوري والقوات الجوية الروسية، في حين قدَّم حزب الله قادةً ميدانيين يتحدثون العربية.
ودافع قادة الميليشيات العراقية عن دورهم في سورية، قائلين إنَّهم ذهبوا لحماية المواقع المقدسة، ومحاربة الإرهابيين بناءً على طلب الحكومة السورية.
وقال هاشم الموسوي المتحدث باسم ميليشيا عراقيةٍ ناشطة في سورية: «إذا سأل أحدٌّ لماذا ذهبنا إلى سورية، اسألهم من الذي سمح للأميركيين باحتلال الدول». وأضاف: «نحن لم نتسلل، نحن دخلنا من الباب».
وقد ظهر مقاتلو حزب الله من لبنان في ساحات القتال في العراق أيضًا.
وأشار علي كريم محمد، وهو قناصٌ من إحدى الميليشيات العراقية، إلى معركةٍ مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في وسط العراق عندما ظلَّ الجهاديون يرسلون سياراتٍ مدرعة ممتلئةً بالمتفجرات التي لا يمكن لأسلحة رفاقه إيقافها. ودعوا إلى تقديم المساعدة، وقدمت مجموعة من المقاتلين اللبنانيين صواريخ متقدمة مضادةً للدبابات.
وقال محمد: «كان الجميع يعرفون أنّهم من حزب الله». وأضاف: «إذا جاء أيّ شخص مع سيارة انتحارية، فإنهم سوف يضربونها».
واليوم تستخدم جماعته الصواريخ نفسها من دون مساعدة حزب الله.
تمتد علاقات حزب الله الأخرى إلى أبعد من ذلك، بما في ذلك مع المتمردين الحوثيين في اليمن الذين اقتحموا العاصمة صنعاء في عام 2014، وأطاحوا الحكومة في وقتٍ لاحق، إذ تشنُّ السعودية، وحلفاؤها حملةً جوية بهدف دفع المتمردين إلى الوراء.
وعلى الرغم من أنَّ الحوثيين يتبعون طائفةً مختلفة من الإسلام، إلا أنَّ إيران وحزب الله قد تبنيّا قضية الحوثيين في خطابات قادتهما، ما رفع من منزلة الجماعة. وقدموا بعض الدعم العسكري واللوجستي. وقال علي الأحمدي، مدير الأمن القومي اليمني السابق: إنَّ المقاتلين الحوثيين بدؤوا يتلقون تدريبًا عسكريًا في لبنان في وقتٍ مبكر من عام 2010، وأنَّ اثنين من عناصر حزب الله اُعتقلوا في اليمن عام 2012، وعادوا إلى لبنان عبر عُمان.
وقال الأحمدي: «أرسلناهم إلى عُمان مع رسالةٍ شفهية إلى رؤسائهم: توقفوا عن التدخل في اليمن».
بعد الغزو الأميركي الذي أطاح صدام حسين في عام 2003، ذهب عناصر حزب الله إلى العراق للمساعدة في تنظيم الميليشيات لمحاربة الأميركيين بالقنابل على جانب الطريق وغيرها من أساليب العصيان.
يقود بعضٌ من هؤلاء الميليشيات الآن القوات التي تفاهمت مع حزب الله مرةً أخرى، وهذه المرة في سورية.
وقال جعفر الحسيني، المتحدث العسكري باسم ميليشيات عراقية أخرى تعمل مع حزب الله: «اليوم لدينا مشروعٌ واحد في المنطقة». وأضاف: «إنَّ التهديد في سورية، والتهديد الذي يتعرض له حزب الله، والتهديد في العراق أقنعنا بأنّنا بحاجةٍ إلى التنسيق والعمل معًا».
نزيف من أجل الأسد:
نتيجةً توسيع حزب الله من نطاقه الإقليمي، فقد حقق أكبر استثماراته الخارجية- ودفع أعلى التكاليف- في سورية، وأدى تدخله هناك إلى إعادة تشكيل الجماعة.
لقد صوَّرَ قادته الحرب مؤامرةٌ من إسرائيل، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية لاستخدام المتطرفين لتدمير سورية، وإضعاف المحور المؤيد لإيران في المنطقة. هذا، في رأيهم، يجعل تدخلهم امتدادًا (للمقاومة) ضد إسرائيل.
لكن هذه الحجة فشلت بالنسبة إلى كثيرين في المنطقة، يرون قوة عسكرية بنيت لمحاربة إسرائيل، تحوّل بنادقها إلى الأخوة المسلمين.
كان هذا هو شعور كثيرين في مضايا، وهي بلدةٌ جبلية سورية انضمت إلى الانتفاضة ضد الأسد في عام 2011. وبعد أربع سنواتٍ، قررت الحكومة الضغط على المتمردين، وفرضت عليها حصارًا. وتقدم القناصون، وأطلق المقاتلون صرخات معركةٍ دينية، ما جعل سكان مضايا يعرفون أنَّهم تحت حصارٍ من حزب الله.
وقال إبراهيم عباس، وهو فنيُّ كمبيوتر، أصيب بعيارٍ ناري في أمعائه في أثناء العملية، عام 2015: «كان حصارًا حادًا». فقد قطعت شحنات المعونة، وانتشر سوء التغذية.
ذهب حزب الله إلى سورية وهو عارفٌ بأنَّه إذا سقط الأسد، فإنَّه سيفقد الدولة العربية الوحيدة التي ترعاه، وسيفقد خط شحن الأسلحة من إيران. وقال مسؤولون ومحللون إيرانيون مقربون من الجماعة: إنَّ حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، تشاور مع المسؤولين في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، والتزموا بدعم الأسد.
ومنذ ذلك الحين، نشر حزب الله ما يصل إلى 8000 مقاتلٍ في سورية في الوقت نفسه، بحسب ما يقول المحللون. الآن، مع زوال التهديد المباشر للسيد الأسد، يشتبه كثيرون في أنَّ حزب الله سيحافظ على وجودٍ دائم في سورية. فقد نظم بين السوريين ميليشياتٍ على غرار حزب الله، وأخلى المجتمعات الحدودية التي تعدّ تهديدًا للبنان، وأنشأ فرعًا لكشافة المهدي، وهو استثمارٌ طويل الأجل في زراعة المقاتلين.
وقد أعطت سورية لجيلٍ جديد من مقاتلي حزب الله خبرةً واسعة، بما في ذلك في العمليات الهجومية، وبالتنسيق مع الجيش السوري، والقوات الجوية الروسية.
ولكن كثيرين عادوا أيضًا في التوابيت، ووجوههم محفورةً على ملصقات الشهداء في أنحاء لبنان جميعها.
وفي أيار/ مايو، احتشد مئات الأشخاص الذين يرتدون وشاحات حزب الله الصفراء في قاعة للجماعة في النبطية في جنوب لبنان، ليقدموا تقديرهم لمقاتلي الجماعة الجرحى- 18 منهم في هذا الحفل الخاص، وكثير منهم أتى من المعارك في سورية. وكان خمسةٌ منهم على كراسي متحركة، أحدهم فقد ساقه، وآخر فقد الساقين. ويتكئ آخرون على عصي وعكازات.
عندما عزف النشيد الوطني اللبناني، كان ستةٌ منهم فقط يمكنهم الوقوف.
ويقول بعض المحللين إنَّ المجموعة فقدت 2000 مقاتل أو أكثر في سورية، وأنَّ أكثر من ضعف عدد القتلى قد أُصيبوا، وهو ما يمثل خسارات كبيرة للقوة التي يقول المحللون إنّها يمكن أنْ تجذب أو تجند كحدٍّ أقصى 50 ألف مقاتل.
وفي مقابلةٍ، نفى الشيخ نعيم قاسم، نائب السيد نصر الله، أن يكون لحزب الله طموحًا طويل الأمد في سورية. ورفض أيضًا مناقشة أيّ أرقامٍ تتعلق بالمقاتلين، غير الأنباء عن مقتل (أكثر) من ألفي شخص.
وقال: «في النهاية، نعدّ النتائج التي توصلنا إليها في سورية أهم كثيرًا من التكلفة، مع احترامنا للتضحيات الكبيرة التي قدّمها شباب الحزب».
موارد مرهقة:
لقد وضع حزب الله منذ زمنٍ طويل موارد كبيرة لدعم عائلات مقاتليه القتلى. ثم إنَّه يعتني بالجرحى، على الرغم من أنَّهم يعدون تحديًّا مختلفًا، ويعودون إلى مجتمعاتهم تذكارًا بتكلفة الحرب.
إنَّ دعم هذه العائلات كلّها أمرٌ مكلف، وهناك الآن مزيد من الرواتب على جدول حزب الله أكثر من أيّ وقتٍ مضى. ثم إنَّ شنَّ الحرب والعمليات الدولية الأخرى يؤديان إلى زيادة التكاليف في الوقت الذي تستهدف فيه الولايات المتحدة الموارد المالية للجماعة.
وقد اعترف قادة حزب الله بأنَّ ميزانية الجماعة معظمها تأتي نقدًا من إيران. لكنَّ المقيمين في مناطق جماعات حزب الله يقولون إنهم شعروا بالعوز في الأشهر الأخيرة، مع أموالٍ أقل في الاقتصاد، ما جعل الحزب يخفض الإنفاق.
لقد ضاعف نجاح حزب الله أعداءه. وكلما كبر الحزب، كانوا يريدون تدميره.
وقال أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات العربية المتحدة، التي تشكّل جزءًا من التحالف الذي يقاتل المتمردين الإيرانيين في اليمن: «إذا انتظرتَ حتى ينضج المشروع الإيراني ويترسخ، سترى أن هذه الميليشيات أصبحت جيشًا محترفًا بقيادةٍ أيديولوجية، ومع ما سأسميه نظام الدعم الاجتماعي». وأضاف: «إن الإيرانيين فعلوا ذلك من قبل».
وتشعر إسرائيل بالقلق تجاه توسع إيران في سورية، من خلال حزب الله.
أحد المخاوف هو أنَّ حزب الله تمكّن نقل بطاريات الصواريخ إلى سورية، ما يعطيه منصةً محتملة أخرى للهجمات على إسرائيل، إلى جانب لبنان.
يحظر حزب الله على مقاتليه التحدث مع الغرباء، ولكن من خلال معارفٍ التقيتُ بمقاتلين في نيسان/ أبريل، وافقا على الكلام شرط أنْ أخفي هويتهم.
أحدهم -مع مسدس في حزامه، وبقع بيضاء في لحيته السوداء- أظهر لي أشرطة فيديو لنفسه وهو يقاتل في سورية، وقال إنَّه انضم الى الحزب في سن 15 لمحاربة إسرائيل.
سألتُ عما إذا كان قتال مسلمين آخرين في سورية مختلفًا عن محاربة إسرائيل، فقال إنَّها المعركة نفسها: «لم يتغير شيء بالنسبة إلينا. نحن ما زلنا المقاومة».
ونفى الدوافع الطائفية. لكنه لم يعرب عن تعاطفه مع السوريين الذين عارضوا الأسد، بل جرَّدَ المتمردين من إنسانيتهم.
وقال: «إنني أشعر بالاشمئزاز من الطريقة التي يظهرون بها، ومن لحاهم الطويلة، وشواربهم المحفوفة»، مشيرًا إلى ممارسات النظافة لبعض المسلمين المحافظين.
وأضاف: «لولا حزب الله، لسقطت سورية منذ وقتٍ طويل».
وردًّا على سؤال حول استخدام تكتيكات الحصار على المدن السورية مثل مضايا، ادعى مقاتلٌ آخر بأنَّ المتمردين هم الذين تسببوا في الجوع بادخار الطعام، أما الآخر فكان يعزوها إلى تكلفة الفوز بالحرب.
«”إما أن تكون قويًا أو تكون ضعيفًا، وإذا كنت ضعيفًا سوف تؤكل»، وأضاف: «الآن، حزب الله قويٌّ».
قاعدة الوطن:
من بيروت، يدير حزب الله العمليات السياسية، والاجتماعية، والعسكرية واسعة النطاق التي تمنحه السلطة في الداخل، وتزيد نفوذه في الخارج. وقال دبلوماسيون ومسؤولون لبنانيون: إنَّ حزب الله لا يسيطر على الدولة، بقدر ما يحافظ على السلطة التي يحتاج إليها لمنع أيّ جهدٍ لتقويض قوته.
مركز عملياته هو الضاحية الجنوبية في بيروت، وهي مقر الحزب، ومنطقة دبلوماسية افتراضية لحلفائه الإقليميين. وفي داخلها، يدير بيرقراطيو حزب الله نظامًا للمدارس الخاصة، وشبكةً للخدمات الاجتماعية. ويحافظ ممثلو الميليشيات العراقية، ومتمردو الحوثيين اليمنيون على وجودهم هناك. وهناك مجموعة من محطات التلفزيون الفضائية التي يديرها حزب الله وحلفاؤه تغطي المنطقة بالأخبار المؤيدة لإيران.
وقد ساعد تاريخ الحزب في ترسيخ منزلته في لبنان.
بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أرسل القادة الإيرانيون ضباطًا من الحرس الثوري الإسلامي لتنظيم الميليشيات الشيعية في الحرب الأهلية اللبنانية. والنتيجة هي حزب الله الذي بدأ أيضًا بشنِّ حرب العصابات على الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.
ساعد انسحاب إسرائيل في عام 2000 في تكريس حزب الله بوصفه محور المقاومة. وتنامت سمعته في عام 2006 عندما حارب إسرائيل، إذ وصلت الحرب التي دامت 34 يومًا إلى طريق مسدود، وأدت إلى مقتل أكثر من 1000 لبناني وعشرات الإسرائيليين.
وأشار بعضهم إلى أنَّ تدمير الحرب سيكون بداية النهاية لحزب الله. لكن إيران طمرت البلاد بالمال، وباشرت بحملة إعمارٍ هائلة، وساعدت الحزب في توسيع جيشه.
ما يزال عددٌ قليل من (الشيكات) لمصلحة السلطة المحلية لحزب الله.
لكن نشاط الجماعة في الخارج ما يزال يثير قلق كثير من اللبنانيين، في حين إنَّ قوتها تعد خطرًا على البلاد.
لدى حزب الله أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة موجهة إلى إسرائيل إضافة إلى 30 ألف مقاتلٍ مدرب، وعدد أقل من قوات الاحتياط، بحسب ما قال الجنرال رام يافني، قائد الفرقة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي. وتقول إسرائيل أيضًا إنَّ حزب الله يندمج في الدولة اللبنانية بحيث لا يُميَّز بين الاثنين (الحزب والدولة/ البلد) في حربٍ جديدة.
في الوقت الحالي، يبدو أنَّ حزب الله يتجنب التصعيد مع إسرائيل من أجل التركيز على أماكن أخرى. ولجماعة الحزب السياسية في لبنان كثير من الشخصيات السياسية لإيجاد سبلٍ للعمل مع الجماعة.
وقال آلان عون، وهو عضوٌ مسيحي في البرلمان من حزب الرئيس (تيار الإصلاح والتغيير): إنَّ حزب الله حافظ على نشاطه المحلي والإقليمي منفصلًا، وأنّه يعدّه شريكًا سياسيًا مهمًا.
إلا أنَّه قال: إنَّ دعوة لبنان الى احتواء حزب الله كانت غير واقعية بعد عقودٍ من الدعم من إيران وسورية، وإنَّ المواجهة مع الولايات المتحدة، وإسرائيل ساعدته في النمو.
وقال عون: «هذه الدول كلها أسهمت منذ 30 عامًا في خلق هذه السلطة، والآن تقول:اذهبوا، يا لبنانيين، وحلوا هذه المشكلة»، وأضاف: «إنَّها أكبر منا».

 

مركز حرمون

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع